الرئيسية / كتاب كوة / علي محمد اليوسف / شذرات فلسفية وتعقيب

شذرات فلسفية وتعقيب


علي محمد اليوسف/الموصل

شذرة 1: الفكر واللغة

اختلاف الفكر عن اللغة, هو أن التفكير فعالية ذهنية صامتة داخل العقل ,بينما تكون اللغة هي تعبير العقل فكريا عن الاشياء في وجودها المادي الواقعي في العالم الخارجي, واللغة تعّبرأيضا عن الوجود الخيالي بالذهن صوريا خياليا كمتعين غير مادي لا يتم أدراكه بلغة الكتابة فقط كما في تعبير اللغة عن الابداع الادبي بكافة اشكاله وأجناسه, بل وكذلك التعبير بلغة الكمون الايحائي التأويلي المختزن في محتوى التعبير عن الجمال والفنون وبعض القيم والحق الخ.

واذا كنا لا نتوفرلا بالعلم ولا بالفلسفة على أية آلية تبّين اختلاف اللغة عن الفكر باعتبارهما تعبيرا واحدا عن وجود الاشياء,داخل وخارج الدماغ, فهذا لايمنع القول بأسبقية أدراكاتنا الحسيّة للاشياء بالفكر قبل اللغة في وجودها بالعالم الخارجي, وليس كل مايدركه الفكرعقليا يتوجب أو يمكن التعبيرعنه بالضرورة لغويا, فقد يكفينا أدراك الكثير من الاشياء فكريا دونما حاجتنا اللغة التعبيرعن ظاهرياتها الفكرية العقلية لها.

لكن من المهم أننا لا نفكر بالصور والرموز المجردة في أدراكنا مواضيع لا تعبير لغوي يؤطرها في حال رغبة الانسان ارسالها تداوليا , كما لا الفكر ولا اللغة يعبّران عن شيء بلا معنى لا في المحتوى ولا بالشكل اللغوي الخارجي , ولا نتمكن من التعبير بالفكرعن محتوى تجريدي عن اللغة في خلو موضوع تفكيرنا من المعنى الصوري في شكل اللغة التي تعبّر عنه بعد استكمال الادراك المادي العقلي له ذاتيا وموضوعيا..وأذا كان الفكر يمثل جوهرومحتوى الموضوع المدرك فاللغة وعاء الفكر وهي شكله المؤطر لمحتواه.فهما أي اللغة والفكر يتمايزان في حدس الدلالة للشيء ولا يتمايزان في التعبير عنه سوية.

شذرة 2: فرويد واللاوعي

(ان اللاوعي يتجاوز الزمن),….فرويد

أن اللاوعي أي اللاشعورفي علم النفس هو حالة نفسية سلبية ساكنة لا تمتلك التأثير ولا القدرة على تجاوزها الزمن لعدم أدراك حالة اللاشعور أو اللاوعي للزمن,بما يشبه الحال في أدراكنا الزمن حدسيا في شعورنا الطبيعي الواعي للاشياء .وما يجعل اللاشعور عاجزا عن وعيه الزمن أيضا هو انعدام الزمن المنظّم الناقل لحالة اللاشعورللعقل. والانسان يعي الزمن ادراكا حدسيا في اليقظة ولا يستطيع وغير متاح له حدس الزمن في الاحلام.

بعكس الزمان الذي هو فعالية ديناميكية شغّالة بحيوية فائقة في حالة وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة, وليس في حالة اللاشعور المغيّب عنه وعيه الحسّي المادي الادراكي لذاته والوجود, ويبقى الانسان الحالم اللاواعي محتفظا بالعقل في أدراكه الاشياء عشوائيا من غير أنتظام بخلاف أدراكه لها في عالم الواقع, لكن اللاشعور لا يتبادل الادراك مع الزمان الذي لا وجود له في عالم الاحلام كأدراك منظّم يقوم بترتيب تداعيات صور الاشياء في الذهن, كما في حالة الحدس به شعوريا في الواقع الطبيعي للانسان, لذا فالزمان المنّظم الغائب هو الذي تتجاوزه حالة اللاوعي الحلمية من غير وعي وأرادة الانسان, لأنه لا وجود للزمان الحدسي في حالة اللاشعور, ولعدم حاجة عقل الانسان للزمان حدسيا في حالة اللاوعي الذي يكون العقل فيه عاطل الحدس الادراكي المنظّم .

فالزمان يحتاجه العقل في أدراكه الوجود والطبيعة والاشياء المادية الموجودة بالمحيط الخارجي ولا يحتاجه في حالة اللاوعي اثناء النوم.كون العقل ذاته لا يدرك تداعيات صور الاشياء الذهنية في حلم الانسان اثناء النوم في غياب تنظيم الزمان لاشعور الانسان من جهة ومن اختلاطات الصور الذهنية مكانيا من غير تنظيم معقلن زمانيا لها.

ومدركات تداعيات صورالاشياء أثناء النوم في غياب الوعي وحضور اللاشعور أنما يدركها عقل الانسان الباطني اللاشعوري في عشوائية تلغي تحقيب الزمان أو توقيتاته المعتادة في تنظيم عالم الاشياء الخارجي في مرجعية الزمان للعقل, كما تلغي عشوائية تداعيات صور اللاشعور أثناء النوم تنظيم حدسها العقلي المتداخلة زمانيا – مكانيا في أستلام عقل الحالم لها.

مجمل وعديد من صور الاشياء يتحرر فيها اللاشعور من وصاية أدراك الزمان والمكان لصور وأشكال تداعيات الموضوعات التي يستلمها اللاشعورعند النائم في أنسيابية غير مسيطر عليها ادراكا عقليا منظمّا, ودون ترابط بينها أغلب الاحيان بأختلاف أن فهم العقل للاشياء وادراكها في وجودها المادي الخارجي يكون منظّما محكوما بالزمان والمكان, وهذا غيره تراجع دور العقل الواعي الذي يكون مقيّدا وبلا وصاية مؤثرة أثناء مرور تداعيات صور الاشياء في اللاشعور الذهني عند النائم الحالم التي لا وصاية للعقل الطبيعي اليقظ في ادراك تلك التداعيات, وأن كان عقل الحالم حاضرا أثناء تداعيات صور الافكار والاشياء بشكل ادراكي غير منتظم في اللاشعور في غياب الزمان والمكان ادراكها الصحيح كما في الواقع. من جهة اخرى فان التداعيات الحلمية اللاشعورية لا تتسم بالثبات التي يجعلها طيّعة لتنظيم الزمان لها, كما هو الحال في وجود الاشياء في الطبيعة الذي يتسم بالثبات النسبي ومطواعية الموجودات المادية للزمان في نقل معطيات ظواهرها الخارجية لا  جواهرها الى مصنع الحيوية التخليقية في الذهن.

والانسان لا يدرك الزمان في حيويته حالة الوعي الحدسي به في الطبيعة, ولا يدركه حدسا عقليا في اللاشعور أثناء النوم أيضا, كذلك الزمان لا يدرك اللاوعي في عشوائية تداعيات صور الاشياء له.,فالعقل شغّال من غير تنظيم مدركاته في غياب الادراك الزماني الواعي اثناء النوم, كما أن العقل شغّال أيضا غير مفارق ذهن الانسان في حالتي الوعي واللاوعي لكن باختلاف جوهري وظيفي كبير جدا, أي أن الزمان المنظّم لا يدرك حالة اللاوعي أو اللاشعورعند الانسان أثناء النوم في الاحلام, ولا يتدخل بها كما هي الحال في تداخله مع وعي الانسان وادراكه وجود الاشياء الحدسي الحسّي في الطبيعة,. وحالة الوجود اللاوعي أو اللاشعور عند الانسان لا يدركها العقل ولا الزمان في نفس آلية ادراكهما المنظّم تجليّات وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة والوجود الواقعي باليقظة الذي تتظافر به مجتمعة معطيات الحواس,والجهازالعصبي الناقل, وتعبيرات اللغة والفكر والدماغ في أدراك الاشياء المادية وأعطاء تفسيرات لها.

الزمان في حال كونه معطى أدراكيا ثابتا في الذهن, أو كونه ديناميكية شغّالة يعتمدها العقل ترتبط بالحواس والمعطيات الادراكية المنقولة اليه في الذهن فهو في كلتا الحالتين يدرك الوعي في تجليّاته الفكرية, ولا يدرك الزمان حالة اللاوعي في ألاحلام عند النائم لأن الزمن يكون عند الحالم متداخلا مع تداعيات صور الاشياء في ذهنه, وليس متعاليا عليها في تنظيمها حدسيا كما هو دور الزمان في حدسه الاشياء في عالم الوجود والطبيعة التي يكون فيها الزمن متعاليا عليها وليس في تداخل عشوائي بها ومعها كما في حالة اللاشعور.

والزمان لا يدرك ذاته باختلاف حالتي وعي الانسان أو اللاوعي الحلمي في ضياع ادراك ذاتيته المغيّبة وسط تداعيات مخيّلة الذاكرة التي يستلمها اللاشعور في عشوائية من التداعيات والانتقالات خارج الزمان والمكان غير المدركين حدسا عقليا كما هو في حالة وجود الانسان ضمن الطبيعة.

والعقل لا يفهم معطيات مدركات الزمان للاشياء من غير تنظيمها الادراكي قبل استلام الذهن العقلي لها والتفكير المجدي بها.أي أن النائم الحالم يخرق قوانين الطبيعة في أحلامه من دون وعيه وأرادته الشعورية وذلك في تحييده هيمنة العقل والغاء وصاية الزمان الملازمة لوجوده..

وفعلا تبقى مقولة فرويد أن اللاوعي لا يحتاج الزمن أو هو متحرر منه صحيحة  فالانسان لا يتحرر من سطوة الزمان عليه الا في حالة اللاوعي او اللاشعور أثناء النوم والاحلام التي تتداخل فيها صور الاشياء بالذهن من غير زمن ينظمّها,ولا مكان ينتظمها, واللاشعور تنشط فعاليته في غياب وصاية كل من الحواس والزمان والعقل عليه في حالة مروره بالاحلام التي يأخذ فيها اللاشعور كامل حريته في تحقيق الوجود المتحرر للانسان الذي يفتقده في حالة الوعي والشعوربضغط قوانين الطبيعة عليه, وفي تحرره هذا من قيود قوانين الطبيعة انما يصبح كائنا خارقا لقانوني الطبيعة الزمان والمكان في لاشعوره الحلمي..

الزمان لا يشتغل الا مع وعي الانسان المتبادل معه حدسا أو أدراكا أستدلاليا. بفارق أن الزمان يدرك الانسان كوجود في الطبيعة حاله حال جميع أدراكات الاشياء المحيطة به, لكن الانسان لا يقوى على أدراك الزمان سوى من خلال حدس تجليّاته في أدراكه ظواهر ألاشياء المنقولة للعقل عبر معطيات المدركات.

كما لايستطيع الانسان أدراك الزمان في حالة اللاوعي أيضا عند الانسان الحالم في تداخل المكان والقطوعات الزمنية غير المنّظمة عنده في تداعيات صورية غير مترابطة تماما تتراقص في الخيال الذهني اللاشعوري من دون حضور الزمان المنظّم في تحقيقه وعي الانسان بذاته وفي محيطه في غياب لاشعور النائم وتداعيات صور الاشياء عشوائيا بالذهن الحالم.

أن اللاوعي في مفهوم علم النفس هو وعي مغيّب الحضور الانساني على مستوى تغييب الادراك العقلي والزماني – المكاني له, واللاوعي مرادف اللاشعور, لذا يكون اللاوعي أو اللاشعور الحلمي أثناء النوم وجود مفارق للواقع الزماني والمكاني والعقلي,في الغاء الحدود التي يضعها الشعور الافتراضي في تحقيب الزمن تاريخيا الى ماضي وحاضر ومستقبل وفي توقيتاته الزمنية في التقويم الزمني المعتاد المتواضع عليه في تقسيم اليوم والساعة والايام والليل والنهار والفصول وغيرها أيضا.

 في اللاشعور أو اللاوعي عند النائم الحالم لا يدرك ذاته ولا يدرك المحيط من حوله لأنه ثبات لا يمكنه ادراك متغيّرات صورية متداعية لا ينتظمها الزمان ولا يحدّها المكان ولا يسيطرعلى تنظيمها العقل, بخلاف آلية وعي الانسان الاشياء والطبيعة في حال اليقظة, عن طريق نقل الزمان الذي يعتبره كانط أدراكا مقولبا ثابتا في العقل وسابق على وجود الاشياء, في نقل الزمان معطيات ومدركات المحسوسات, فاللاشعور في ثباته لا يدرك الزمان منتظما توقيتيا او تحقيبا تاريخيا, ولا يدرك المكان وجودا منتظما لأنه محكوم بزمن غائب ومتغّير ومكان خارق قوانين الطبيعة في تداخله مع تداعيات صور الاشياء بذهن النائم الحالم , عليه يكون تداخل التحقيب الزمني غير وارد ولا حاصل مع أدراك اللاشعور لصور الاشياء بأشكال مختلفة عنها أثناء النوم بالمقارنة في حضور أدراك الاشياء المادي الواقعي في حضور وتأطير أدراك الاشياء بانتظام زمني وانتظام مكاني معا, وأنما يدرك اللاشعور وجود الاشياء وأجترارت الذاكرة الصورية للاشياء القصّية البعيدة والقريبة في عشوائية ذهنية مكانية لا يداخلها الزمني في الحلم وغياب الشعورأثناء النوم.أن حضور الزمن العاطل في لاشعور الحالم, لا يشبه حضور الزمان الفاعل في وعي الانسان للطبيعة والاشياء وفي حدس الزمان.

والانسان في وعيه الادراكي الشعوري الواقعي لذاته, وفي أدراكه وجود الاشياء من حوله في الطبيعة, أنما يتم له ذلك من خلال تحقيبه الزمن أدراكيا في وجود الاشياء وفي التوقيتات الزمنية بدءا من الساعة وليس انتهاءا بتعاقب الفصول الاربعة. وبذلك تكتسب الاشياء أنتظام وجودها الزماني – المكاني في الطبيعة الانسانية وليس في اللاشعور.

كما أن أي تجزيء توقيتي للزمن أو تحقيب تاريخي له أنما هو عمل افتراضي لا واقعي لزمن واحد يعيشه الانسان في وعيه الشعوري وأدراكه وجود الاشياء, ويتعذّر على الانسان تجزئة الزمان أو تقسيمه أوتحقيبه تاريخيا في حالة اللاشعور,لأن حضور الزمان في اللاشعور لا يمكن حدسه منظّما مثلما يعيشه الانسان فقط في حدسه الاشياء في الطبيعة وليس في أدراك الزمن لذاته او معرفة الانسان ماهيته. الزمن لايدركه الانسان ولا يحس به وجودا وأنما يحدسه عقليا فقط في أدراكاته  ونتائجه الاستدلالية في ملازمته الشعورالمدرك فقط وليس اللاشعور.

والزمن واحد في تداعيات صور الموضوعات غير المنتظمة في أستقبال ذهن الانسان وذاكرته في انتظام ادراك الاشياء عقليا.فالزمن ثابت ولا يتغير لافي ثبات الاشياء مكانيا ولا في تغيراتها زمانيا بالنسبة لادراك الانسان للاشياء وليس في أدراك الزمان لها , فالزمن لايعي ذاته ولا يعي دوره في تحقيق مهمة العقل أدراك الاشياء وتفسيرها وانما يكون ناقلا صور معطيات الادراك ألى الدماغ فقط.

وبالعودة مجددا الى مقولة فرويد, نجد غياب الزمن في اللاوعي أو في اللاشعور لايتم الا في فقدان الانسان شعوره المادي الواقعي بالحياة كذات وموضوع معا, بمعنى أن حلم النائم هو موت مؤجل في الحياة ويعيشه الانسان في لا شعوره به أثناء النوم بفارق بقاء ألعقل والنظام البايولوجي يعمل في الجسم مستيقظا أو نائما. وفي اللاشعور وفي الشعور على السواء يدرك الانسان أنه حي وليس ميّتا.

وفي غياب الزمن التوقيتي او التحقيبي أثناء النوم كما يجري في الاحلام تتوفر أمكانية أن يجد الانسان نفسه كائنا خارقا لقوانين الطبيعة,ويستطيع بكل يسر وسهولة وبغير أرادة مسبقة منه القيام بالخوارق في كسر قوانين الطبيعة في الزمان والمكان الذي نعيشه, والتي يستحيل على الانسان في عالمه الواقعي القيام بأبسطها في وجوده الطبيعي الشعوري .. .. .

أن خرق قوانين الطبيعة في الاحلام عند الانسان ممكنة الفعل والتصديق بها من قبل الفرد الواحد صاحب التجربة الحلمية, ولا يشابه هذا خرق قوانين الطبيعة زمانيا – مكانيا التي يحتازها الانبياء وينسبوها لأنفسهم في امتلاكهم بعضا من المعجزات كما في الاساطير الدينية على الارض, ويتم خرق قوانين الطبيعة عند غالبية الاشخاص زمانيا – مكانيا اثناء الاحلام, وبلا حدود واقعية فارقة تعودوها واستمدوها من وجودهم الارضي الواقعي الذي ينتظمه الشعور والادراك الواقعي الحسّي العقلي وتنظيم الزمان والمكان لمدركات العقل.

كما يتحقق للانسان أثناء النوم أن يعيش الزمن في بعد واحد فقط تتداخل فيه الامكنة غير المترابطة ولا المنتظمة زمانيا , ولا يوجد هناك أكثر من بعد زمني واحد تتداخل فيه صور الامكنة الماضية بالحاضر والمستقبل المتخّيل في الاحلام وفي اليقظة ايضا. وأن تقسيم الزمن وتحقيبه هو من أبتداع ملكة الانسان العقلية والخيالية على السواء في تنظيم ادراكاتنا واساليب حياتنا المتواضع عليها عبر العصورفي خضوع الانسان لتحقيب وتوقيتات الزمن التي أبتدعها وأوجدها ملائمة لتنظيم حياته, ولم يكن الانسان في يوم ما مسيطرا على الزمن في تحقيق رغائبه وأمانيه, بل العكس هو الصحيح تماما فلا يقدر الانسان الفكاك من سطوة الزمن عليه واستعباده له منذ الولادة وحتى المماة , فالانسان في تحقيبه الزمن تاريخيا وتنظيم مواقيت التقويم الزمني له يدرك ماذا يفعل , بينما تكون سيطرة الزمان على الانسان عملية لا تعي ذاتها ولا تعي مايفعله الانسان معها ولا تدرك أن الانسان عبد لزمانه وليس سيدا عليه.فالزمان الذي هو أحد القوانين الطبيعية التي تحكم الوجود الانساني لا يخضع لرغائب الانسان ولا هو موجود لتلبية أحتياجات الانسان له.ولا دخل للزمان في ترسيم حياة الانسان ولا مستقبله, فالزمان هو اولا واخيرا وسيلة العقل في ادراكه الواقع الطبيعي حدسا زمنيا.

شذرة 3: هيجل والوجود

يقول هيجل ما معناه, أن كل واقعي هو حقيقي وكل حقيقي هو واقعي,أو أن كل عقلي حقيقي وكل حقيقي عقلي.

أراد هيجل بذلك القول أن مايدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده بالضرورة الادراكية له أن يكون موجودا حقيقيا في عالم الاشياء, وهي نظرة ميكانيكية في الادراك في بعض من جوانبها لا تقبل التعميم على أدراك جميع الموجودات والاشياء والظواهر في الطبيعة. كما نجد بارمنيدس قوله (اللاوجود موجود) ويقصد به أنه يتعذر علينا تحديد الوجود الحقيقي للاشياء بغير اللاوجود الحدسي الافتراضي لها.وكلاهما الوجود واللاوجود أنما هما حالتين متداخلتين من أدراكنا الاشياء مكانيا – زمنيا, وأدراك مكان الشيء زمانا يلزم بالضرورة أدراكه في وجود مكاني وزماني متغيّرآخر على الدوام وفي حالة من الصيرورة الدائمية. فيصبح اللاوجود هو وجود مكاني مدرك زمانيا باستمرار الاستدلال المنطقي الحدسي له.

بعبارة ثانية أن الفراغ مكانا لا يدرك بغيرالامتلاء. وبذلك نتمكن أدراك وجود الاشياء في تحولاتها المادية. بمعنى أن الوعي الحقيقي الذاتي هو في وعينا الآخر كموضوع في وجوده المادي الواقعي أو في وجوده الخيالي. كما أن الآخر هو وجود مغاير للوعي الذي يدركه دائما.

شذرة 4: برجسون والذاكرة

أرجو التركيز معي في عبارات الفيلسوف الفرنسي برجسون الآتية, كي يتم ربطها ربطا توضيحيا نقديا مجديا في تعقيبنا عليها. (يرفض برجسون ربط الذاكرة بالدماغ, الدماغ العضو الذي يقدمه الماديون على أنه مركز الذاكرة, ويقول برجسون أنه لو كان للذاكرة محل محدد في الدماغ, أذن لاختفت أجزاء كاملة من الذاكرة في حالة حدوث أصابات معينة بالمخ. ويرى برجسون أن الاهم هو تشبيه الدماغ بالمكتب المكلف بتوصيل الاشارات والرسائل من جهة الى اخرى. ويضيف أن مهمة الدماغ ليست القيام بواجبات الحياة الروحية بالمعنى الدقيق, ومن جهة أخرى يرى برجسون أن الذاكرة ليست أدراكا حّسيا وقد ضعف,وأنما هي مختلفة اختلافا جوهريا عن الادراك الحسي.).

انظرالفلسفة المعاصرة في اوربا/سلسلة كتب عالم المعرفة – الكويت/تاليف ا.م. بوشنكي/ترجمة عزت قرني ص149

التعقيب:

  1. أن عدم ربط الذاكرة بالدماغ فسلجيا وظيفيا كما فعل برجسون لا يقول به ولا يقبله, أي طبيب أو عالم متخصص بالدماغ والجهاز العصبي, ولا يقر به فيلسوف يحترم قيمة العلم, ولم يشر لنا برجسون صاحب جائزة نوبل بالادب من هو المسؤول عن الذاكرة في غياب ربطها بالدماغ؟, وكيف تعمل وماهو فرق واجباتها عن واجبات ووظائف الدماغ؟ وما مصدر الافكار الاسترجاعية التذّكرية في الدماغ غير الذاكرة؟.
  2. في تعبير الفيلسوف برجسون الذي لا يقول به شخص عادي يعرف الف باء وظائف الدماغ, يذهب الى استنتاج يتفرد به وحده دون غيره, أن الذاكرة أذا ما كانت مرتبطة بالدماغ, فأن أي تلف يلحق بالدماغ يمحو من الذاكرة أجزاءا كبيرة منها !!

غريب أن يصدر مثل هذا الاستنتاج الفذ من فيلسوف لا يقر بارتباط الذاكرة بالدماغ كي لا يكون أي تلف بالدماغ يستتبعه محو أجزاء من الذاكرة والذي لا ينكره عليه عاقل. لكن هل أنكار ربط الذاكرة بعمل الدماغ مقبولا ومسوّغا  للحيطة والحذر من أتلاف الكثير منها في تلف أجزاء من الدماغ !! وهل الذاكرة أهم وأكثر تثمينا من الدماغ اذا صحّت السذاجة في التعبير المقارن؟ اذ ليس هناك قيمة للذاكرة في تغييب أو غياب الدماغ, كما من السذاجة الاكبر لجوئنا الى فصل التبادل الفسلجي الوظيفي المشترك بينهما, اكراما لمعلومة برجسون في تحذيره ربط الذاكرة بالدماغ .

ولكي نتجنب خطر محو أجزاء من الذاكرة علينا عدم ربط الذاكرة بعمل الدماغ, وأيضا لايقدّم لنا الفيلسوف ولا يعطينا بمن ترتبط الذاكرة ؟, ولا بمن نتبعها ونلحقها ومن المسؤول عنها؟ كي لا تتعرض للخطر ومحو أجزاء منها؟؟هل نربط الذاكرة بعمل القلب فيكون عندنا أي عطل أو مرض يصيب القلب يمحو من الذاكرة الكثير؟, أم نربط الذاكرة بالضمير فيصبح كل صاحب ضمير ميّت بلا ذاكرة أو مجنون, وهكذا في تعدد احتمالات ربط الذاكرة بعضو من الجسم يكون مسؤولا عنها غير الدماغ.أم نبقي الذاكرة يتيمة بلا أم ولا أب ولا معيل والكل بريء منها كي نضمن سلامتها أكثر من سلامة وجود الانسان حيّا؟؟

3.أن وظيفة الدماغ حسب برجسون هي ليست القيام بواجبات الحياة الروحانية بالمعنى الدقيق, ويريد على أفتراضنا حسن النية بسلامة فكرته بهذه المسألة, أن القضايا الروحانية يعنى ويتحكم بها ضمير الانسان أو أخلاقه او نفسيته وليست هي من واجبات الدماغ في المعنى الدقيق حسب تعبيره.

وكي نخلص من أحراجات برجسون اللفظية, نقول أن مجمل عواطف ووجدانات الانسان وأحساساته وميوله النفسية وعلاقة الحب والكره, والشر والخير وكذلك العلاقة الجنسية واشباعها, أنما المسؤول عنها ملايين الخلايا التي يتحكم بها الدماغ لا غيره, والقول بأن مصدر تلك الفعاليات التي مررنا بها هي من خاصية القلب او اللاشعور والنفس , فهذه بمقاييس الطب العلمي النفسي والجهاز العصبي غير معمول بتصديقها كمسلمات علمية أكثر منها تعبيرات في مسائل هي من أختصاص طب علم النفس البت بها وليس الفيلسوف. وفي الاخير هي تتبع وظائف وعمل الدماغ تحديدا ولم يثبت لحد الآن علميا براءة الذاكرة من الدماغ ولا براءة الروحانيات من النفس التي تتبع الدماغ أيضا , الذي يمتلك وسائل علمية في أعطاء أجوبة كل تساؤل بهذا المجالمن عاطفة وضمير ووجدان وميول وغرائز الخ.

شذرة 5: الوضعية المنطقية الجديدة

في محاولة أقطاب أحياء فلسفة الوضعية المنطقية الجديدة تجديدهم الافكار الكانطية, وهما الفيلسوفان الايطالي كروتشة والفرنسي برنشفيك بداية القرن التسع عشر, في طروحاتهما الفلسفية النقدية التي خرجت خروجا تاما على أفكار كانط في أدعائها محاولة تجديد تلك الافكار, فهما ينكران أن يكون الحس مصدرا موثوقا وأصيلا متقدما على باقي وسائل المعرفة, ولا يقرّان تقسيم وجود الاشياء الى فينومين ونومين, أي الظواهر والجواهر, كما لا يعترفان أيضا بما يسمى ( الوجود في ذاته), معتبرين الفلسفة هي تحليل لغة العلم فقط, وأن منهج الفلسفة منهج علمي صارم, ويدين برنشفيك في مثاليته النزعة التصورية التي تذهب الى أن الحكم على الاشياء يسبق كل انشطة العقل الاخرى, وتعريفه الفلسفة أنها(نشاط عقلي يعي نفسه).

وبالعودة الى كروتشة فهو يرى أن الدين والميتافيزيقا عجزا عن مجاراة العلوم الطبيعية من حيث القدرة على أمداد الانسان بالمعرفة الحقيقية, وأن الميتافيزيقا كانت ومنذ البداية مشروعا عقيما مستحيلا, والدين هو اسطورة وفلسفة كاذبة, والعلم الذي يستحق أسم الفلسفة هو فلسفة العقل.

         شذرة 6: الوعي هو الجحيم

لا يعرف الانسان قيمته الحقيقية الا بمقدار أن يجد وجوده المجتمعي الحقيقي, يضاعف وباستمرارأعداد الناكرين عليه مساهمته نقد وتجديد بعض أساليب الحياة نحو الافضل وعرقلة جهوده بل ومعاداته بدناءة أيضا, وبوسائل لم يعد العالم يتعامل بها بما تحمله من تخلف حضاري وأنانية وقتل الابداع وأعدام وسائل وفرص التغيير المجتمعي.

الانسان ألذي يسعى أن يجد حقيقته الانسانية في مجتمعه , يرى أنه يعيش تناقضين لا يهضم أحدهما أو كلاهما, فهو يعيش تناقضه المجتمعي من خلال أنه أنسان غير متصالح مع نفسه في ألغاء ضميره وتعاطيه مسايرة المخطوء بالحياة التي هي ألوسيلة الوحيدة التي تريحه من وجع الرأس وتطمئن وجوده المجتمعي الزائف في الحياة, ويعمّق هذا الاحساس أن ضمير الانسان يصبح على المحك, فأما أن يلغي حساسية وعيه النظيف,وتكون هذه الحساسية المرضية هي التي تميت ضميره من خلال زيادة وتعميق وعيه المثالي الذي يمنعه مجانسة الانحراف والتسليم في قدره المحتوم بالانسحاق المجتمعي المنحرف, وفي سعيه اللامجدي بلوغ تحقيقه القيم الصحيحة في مجتمعه. وأما يقبل التحدي ويصارع طواحين الهواء بلا نتيجة..وبغير هذا التناقض الجدلي الذي يعيشه الانسان الموزّع الضمير بين الصحيح والخاطيء بالحياة, وفي عدم استطاعته تحقيق الاتساق المتصالح مع النفس والمجتمع. لا يبقى امامه الا أن يتطابق مع وعيه المجتمعي الزائف في نسيان وجوده باندماجه في الكلية المجتمعية ودخوله رتابة الحياة اليومية التي يستهلكها أشباع الغرائز والحاجات البايولوجية الضرورية في أدامة حياته كيفما أتفق , ويعيش عذابات الخلل الزائف في ذاته قبل أدراكه الخلل المستشري بمجتمعه وعجزه عن فعل أي شيء يؤمن به وبذلك يكون الوعي الحقيقي هو الجحيم.

الباحث علي محمد اليوسف /الموصل

شاهد أيضاً

الأخلاق والحياة: مهمة الإنسان الاخير – المقالة الثانية

بقلم: ادريس شرود “ليس الدّين مجرّد تقنية من تقنيات الآخرة، بل يمكن أن يكون أحد أنبل أشكال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *