الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / يوتوبيا الممكن في تصور هربرت ماركيوز

يوتوبيا الممكن في تصور هربرت ماركيوز

حمزة لخضر

لاحظ هربرت ماركيوز Herbert Marcuse العلاقة التي تربط  بين وعي الإنسان المعاصر والإيديولوجيا التي يتبناها مجتمعه الصناعي المتقدم، كنسق فكري أو كطريقة تفكير وما تثيره من آفاق قد تمتد الى المجال اليوتوبي وأدرك أن صورة الوعي تحصيل للتشكيل الذي تمارسه عقلانية هذا المجتمع، فاعتبره صورة زائفة لا تعكس الوعي الأصيل للحياة. كما أعلن نهاية  يوتوبيا المجتمع الصناعي المتقدم تعبيرا عن فشل الايديولوجيا المعتمدة. فهل تحمل يوتوبيا  ماركيوز حلولا وبدائل لإخراج الإنسان المعاصر من أزمته؟

تعتبر الايديولوجيا مجالا معرفيا يهتم بدراسة نشأة التصورات العقلية التي تحدد صورة الوعي وهو ما يتيح إمكانية ضبط نسق فكري عام، ونظرة شاملة لجميع الموضوعات، فهي “علم موضوعه دراسة الأفكار بالمعنى العام لظواهر الوعي ومزاياها وقوانينها وعلاقاتها مع العلامات التي تمتلها وبالأخص أصلها” [1].  ولأن فهم أبعاد أي نسق إيديولوجي متشبعة، فإننا نجد الجانب السياسي ظاهرا رغم ما تتسم به عقلانية المجتمع الصناعي المتقدم من شمولية ـتوتاليتاريةـ مما جعل كل المجالات موجهة ضمن نسق ايديولوجي واحد، كما نجد وعيا بالحياة متماثل لدى جميع أفراد المجتمع معبرا عن آليات تفكير واحدة. وهي “فكر نظري يعتقد أنه يتطور تطورا تجريديا في غمار معطياته الخاصة به لكنه في الواقع تعبير عن وقائع اجتماعية، ولاسيما عن وقائع اقتصادية، فكر لا يعيه ذلك الذي يبنيه أو على الأقل لا يأخد في حسبانه أن الوقائع هي التي تحدد فكره”[2]. ويبدو أن ماركيوز يتعامل مع مفهوم الايديولوجيا بانفتاح كبير يشمل كل أبعادها السياسية ووقعها الاجتماعي، وعلاقتها بالجانب الفكري، فماركيوز يقيم ربطا محكما بين المقولات الاجتماعية وعناصرها الفكرية والفلسفية، فلا توجد أفكار مجردة مستقلة بذاتها.

ويرى ماركيوز أن غاية ما وصلت إليه إيديولوجيا السيطرة هي فرض مبدأ الواقع، والإبقاء على ما هو قائم، حيث الجميع متجانسون فكريا وغريزيا واجتماعيا وسياسيا، وعليهم الامتثال الى الاتجاه العام الذي يصبو إليه المجتمع، “ولما كانت الايديولوجيا تعرف بأنها الوعي السيئ فإن هذا السوء ناتج أساسا عن علاقة معينة لوعي بالوضع الاجتماعي الذي تنتمي إليه : يعد إيديولوجيا الوعي الذي ينخرط  في علاقات الهيمنة القائمة ويبررها”[3]. في حين يعتبر أي خروج عن مسار المجتمع خللا وليس إمكانية تغيير، مما يفرض إعادة الإدماج للعنصر المتمرد، وقد نبه ماركيوز أن عقلانية السيطرة تسخر المعرفة العلمية، خاصة مجال العلوم الإنسانية لتنميط الأفراد وجعل الإنسان طيع.

إن وعي الإنسان نتاج  للإيديولوجيا التي يعتقدها أو التي توجهه، وهو ما يجعل الوعي الحاصل أصيلا متى التزم بمبادئ الإيديلوجيا القائمة، وزائفا إذا خالفها. في المقابل وعلى العكس يرجع ماركيوز أصل وعي الزائف الى مسايرة نظام الأشياء القائم، وإنما يعد أصيلا لدى عقلانية السيطرة إنما هو صورة خادعة وزائفة، ويبدو أن ماركيوز يأخد موقف قلب القيم التي عمل بها فرديريك نيتشه Friedrich Nietzsche، وعليه فإن ايديولوجيا المجتمع الصناعي المتقدم تعبير عن توجيه للوعي الزائف وليس الأصيل، ويتبين كذلك أن ماركيوز يرفض هذه الايديولوجيا ويسعى الى إبراز تناقضاتها.

لقد اهتم ماركيوز بمفهوم الوعي بين كونه أصيلا أو زائفا عند تحليله لإيديولوجيا المجتمع الصناعي المتقدم، دون مراعاة للإختلاف بين الايديولوجيا الرأسمالية أو الاشتراكية، ورأى أنهما صورة لنموذج واحد، ينتهي بالوعي الى الزيف الذي يجعل الإنسان خاضعا وطيعا، وأن الأفكار التي تتضمنها إيديولوجيا السيطرة ليست شيئا آخر سوى التعبير هن مبدأ الواقع، أو العلاقات المتشيئة التي تحيل الى نظرة أحادية البعد. فالوعي المفروض لا يعبر إلا عن مصالح عقلانية السيطرة، لذا فقد عده وعيا زائفا، ونتيجة عمل إيديولوجي، وهو بذلك يخرج بالإيديولوجيا من إطارها النظري إلى وظيفتها العملية التي تؤديها، فهي من الآليات التي تحدد الواقع المطلوب، وتحدد العلاقة المناسبة بين الإنسان وهذا الواقع، حيث يقنع الناس بوجودهم في إطاره. ويرفض ماركيوز بذلك أن يتم تحويل الايديولوجيا الى آلية السيطرة على الإنسان فردا أو جماعة، وأن تستخدم لتنميط الوعي.

نبه ماركيوز الى قدرة المجتمع القائم من خلال آلياته، من عقلانية تكنولوجية ومبدأ المردود وإدارة محكمة، وكل وسائل الهيمنة التي طالت جميع مناحي الحياة الفردية و العامة، بحيث أصبح كل شيء تحت الرقابة، فهذا الحال يمنع عناصر التغيير الجذري ويؤجل كل عمل ثوري، وهو ما يمنع الإمكانات التي تتيحها  حلول اليوتوبيا، كونها تعبير عن كل بديل حضاري مثالي خال من القمع والاستغلال، وإن كانت إمكانية  تحقيقة عمليا أمر متعذر إن لم يكن مستحيلا فقد تراءى لماركيوز نهاية يوتوبيا المجتمع الصناعي القائم، ومنه رفض ماركيوز التوجه العام لإيديولوجيا السيطرة.

إن العودة الى تتبع الربط الذي يقيمه ماركيوز بين المقولات الاجتماعية و المقولات الفلسفية يدرك وجود مجال  يوتوبي  له علاقة وطيدة بالوعي، يراهن فيه ومن خلاله ماركيوز على بدائل حضارية وتصحيحية، خاصة عند انتقاده  للإتضاع الثقافي و الغريزي، وقوله بضرورة الارتقاء الى ما هو أسمى وفي ذلك مفتاح نحو تصور يوتوبي، فماركيوز لا يملك الإقرار بإمكانية التغيير الجذري، ويقول باستحالة الثورة في ظل قدرة عقلانية السيطرة على إدماج كل عنصر ثائر، ومنه يضع ماركيوز حلولا أقرب الى مجال اليوتوبيا منها الى مجال الواقع، غير أن تصوره  لمفهوم اليوتوبيا ليس بالتصور التقليدي، حيث يرى “أن دينامية القدرة الانتاجية في هذه المجتمعات تجرد فكرة اليوتوبيا من سماتها الخيالية التي طالما اعتدنا أن نصف بها مضمون اليوتوبيا. أننا اليوم عندما نصف شيئا بأنه  يوتوبي  فلم نعد نعني أنه يقع في اللامكان، ولا يمكن أن يكون له مكان، بل أصبحنا نعني به أنه ذلك الذي تحول دون ظهور السلطة السائدة في المجتمعات القائمة” [4]. فاليوتوبي ممنوع لأنه لا ينسجم مع الإطار العام الذي تحدده إيديولوجية السيطرة. فمن الضروري الانتباه الى مفهوم اليوتوبيا عند ماركيوز فهو لا يستخدم المعنى المعهود لدى غيره من الفلاسفة، بل يشير الى مجموع البدائل التي يصادرها ويعمل على منعها المجتمع القائم،  لذلك رأى ماركيوز أن إمكانيات المجتمع الصناعي مؤهلة لتجسيد ما كان مندرجا في مجال اليوتوبيا، ورأى أن ما يتم منعه من طرف المجتمع القائم يمثل يوتوبيا الممكن القابل للتحقيق، وعلى العموم “فاليوتوبيا في كتابات  ماركيوز أحيانا ما تشير الى معنى الرفض أو السلب لما هو قائم مع التطلع الى خلق حضارة ذات معالم جديدة، وهذا المعنى يختلف عن المعنى التقليدي لليوتوبيا، من حيث أن ماركيوز لا يقصد باليوتوبيا هنا اللامكان وإنما إمكانية واقعية قابلة للتحقق” [5].

يضع ماركيوز ايديولوجيا ويوتوبيا المجتمع الصناعي المتقدم موضع اتهام، ليؤكد مدى زيفهما وليدافع عن امكانات متوفرة حتى على مستوى المجتمع القائم، على جعل المستحيل المرفوض من طرف هذا المجتمع واقعا قابلا للتجسيد و التحقق، خاصة ما تعلق بتوفير حياة إنسانية دون قمع واستغلال، حياة تنشد السعادة وتعيشها، حرية تتيح تجاوز المأزق الحضاري الذي أفرزه لغوس السيطرة. ويتضح أن تصور ماركيوز لوعي الإنسان المعاصر كنتيجة لتوجيه ايديولوجي، وحتى الاحتمال الذي تتيحه اليوتوبيا أيضا قد حاد عن هدفه وعرف نهايته، فمن المفترض أن تتيح اليوتوبيا القدرة لتوجيه السلوك الى حلول غير متوفرة بالواقع القائم، و أن تسمح اليوتوبيا ولو على المستوى النظري بتحويل الواقع القائم الى الأحسن، وهنا ينفي ماركيوز وجود هذه الإمكانية، لأن ايديولوجيا المجتمع الصناعي المتقدم واعتمادا على مبدأ المردود  جعلت من مبدأ الواقع متطابقا مع مبدأ ما يجب أن يكون، وبذلك تكون تطلعات يوتوبيا الحاضر صبوات لإيديولوجيا  المستقبل، فعقلانية السيطرة تعمل على تثبيت الوضع القائم كما تعمل على ترسيخه وأبديته. بحيث “أن القوى التكنيكية و التكنولوجية في الرأسمالية المتقدمة، وفي الاشتراكية المتقدمة، تنطوي على إمكانيات هي بطبيعتها يوتوبية : وباستخدام هذه القوى استخداما ضخما يتسنى لنا أن نقضي على البؤس والفاقة في المستقبل المنظور” [6].

“وهم الحرية..  ماركوز نموذجا”

“مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركوز”

إن ماركيوز يسعى نحو أكثر من اتجاه للعثور على بدائل تصحيح وتتجاوز الواقع القائم، لذلك قال بنهاية يوتوبيا المجتمع الصناعي المتقدم، واعتبر في الوقت نفسه أن ما تمنعه عقلانية السيطرة بمبرر الحلول اليوتوبية المستحيلة، أو الإمكانية غير القابلة للتحقق. فإنها عين الأفكار والبدائل التي تحقق تجاوز مبدأ الواقع، أي أن ماركيوز في ممنوعات هذه العقلانية إمكانات يوتوبية  قابلة للتحقق وقادرة على احداث التغير الكيفي، و إخراج الإنسان من المأزق الحضاري الذي تشوبه ممارسات القمع و اللاحرية، حيث نجد ماركيوز “يشير الى أن هناك بعض الإتجاهات السياسية و التيارات الفكرية، التي يكون من صالحها بقاء الوضع القائم دون تغيير تستخدم مفهوم اليوتوبيا لوصف أي محاولة لنقد أو تجاوز الوضع القائم بإعتبارها محاولة غير واقعية، وتعارض قوانين الواقع و التاريخ” [7].  فهناك توظيف سيء وقصدي يقرن كل محاولة تحرر أو تغيير بالحل  اليوتوبي، و الغرض مزدوج أوله الإبقاء على الوضع القائم و الثاني أن تتحول فكرة اليوتوبيا الى استحالة مطلقة غير قابلة للتجسيد عمليا، في حين رأى ماركيوز أن اليوتوبيا تمثل كل إمكانية تمنعها عقلانية السيطرة لا لعدم تحققها بل لكونها قد تهز النظام  القائم، هي فكرة تتضمن بعدا تحرريا ويجب استبعادها من خلال تشويه مدلولها.  و”يفرض ماركيوز هذا المعنى الأخير لليوتوبيا لأنه يهدف إلى إعاقة إمكانات تاريخية معينة عن الظهور، ويقمع الطموح البشري، ويجمد إمكانية الغنية. وفي مقابل ذلك يرى ماركيوز أن اليوتوبيا بهذا المعنى المشار إليه ليست في حقيقة الامر إمكانية مستحيلة أو تقع خارج نطاق التاريخ كما يصورونها، بل هي إمكانية تاريخية وإنسانية بالمعنى الدقيق للكلمة” [8].

ويصر ماركيوز على كشف تناقضات المجتمع الصناعي المتقدم، فحين يروج هذا المجتمع لنموذج الحياة الإستهلاكي ومستوى الرفاه الذي يوفره للجميع، فهو لا يتجاوز حد الدعاية لزيف بات راسخا لدى الوعي الفردي و الجماعي على أنه يمثل تمام الحقيقة و”وينتهي ماركيوز من هذه الآراء المتفائلة و المعبرة عن إيمان عميق وبقدرة الإنسان على صنع الفردوس الأرضي، الى القول بأن نهاية اليوتوبيا أصبحت أمرا ممكنا، ويعني بذلك أن ما تطرحه قوى الثورة المضادة على أنه يوتوبيا أو نوع من الوهم هو في الحقيقة إمكانية واقعية وقابلة للتحقق” [9].

إن المبادئ التي يحتكم إليها ماركيوز باستمرار تحدد تصوراته، فاعتماده على مبدأ الرفض الأكبر و ضرورة انتقاد كل ما هو قائم، واعتباره آلية تحيل الى الادماج في نسق البعد الواحد، و اعتماده  كذلك على مبدأ المردود الذي يفرض صورة الواقع فرضا حتميا، كلها مبادئ تساعد في فهم تصور اليوتوبي، فهو أولا يرفض يوتوبيا المجتمع الصناعي القائم، ويربطها بفشل سندها الإيديولوجي الذي يحي الإنسان إلى كائن مندمج وخاضع لمبدأ الواقع وتحت إغراء مبدا المردود في كل حين، وإذا “أردنا ان نفهم معنى اليوتوبيا عند ماركيوز فعلينا أن نحيط انفسنا علما بتصوره الجديد عن الإنسان و العقلانية الجديدة و الحساسية الجديدة و الأخلاقية الجديدة ومعنى التاريخ و معنى التقدم عنده ” [10].

مجموع المبادئ التي يرتكز عليه فكره، وتختلف اختلافا كبيرا عن ما هو سائد من تصورات حول  اليوتوبيا التي بقيت سجينة اللامكان و اللاممكن، أما ماركيوز فقد أنزلها من مجالها المتعالي ليؤكد قدرتها على تغيير واقع أضحى  فاقد المبررات استمراره. كما “أن معنى اليوتوبيا عند ماركيوز له علاقة بوجهة نظره في علاقة العلم بالفلسفة و العلم باليوتوبيا، و كذلك علاقة العلم بالتكنولوجيا بالفن، وبعبارة أخرى لا يمكن فهم معنى اليوتوبيا عند ماركيوز إلا في إطار نظريته عن الحضارة الايروسية أي الحضارة اللاقمعية أو حضارة الارتواء” [11].  أي استبعاد الفهم الكلاسيكي الذي يربط  اليوتوبيا  باللاممكن والمستحيل، لأن  ماركيوز يشير باستمرار الى تغير مستوى التطور الحضاري و الإمكانيات التي باتت متوفرة، و القادرة على خلق وضع أحسن، ومنه فالتصور اليوتوبي عنده قابل للتحقيق لأن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لتجاوز اللاممكن حين كانت المعطيات ناقصة، إذ “حاول ماركيوز أن يظهر فهمه لليوتوبيا على أساس أنه فهم تاريخي يقترح مشاريع للتحويل تعتبر مستحيلة في فترة من الفترات رغم أنها تقع في حدود الإمكان” [12].

فالبديل الذي يريده ماركيوز أن الحضارة المعاصرة مهيأة لتجاوز وضعها الذي حددت معالمه عقلانية أعلنت عن فشلها، و اكثر ما يدينه صورة الحرية الزائفة التي تتيحها للأفراد فهي لا تتجاوز حدود الوهم، وفكرة السعادة التي هي غاية كل مسعى حضاري وقد عجزت العقلانية التكنولوجية على تجسيدها حقيقة، وعجزت عن تحقيق حضارة الارتواء، و “لهذا وجد أنه لم يعد هناك مبرر لإحجام النظرية النقدية للمجتمع عن كل ما يمكن ان يأخد عليه العقل انه ضرب من التأملات اليوتوبية، وذلك لأن تمسك النظرية النقدية بطبيعتها المنتسبة الى العلم، لم يعد يتعارض مع فكرة اليوتوبيا في ضوء الإمكانيات العلمية و التكنولوجية المتاحة في عصرنا الراهن” [13].

قال ماركيوز: “إن اليوتوبيا تصور تاريخي يهيء مشاريع التحول الاجتماعي التي نعتبرها مستحيلة لكن لأي سبب هي مستحيلة؟ على العموم عندما نتحدث عن اليوتوبيا، نسمع باستحالة تحقيق مشروع مجتمع جديد لأن العوامل الذاتية والموضوعية للوضع الاجتماعي المعطى يتعارض مع تحويله، فنقول إذن إن الوضع لم ينضج بعد” [14]. ويكشف ذلك ارتباط الحل اليوتوبي بالواقع بمعنى معين، فكل استحالة تحقق وضعا اجتماعيا معينا على ارض الواقع تقابلها إمكانية تتحقق على المستوى اليوتوبي، لذلك اعتبر ماركيوز أن اليوتوبيا تصور تاريخي يهيأ ويؤهل الى إيجاد الحلول البديلة في حالة توفر الشروط الذاتية و الموضوعية لذلك، أما وغياب هذه الشروط  قائم فإن إمكانية التغيير مستحيلة ما لم تتهيأ الظروف اللازمة ومنه  فماركوز يحدد معنى دقيقا لمدلول المستحيل والذي اقترن باليوتوبيا دائما، وهو الفاقد لظروف تمكينه من التحقيق، ولأن  ماركيوز يعتقد أن الظروف باتت مهيأة في المجتمع الصناعي المتقدم، فإن كل حل كان يسند الى اليوتوبيا وينعت بالاستحالة أصبح ممكنا وقابل للتحقيق فكل الظروف متوفرة، لذلك كانت اليوتوبيا عنده تساوي الممكن، رغم أن عقلانية السيطرة تدخل تحريفا كبيرا عن مفهوم  اليوتوبيا فقد ضمته كل العناصر التي تهدد مبدأ الواقع القائم وهي نفسها العناصر التي يراهن عليها ماركيوز لإحداث تغيير راديكالي بالوضع  العام الذي طبع حياة الإنسان المعاصر ووعيه لها، ويحتفظ بمعنى معين لليوتوبيا في حدود الاستحالة، فيقول على سبيل المثال: ” أن نتحدث عن المشروع الشيوعي أثناء الثورة الفرنسية، أو أن نتحدث اليوم: عن الاشتراكية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. مثالان يعكسان غياب حقيقي للعوامل الذاتية والموضوعية والتي تجعل من غير الممكن إنشاء المشروع” [15]. ويضيف ماركيوز تأكيده على هذا الفهم قائلا: ” نستطيع إذن اعتبار استحالة تحقق مشروع التحول الاجتماعي، عندما يتناقض مع قوانين علمية معينة كالقوانين البيولوجية و الفزيائية ..الخ. مثل القول بالفكرة القديمة عن الشباب الأبدي، أو فكرة الرجوع الى عمر ذهبي مفترض، أعتقد أنه لا يمكن أن نتحدث عن اليوتوبيا إلا بهذا المعنى” [16].  أي استعمال مفهوم اليوتوبيا يكون فقط عند تعارض الفكرة المقترحة مع القوانين العلمية المثبت صدقها.

“مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركوز”

“وهم الحرية..  ماركوز نموذجا”

خلص ماركيوز الى نفي الزيف الذي لحق مدلول اليوتوبيا، فقد تم تكييفها وتوظيفها بالصورة التي تمنع كل محاولة تغيير أو تحرر، لذلك أعلن ماركيوز نهاية يوتوبيا المجتمع الصناعي المتقدم وأكد أن معنى اليوتوبيا  لديه هو البديل الذي يحمل روح التغيير وإرساء حضارة  اللاقمع، إن ” اليوتوبيا  يمنكها أن تحلم وتفكر في عالم إنساني آخر، أكثر انسجاما وأكثر إنسانية” [17]. وأنها تعبر عن كل ما تم منعه من التحقق، أي ما تحول دون ظهوره السلطة السائدة في المجتمع الصناعي المعاصر، ومبرر ماركيوز هو توفر كامل الإمكانات و القوة التقنية اللازمة لإحداث تغيير جذري ينتقل بالإنسان الى حضارة الارتواء، حيث المتعة و السعادة وحيث الحرية وغياب الوعي الزائف “فاليوتوبيا إذن حلم كبير لكنها تفتح بعدا جديدا في الواقع، إنها توجه ممارسة، لأنها تمنح هذه الممارسة معنى” [18]. أي أن استعمال مفهوم اليوتوبيا يكون فقط عند تعارض الفكرة المقترحة مع القوانين العلمية المثبت صدقها.

وينتهي ماركيوز الى اعتبار المستحيل اليوتوبي هو كل ما لم تتوفر لديه الشروط الذاتية و الموضوعية التي تساعد على تحققه، أما في حالة توفر هذه العوامل فإن يوتوبيا الممكن بديل مناسب لتحرير الإنسان من لوغوس السيطرة و القمع. وهكذا ” لم تكن اليوتوبيا عند ماركيوز خيالا مضللا للذات، ولكنه عملية تعرية يقوم بها العقل النقدي لنظام اجتماعي محتضر، ويقوم بها على أساس حقيقي أكثر عمقا، إلا أن تحقيق وعد اليوتوبيا يتطلب إطاحة كاملة بالمصالح الاقتصادية والمؤسسات السياسية للمجتمع المتقدم صناعيا، وكذلك بالإيديولوجيا التي كانت وراءها” [19].

قائمة المصادر و المراجع :

[1] -أندري لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدا ت، بيروت- باريس، م 3، ط 2، 2001 م ، ص 611.

[2] – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[3] -محسن الخوني: التنوير والنقد – منزلة كانط في مدرسة فرانكفورت-، دار الحوار للنشر والتوزيع سرية، ط 1، 2006م، ص 92.

[4] -ماركيوز هربرت، نحو التحرر، فيما وراء الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة إدوارد الخراط، منشورات الآداب، بيروت، الطبعـة الأولى، 1972، ص10.

[5] -حسن محمد حسن، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، ماركيوز نموذجا، دار الوفاء لدنيا للطباعة والنشر، مصر، الطبعة الأولى، 2001، ص 143.

[6] – ماركيوز هربرت، نحو التحرر، مصدر سابق، ص 10.

[7] -حسن محمد حسن، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، ماركيوز نموذجا، مرجع سابق، ص 143.

[8] – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[9] – المرجع نفسه، ص 144.

[10] -أحمد قيس هادي، الإنسان المعاصر عند هربرت ماركيوز، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1980، ص 174.

[11] – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[12] -المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[13] – المرجع نفسه، ص 175.

[14] – Marcuse Herbert, la fine de L’Utopie, éd, de seuil, Paris, 1968, p,8.

[15] – Ibdim

[16] – Ibid, p, 9

[17] – Francois Chirap, Aliénation et utopie, Espnt, 377, janvier 1969, p.81.

[18] – Ibdim

[19] -فيصل عباس: الفرويدية ونقد الحضارة المعاصرة، دار المنهل اللبناني ، بيرو ت، ط 1، 2005م، ص 671.

شاهد أيضاً

في صحبة ابن رشد: 13 – المرأة والرجل سيان: تجوز لها الإمامة كفيلسوفة

كوة: العلوي رشيد “إن الفيلسوف الذي لا ينتج الايدولوجيا، هو أخطر فيلسوف. إنه يعيد إنتاج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *