بؤس العباقرة


هناء السعيد

بقلم / هناء السعيد .. مصر

لو ظهر العباقرة في غير زمانهم لنعتوا بالمجانين ، ولو ظهروا في زمانهم لكانوا من الملاعين أيضاً !!

 “العبقري”  هو الإنسان الذي أجمع مجتمعه علي قيمة انتاجه الإبداعي ونفعه وتأثيره عليهم ، هو النموذج المثالي للإنسان الفعال المتحقق المبهر النادر ، عليه أن يكون سعيداً إذاً أليس كذلك ؟؟

لكن هذا بنسبة كبيرة لم يحدث ..

كانت سعادتهم هي ورقة التوت التي تسقط منهم مرات علي مدار رحلتهم ، لم يكن هذا سرًا مخفيا ، فالعبقري يبدع في صياغة شعوره ، يفهمه ويفضحه ، وكثيرا ما يضعف أمامه وينكسر .

جنون نيتشه ، انهيار مي زيادة ، محاولة انيس منصور للانتحار ، تسمية تشرشل للاكتئاب بالكلب الأسود ، حزن صلاح عبد الصبور ، المنوم الذي اغرق الفاتنة مارلين مونرو ، وعدم احتمال داليدا للحياة ، انتحار فان جوخ ، صراع إيميل سيوران مع هاجسه بالخلاص و… 

الإبداع والعظمة والتميز لا يورث الحزن ، لكن لطالما كان المبدعون والعظماء الأكثر بؤساً .

كما أن الإبداع سبب في الشفاء النفسي والراحة والسلام الداخلي ..

فهناك علاقة سرية بين العبقرية والجنون ، فلماذا لا نصنف العبقرية كمرض نفسي!! 

نخضع للقياس والأليات ، لا يمكن ذلك معمليا ، ولو صرخ به الواقع ، المبدع دوماً في أزمة ، لرهافته النفسية وللضغط الواقع عليه بجناية عقله وطموحه وهوسه بالعظمة .

الإنسان السوي الخالي من عيب نفسي له سمات منها :

– التحكم في التقلبات المزاجية

– مقاومة الضغوطات

– الفاعلية الاجتماعية ، علاقات مستقرة قريبة .

-وجود ضمير ومشاعر ذنب ، ضوابط داخلية ، التعاطف مع مشاعر الآخر والاهتمام بها… إلخ

فالمرض والصحة يتشابهان ، إلا بظهور سلوكيات شاذة جانحة..

مابين مخاوف ، قلق ، فوبيات ، إكتئاب ، اضطرابات شخصية ، وصولا للبعد عن الواقع بالجنون ، والهروب من الواقع شيء متفق عليه عند العبقري والمجنون.

هكذا يعيش العباقرة ، يتقلبون من بؤس لبؤس ، ربما لأنهم رفضوا الواقع فرفضهم ، هل جزاء الخروج على الملل ان يخرجوا من الحياة بأكملها ، أن يعيشوا الوحدة في كل الأوقات وليس كإنسان طبيعي يخلو بنفسه ويعود .

من الناحية الخلقية لا أبرر جنوح العباقرة وشذوذهم أحياناً ، بل اتمسك بإثباته وبرهنة حدوثه ، لا للانتقاص من قدر أحد ، فنحن في الدنيا عموماً لنحظي بأكبر قدر من الفهم ، لا بأكبر قدر من التجريم والتنظير والتأثيم ، فهذا ما يمنحهم نكهة البشرية الحقيرة حتي لا يتخذهم الناس أربابا من دون الله ، و أقسم بأنه لولا الميل للحقارة والسفالة لظن البعض بنفسه الألوهية وطالب الخلق بعبادته.

وأخيراً  ..العبقري ليس مريض نفسي ، وليس بشر سوي  ، هو” استثناء ” ، استثناء في حياته ووهم الناس به وسطوته عليهم ، استثناء في مزاجه.. وفي نهايته

أو هم كما قال سقراط لشاعر ( إن هناك شيطانا يحركك)  ..فقلبوا الأرض وملامحها بسبب تركهم الاستعاذة من ذاك الشيطان .. أظن ذلك وبعض الظن وليس كله إثم.

شاهد أيضاً

أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين لكل ظاهرة عتبة مبدئية تُقاس بها، كدرجة سيلسوس بالنسبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *