الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / العودة إلى التراث

العودة إلى التراث

بقلم هناء السعيد..  مصر

جدلية لا مهرب منها ، ما وضع التراث في حياتنا الآن ؟

وبتدبر الكلمة..   “فالتراث”  هو عقول سبقتنا تركت المادي والمعنوي ، مخلفات الأوائل ،  فيضهم علي الحياة بالمعرفة ، ومعارف البشر ليست مطلقة نهائية ولا معصومة.

والتراث في القرآن لا يعني الورث ، لا يعني نصيبك من تركة الأموات ، إنما هو يساوي كلمة (سنن الأولين)  ، المذمومة المنهي عن اتباعها ، لكن حدث العكس ، التراث صار محموداً كله مثوبة وبركة كله !! 

كل أمة فاوضت أنبياءها علي البرهان ، هذا يقنعنا وهذا أسطورة ، ولم يفاوضوا العلماء ، لم يفاوضوا العمائم ، لم يطابقوا الاستدلال بالدليل ، لم يطابقوا بين الأصل ” النص ” والفهم.. وهو سر النكبة.

النكسات غالباً ما تؤدي لدفعنا لماضينا ، للحظة ما قبل الكسرة ، وتظهر هنا قيمة التراث التي يلعبها كضامن للهوية ، كوتد يشدنا لجذورنا كي لا نطير في الهواء  أو هكذا يعتقدون ، ونختلف في طرق العودة ، في منهجيات العودة ، في عقلانية ولا عقلانية العودة.

وقد اخترت هذه الصور من الرجوع :

فهناك العودة علي أساس الجلد والمحاسبة ، عودة لشماعة  ، لأن الراهن هو نتيجة التراكم  ، لا شيء ينبت فجأة ، هناك علة أدت لما نحن فيه ، هناك جذر للمشكلة لابد من البحث عنه وفضحه وتعريته ، ولأن الجلد مؤلم ، فهو عدو فترات الهزائم ، في الهزيمة نحتاج أن لا تجتاحنا المزيد من الصدمات ، لا نحتاج توبيخ ولو كان في محله.

أو عودة الإبن الضال ، عودة الخادم لسيده بعد أن احرقت قدماه رمال الصحراء حين فكر في الهروب منه ، أفعل بي ما تشاء ، قولوا ياسلفي ما شئتم فما ذقنا الهوان إلا من بعد انحرافنا عن مدافن عظامكم ، باطلكم حق وحقكم أحق أن يتبع ، زنديق من عاداكم ، كافر من رأي معارفكم قاصرة ، لبيك يا سلفي لبيك ، لا شريك لكم في التحكم في واقعي لبيك.

وهناك عودة الفهم ، عودة اللا موقف ، ليس مع أو ضد ، ليس وصال أم قطيعة ، ليس بر أم عقوق ، إنما عودة محاكاة ، عودة استلهام لا اقتباس ونسخ ، تلك العودة التي نقارن فيها بين مدلولات المفاهيم حينها وحالياً ، مدلولات الأعراف ، نضع فيها التاريخ في إطار ظروفه وإطار نمو النوع البشري ونضجه واحتياجاته .

للردة إلي التراث وجوه لا تحصي ، وتعسف أن تحصي ، لكن من التعسف أيضاً أن نحكم كجمهور لمسرحية التراث ، نشاهد فقط ، الكل يعيش في وهمه الذي حوله لحقيقة عن كواليس التراث ، كانوا ملائكة ، كانوا أبالسة ، كانوا بشر ، كانوا وكانوا..

ولو قام أمواتنا جميعاً من مقابرها لن ينفعهم مجد القرون الأولى ، سيتعثرون في مشيتهم ، سيلعنونا كما لعنهم البعض ، سوف تعجزهم حداثتنا كما أعجزتنا خوارقهم.

تلك هي اللعبة التي لامفر من التسليم لها  ، كل جيل يسوق البشرية لمحطتها التالية ، وفي طريقه يسحب معه من سوابق الأمم ما يعينه على سبيله ، في طريقه ينازع ماضيه ويدنس حاضره ويجني أو ينصف مستقبله.

الطريق لكمال البشرية هو الغاية والمعارف وسائله ، الطريق ثابت والمعارف تتكامل ، ينسخ بعضها بعضاً في تمجيد السبيل.

لن نستطيع أن  نفكر في علتنا ونحن نرقص ، نرقص علي متون ماضينا دون أن نؤلف مقطوعة تطرب لها أجسادنا  فتهتز ، الخلق من يومهم يبحثون عن مزمار كي يشتعلون حراكاً ، وأمتنا الآن مشغولة بزخرفة الأضرحة ، و كأن العيب كان في شكل وتصميم الضريح لا معناه !!

  فيبقي الضريح قبلة نصلي إليها ،  ونظل نذبح القرابين إليها،  ونذبح عقولنا التي ما خلقت لتتقلب من صنم ميت لصنم معاصر يتحدث بلسانه ..

إن كان لا مفر من العودة ، فالتكن عودة للوعي ، لا لاستنشاق غبار المخطوطات .

شاهد أيضاً

الفلسفة بصيغة المؤنث

من اهم صفحات موقع كوة صفحة الفلسفة بصيغة المؤنث رابط الصفحة تعمل صفحة موقع كوة …