الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / نيكولاي أوميلتشينكو: التداوي بالفلسفة الجزء الثاني*

نيكولاي أوميلتشينكو: التداوي بالفلسفة الجزء الثاني*

ترجمة نور الدين البودلالي

نور الدين البودلالي

فلسفة الكائن البشري و التحليل النفسي الوجودي

« و وددت أنا أيضا أن أكون… هذه نهاية القصة.» هذه الكلمات المأخوذة من الغثيان (1938) لجان بول سارتر يمكنها أن تكون عبارة توجيهية لمشروعه الخاص بالتحليل النفسي الوجودي. في كتابه الوجود والعدم (1943) يشير إلى أن المهم ليس هو الوجود الفعلي لهذا التحليل النفسي وإنما حقيقة كونه ممكنا.

تشكل «الرغبة في الوجود»، بالنسبة لسارتر، الخاصية الأكثر أساسية للإنسان. المشروع الأولي الذي يجد له تعبيرا في كلٍّ من ميولاتنا القابلة للملاحظة تجريبيا هو مشروع الوجود. هذه الرغبة في الوجود تتكشَّف من خلال العديد من الأحاسيس الخاصة: الغيرة، الجشع، حب الفن، الجبن، والشجاعة… و العديد من التعابير ذات الصلة والقابلة للتجريب، التي يبدو لنا من خلالها الواقع الإنساني كما يتبدى لدى فرد بعينه، و بهذه الطريقة فقط. وإذا كان صحيحا أن الواقع البشري يتحدد ويتعرَّف من خلال الأهداف التي يسعى لتحقيقها، فإن دراسة وتصنيف هذه الأهداف سيكون ضروريا. أضف إلى ذلك أن الطريقة الأفضل للإمساك بمشروع الواقع الإنساني الأساسي تتلخص في القول أن الإنسان هو المخلوق الذي يطمح ليكون إلاها. «أن يكون الإنسان إنسانا يعني أن يطمح ليكون إلاها. أو، إذا شئنا، إنها الرغبة في أن يكون إلاها».

من الواضح أن ما يؤكد عليه سارتر هنا مبالغا فيه. كلٌّ منا، وكما قال أفلاطون، بإمكانه الحصول على «جزء من الخلود والأبدية»، بحيث لا نستطيع أبدا أن نشكل سوى جزء من الألوهية. فليس لفردٍ، من حيث هو كذلك، أي حظ في احتلال مكانة الله ليصبح مطلقا جديدا. هذا سيعني أنه وجد اللانهائي في كليته. و ال«رغبة ليكون إلاها» طموحٌ مبالغ فيه؛ بالتركيز على هذا الطموح يضيِّع الواحد منا حياته. لذا فأهمية التحليل النفسي بالنسبة لسارتر تكمن فقط في فهمٍ أفضل للكائن الإنساني بهدف القدرة على القيام بتفسيرٍ تحليل نفسيٍّ صالح.

لكن دعونا نعود إلى مسلمة سارتر القائلة أن: «الإنسان هو الرغبة في الوجود». نحن نتذكر أن لودفيغ فيورباخ (1804-1872) قدم تقريبا نفس التفسير لجوهر الإنسان. مقالته في يودايمونيا[الرفاهية والسعادة الذهنية] تبدأ بالتأكيد التالي:

كل مخلوق حي يحب حياته؛ يريد أن يحيا ما دام أنه حي؛ يريد أن يكون ما دام أنه موجود؛ لهذا فهو يطمح بالأساس إلى الرفاه، والصحة، والسعادة…

إن التطلع إلى السعادة، بالنسبة إليه، هو الغاية الطبيعية لكل كائن حي يحب، يوجد ويرغب في الوجود. فالسعادة تشمل كل ما يمس الحياه، أو على الأقل كل ما يسعى إلى الرفاهية. وهكذا يتم التعبير عن كنه الجوهر الإنساني من خلال الحكمة القائلة: «أريد، إذن أنا موجود»، بحيث أن «أريد» تعني «أريد أن أكون سعيدا و لا أريد أن أتألم». فلاسفة آخرون أمثال جون لوك (1632-1704)، نيكولا مالبرانش (1638-1715) أو كلود أدريان هلفتيوس (1715-1771) قد عبروا قبلا عن أفكار مماثلة.

يؤكد فيورباخ أن الانتحار لا يتعارض مع التطلع إلى السعادة. إذا بدا هكذا فعل للوهلة الأولى ضد التطلع إلى السعادة، فهو غير ذلك في الواقع. والواقع أن هذا الفعل لا يكون ممكنا إلا إذا كان الأذى الذي ينحو الفرد صوبه يبدو حسنا بالمقارنة مع الأذى الذي يعمل فعله على تجنبه أو إزاحته تماما. و يضيف قائلا أن الذي يضع حدا لحياته ينشد الموت، ليس لأنه ينهي محنه وآلامه، بل لأنه يبدو له العلاج الوحيد ضد العائق، أو يهدد بإعاقة غير محتملة، لتطلعه إلى السعادة.

للتطلع إلى السعادة قدرة قاهرة. ومع ذلك، فسلطتها المطلقة تبرز على الخصوص في حالة التعاسة. «يمكن القول أن فواجع الحياة قد نفذت عميقا في أحشائي، حتى أنها شَفَطَت خارجي كل فرح وكل طاقة حيوية حيث لم أعد أعرف قطعا سوى وجود واحد، هو وجود الفاجعة، و عدم واحد،  هو عدم الفاجعة» (فيورباخ 1960).

وعليه، وحسب فيورباخ، الذين ينتحرون أو يتعاطون الدعارة هم مدفوعون لذلك تشوقا للسعادة. ولابد من الاعتراف، بطبيعة الحال، أن المجرمين والذين لديهم غريزة تدميرية يحْيون هم أيضا وفق قانون السعادة. كل منهم يمكنه القول، على غرار سارتر: «أنا الآخر أريد أن أكون…».

معنى لحياتنا؟

يحتاج كل مخلوق لماهية تبرر وجوده في العالم. و الكائن البشري، لتحديد ماهيته، يحتاج إلى معنى. من هذا المنظور، يمكننا بسهولة قبول نظرية فرانكل القائلة أن الفراغ الوجودي هو العامل المؤدي لعصاب جينة نو névrose noogénique الذي قد يؤدي للانتحار.

إن مريض اليوم، حسب فيكتور فرانكل (1905-1997)، يعاني من شعور قوي بفقدان للمعنى يصاحبه إحساس بالفراغ؛ لهذا يتحدث المحلل النفسي عن «فراغ وجودي». إنه يرى أن فقدان المعنى انطباع ينتشر أكثر فأكثر. وعوض أن يقدم حججا، يفضل فرانكل (2006) توضيح أطروحاته بأمثلة. هذا واحد منها

تفيدنا الاحصائيات أن من بين أسباب الموت لدى الطلبة الأمريكيين، تأتي حالات الانتحار مباشرة بعد حوادث الطرق. محاولات الانتحار (التي لا تنتهي بالموت) هي خمسة عشر مرة أكثر من الانتحارات الناجحة.

حصلتُ على هذه المعطيات الإحصائية بعد لإجراء مسح على 60 من طلبة جامعة أيداهو قاموا بمحاولة انتحار. عندما سئلوا عن دوافعهم، كانت الإجابات كالتالي: 85% منهم لا يرون معنى لحياتهم؛ 93% من هؤلاء كانوا يتمتعون بصحة جيدة جسديا وعقليا، يعيشون في سعة، مرتاحين وسط أسرهم؛ لديهم علاقات اجتماعية واسعة و كل ما يجعلهم راضين على أدائهم الأكاديمي.

مثال آخر مأخوذ من رسالة توصل بها من طالب أمريكي:

عمري 22 سنة؛ حاصل على شهادة جامعية، أملك سيارة كبيرة، مستقل تماما من الناحية المالية، وأتوفر من فرص الحياة أكثر مما يمكنني الحصول عليه. والسؤال الوحيد الذي أطرحه على نفسي باستمرار هو: «ماذا يعنى كل هذا؟»

نلاحظ أن هؤلاء الطلبة لا مشكلة لديهم مع وضعهم الاجتماعي. الخلل يكمن في المعنى من وجودهم. غياب المهم، المعنى كنواة المركزية، يدمر كيانهم الداخلي و الخارجي. جدير بالملاحظة هنا أن الواقع العقلي هو الذي يدمر الواقع الفيزيقي (أو الجسمي). هذا يعزز فكرتنا القائلة أن الوجود بنيةٌ عقلية مستقلة، غير قابلة للاختزال إلى أشكال وجودية جسدية، أو اجتماعية أو مادية.

إضافة إلى ذلك، يشكل الوجود واقعا نوعيا متميزا بحياته الخاصة، بديناميته التي قد تكون بانية أو مدمرة، ليس فقط بالنسبة لدلالة الوجود الإنساني بل أيضا بالنسبة للأشكال الوجودية الأخرى. يمكن الحديث عن ظاهرة النشاط العقلي (عقل ومشاعر، مكونات عقلانية وغير عقلانية كالحدس، والارادة، والحب…) حينما يمارس عقلنا تأثيرا مباشرا على العالم الخارجي وعليه هو الآخر. يمكننا الحديث عن المجال الوجودي للشخصية، وحتى عن مجال العقل البشري. فعلى هذا المجال الذهني يمكن إحراز نتائج علاجية.

نشير أيضا إلى أن العوامل الخارجية للتدمير تنسل عبر الواقع الوجودي. فالخوف، مثلا، عامل خطر إضافي يعمل على إبادتنا. إذ الموت «يبيد»نا بواسطة الخوف.

الوجود نقالٌ للمعنى وللفهم. في هذا الصدد، يمكن للقول المأثور عش أولا ثم تفلسف vivre d’abord, puis philosopher أن يعني أنه من المهم أولا ضمان وجود كائن، عقل حي، حتى نمارس التفلسف في وقت لاحق (صحيح أن الفلسفة تساهم في صيرورة وجودنا، دواخلنا). بتعبير آخر إن التجربة الوجودية شرط أساسي للتأمل الفلسفي. فبدون الحياة الداخلية للذكاء والانفعالات تصبح الفلسفة مستحيلة.

تجربة في تقديم استشارة فلسفيةcounseling philosophique

اسمحوا لي أن أعرض تجربة من هذا النوع قامت بها الفيلسوفة المكسيكية يولاندا أنغولو بارا. ترى هذه أن الفلسفة لم تكن دوما مهمة احترافية «جادة»، و لا فرع معرفي مُمَركز على الابستيمولوجيا أو مجموعة المواضيع المخصصة للفلاسفة ولا يفهمها إلا هم وحدهم. لقد كان الفلاسفة قبل هذا يتوجهون للناس العاديين، يتحاورون معهم، يقدمون لهم المشورة حول حياتهم والقرارات التي يجب أن يتخذوها. في بعض الأحيان يواسونهم عن معاناتهم الجسدية أو العقلية. بل من يمكن لنا تصور سقراط ممددا على أريكة خلال مأدبة، أو يدردش بانفعال أثناء نزهة بهيجة مع صديق له. أو حتى سينيكا وهو يجهد نفسه، في خلوته، لإيجاد الكلمات المناسبة لكتابه رسائل للوسيوس أو مواساة هلفيا. ماهي الغايات المرجوة من هذه الجهود المبذولة؟ أساسا مساعدة الآخرين على التفكير في مشاكلهم أو في أوضاعهم، حتى يستطيعوا فيما بعد تحسين وضعهم العقلي و الحصول على سكينة أرواحهم.

توضح أنغولا بارا أن الاستشارة الفلسفية في زمننا المعاصر، التي أصبحت في بعض النواحي من العالم محترفة، من الممكن اعتبارها طريقة علاجية، لكن أيضا كنصيحة أو توجيه أو مساندة. فحين نتوجه إلى فيلسوف للاستفادة من خبرته، فلأن هناك مشكل ذو طبيعة وجودية، ولأن الحياة أضحت دون معنى، وأمسينا عرضة لصراعات بين القيم أو في مواجهة مختلف المشاكل التي لا تدخل ضمن الفئة الباثالوجية، لكنها مع ذلك لا زالت تتطلب اشرافا احترافيا.

الموجه الفلسفي يعزز استقلالية الفرد من خلال تحسين مهارات التفكير المنطقي لديه، بحثِّه على البحث شريطة أن يكون الهدف الوحيد هو القيام بعمل استبطاني يقوده إلى فهم أفضل لأناه الداخلية. لقد كان هذا واحدا من الأهداف الأساسية عند سقراط. إلا أن معرفة الذات ليست هي الهدف النهائي لضرورة تحويل كينونة الفرد بطريقة تسمح بأن يصبح شخصا أفضل على المستوى الأخلاقي.

بحسب يولاندا أنغولا بارا يتعلق الأمر، في نهاية المطاف، بتنظيم حصص تشاورية فلسفية فردية أو جماعية: مثلا في سجون للنساء المكسيكيات، بغية مساعدتهن على فهم أوضاعهن وتقديم الوسائل الفلسفية الضرورية لتدبيرها.

الوجود الإنساني، الأحلام و الإيمان

انطلاقا من الفرضية القائلة أن الكائن الإنساني عالم مصغَّر، نتاجا للطبيعة الطابعة (natura naturans)، يمكننا استنتاج أنه بالأساس ليس فقط كائنا مخلوقا بل أيضا كائنا خالقا – homo creansليست إنجازاته سوى شكل من خلق الكون Cosmos. ما يعني أن الإبداع الإنساني هو ظاهرة كونية. فالكائن البشري له القدرة على المساهمة في الخلق الماكرو والميكرو كوني.

تجد هذه المقاربة امتدادا لها في فكرة الطبيعة النشيطة للذكاء البشري. فالنشاط سمة من سمات عقل الفرد، مما يدل على أن عقل الفرد لا يوجد خارج أفعاله. وكما أنه لا يمكن تصور حياة عضوٍ بيولوجي خارج نشاطه، فوجود الذكاء البشري لا ينفصل عن نشاطه –عن العقل، عن المشاعر، عن الإرادة وعن الأحاسيس. لا يمكن تصور حياة النوع البشري في معزل عن الحركة. و يمكن للنشاط العقلي أن يكون في نفس الوقت بنّاءً وهداما.

يتم التعبير عن الإبداع العقلي في أشكال مختلفة من الإبداعات الروحية. فعلى سبيل المثال ليس التأمل الفلسفي وحده هو الذي يمكن اعتباره ابداعا تشاركيا للبنيات الأساسية لموضوع الدراسة وإنما كل فعل معرفي. هذا يعني بشكل خاص أن كل حكم يتضمن مكونين على الأقل: أولا عرض للحالة، ثانيا الإبداع المميز الذي يخصه بالتحديد. وهكذا، إن عرفت أن ولدي كذب علي وقلت له ذلك، فإني أقوم أولا بعرض مضبوط للوضعية، كون «ولدي كذاب»؛ وثانيا أنني من تقييمي أخلق أو، حتى أكون دقة، أشارك في ترسيخ هذه السمة السلبية لدى ابني. بسهولة يمكنني تصور النتيجة المحتملة إذا ما تكرر إصدار هذا الحكم يوما بعد يوم.

يبدو لي أن الأحاسيس تمتلك، كمثيلها الفكر، إمكانات إبداعية. كل فعل عقلي له توجهين: نحو الموضوع ونحو الذات الفاعلة. يعني هذا بالخصوص أننا نصير بالتأكيد ذاك الشيء الذي نفكره ونحسه. حين نعرف الحقيقة نصير حقانيين أكثر، و واقعيين أكثر وأحرارا أكثر –مادامت «الحقيقة تجعلكم أحرارا» كما يقول الانجيل: فالحرية صفة للوجود الإنساني الحقيقي. وبهذا فالحقيقة عامل يساعد على جعل الإنسان أكثر إنسانية.

الواضح أننا نصير نحن كذلك ذاك الشيء الذي نحسه، نريده، نرغب فيه، نحبه، نكرهه، ذاك الشيء الذي نتذكره ونجربه، الذي نؤمن ونحلم به. فالوظائف العقلية إذن تساهم في تكوين الموضوع التي تؤثر فيه، والذات التي تنتمي إليها وأخيرا فيها هي ذاتها.

من هذا المنظور، يمكننا استحضار الطبيعة الثلاثية للأحلام. فالأحلام تكشف، أولا، عن إمكانياتنا. إذا كنت تستطيع أن تحلم بالأشياء الكبيرة، فأنت قادر أيضا على القيام بها. «اخدموا الناس إذا توفر لكم ذلك»، كما قال كاهن للعالم الروسي ميخائيل لومونوسوف (1711-1765). إذا أتيح لنا ذلك، إذن فنحن نحلم من خلال إبراز هذه الملكة الداخلية. وبكلمة واحدة، تساعدنا الأحلام على معرفة أنفسنا بشكل أفضل، هي أداة لمعرفة الذات.

وبحسب الفيلسوف الروسي إيفدجنيش تروبتشكويْ (1863-1920)، الوعي هو دوما حجة على شيء ضروري للغاية، على معيارٍ ما يجب إن يتبعه الجميع، دوما وفي جميع الحالات الممكنة. (Troubetskoï 1998 : 64-5.)

دعونا نتبع بشكل متوازٍ منطق تفكير هذا الفيلسوف: الحلم هو أيضا رسالة حول أمر ضروري جدا، تخمين يخص عمق جوهر الإنسان (أو الوطن، أو المجتمع). من هنا يمكن للتحليل الاجتماعي، والثقافي والنفسي المناسب (على غرار ما قام به فرويد) أن يفيد كثيرا الخصائص الأساسية للإنسان. فالأحلام تبرز بالفعل إمكانياتنا وقدراتنا.

ثانيا، الأحلام تشكِّلنا وتحولنا بطريقة خلاقة. إنها تدفعنا إلى تحقيق كثير من الأشياء. والحلم، من دون شك، كما الإيمان، يحتاج إلى التعزيز من قبل أفعال ملموسة. فالأحلام دون أفعال ليست بشيء. إننا نصير ما نحلم به. إذ الأحلام تصبح واقعا. وإذا قبلنا بالفكرة القائلة أن الأشياء التي تخيفنا تتحقق، لماذا نشك عندما يؤكدون لنا بقولهم أن «الأمور التي نحلم بها تتحقق»؟ وكما يقول الكاتب الأمريكي ريشار باخ (1986): «نرسم حياتنا على شاكلة ما نحتفظ به في أفكارنا».

ثالثا، تتقوى الأحلام بوجودها الخاص، وهي تتطور، تظهر، تأخذ شكلا، وتصبح أكثر وضوحا. إنها، ككل الظواهر، تتغير بشكل دائم. يتيح لنا كل هذا إمكانية التأكيد على أن الإنسان يمكنه ويجب عليه أن يحلم ما دام فعل الحلم نفسه يجعله أكثر قربا من أحلامه.

بالنسبة لفلاديمير سولوفييف (1853-1900)، وهو كذلك فيلسوف روسي، فالإيمان: «خطاب أولئك الذين ينتظرون وحيا من اللامرئي» (Soloviev 1990 : 531). هذا يعني أولا ان الإيمان هو موقف الذين يأملون، يتوجه للذين يأملون في تحقيق ما يؤمنون به. ويكشف الإيمان، في مرحلة ثانية، ما يظل غير مرئي للإدراك العادي. بعبارة أخرى، إن الإيمان رؤية خارقة، تخمينات زائدة، ضوء غامض (أو إن شئتم سحري) يسمح للإنسان برؤية ما لا يراه غير المؤمن. إذ الإيمان يسمح للكائن ببلوغ كشف [وحي] جديد.

يمكننا، زيادة على هذه الخصائص المذهلة والدقيقة من الناحية التجريبية لسولوفييف، إضافة أن الإيمان له طاقات إبداعية قوية. فهو يضاعف قدرات الذي يمتلكه. ويقوي ملكاتنا المعرفية كلما ثقنا في قدراتنا الإدراكية. يجعلنا فائزين إن آمنا بالانتصار. إنه يغيِّرننا ويقومنا، بينما يشعرنا بالضياع كلما افتقدناه. ويمكن للإيمان إحداث تغييرات جوهرية حقيقية، لا تتطلب مجهودات كبيرة جسمية أو مالية.

تعريف الإيمان هذا يمكنه أن ينطبق كذلك على تعريف الحلم. يمكننا التأكيد على أن الأحلام هي رسائل من ينتظر انكشاف غير المرئي، التواقين لحياة أفضل. والأحلام، في نفس الوقت، هي نفسها انكشاف غير المرئي، انكشاف الممكن: بلورة المستقبل. وبهذا، في البداية كان الحلم.

    هوامش ومراجع

  •  Nikolay Omelchenknko: La philosophie comme thérapie. Traduit de l’anglais par Jeanne Delbaere-Garant

مصدر المقال https://www.cairn.info/revue-diogene-2009-4-page-95.htm

Angulo Parra, Y. (2009) « Power Relations, Forms of Female Subjectivity and Resistance », dans N. Omelchenko (éd.) The Human Being in Contemporary Philosophical Conceptions, p. 283-292. Newcastle upon Tyne: Cambridge Scholars Publishing.             

Bach, R. (1986) Illusions : le messie récalcitrant. Paris : J’ai lu.

Feuerbach, L. (1960) « Der Eudemonismus », dans Sämtliche Werke,

éd. Bolin et Jodl, t. X, p. 230-293. Stuttgart : Frommann.

Frankl, V. (2006) Découvrir un sens à sa vie : avec la logothérapie, traduit

de l’anglais par Clifford J. Bacon et Louise Drolet. Montréal : Éd. De l’Homme.

Fromm, E. (1955) The Sane Society, New York: Rinehart.

Omelchenko, N. (2005) Опыт философской антропологии. Volgograd: Издательство Волгоградского государственного университета.

Scheler, M. (1979) La Situation de l’homme dans le monde, traduit et préfacé par M. Dupuy. Paris : Aubier Montaigne.

Soloviev, V. (1990) « Смысл любви », dans Сочинения, t. 2, éd. Arseny Gulyga and Alexei Losev, p. 493–547. Moscou : Мысль.

Troubetskoï, E. (1998) « Смысл жизни » dans Избранные произведения, p. 16-336. Rostov : Феникс.

نور الدين البودلالي

كل ملاحظة عن الترجمة توجه إلى fiqreduca@gmail.com

شاهد أيضاً

ترجمة كتاب الدهشة الفلسفية

المترجم محمد ايت حنا المترجم المغربي محمد ايت حنا الكاتبة جان هيرش صدر عن منشورات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *