الرئيسية / ترجمة / ميشال أونفري في مواجهة أندري كانت سبونفيل حول مفهوم الحكمة القديمة

ميشال أونفري في مواجهة أندري كانت سبونفيل حول مفهوم الحكمة القديمة


حوار ترجمه يوسف اسحيردة، عن مجلة لوفيغارو الصادرة بتاريخ 21 يوليوز 2017.

ميشال أونفري وأندري كانت سبونفيل قد قبلا، بطلب من مجلة لوفيغارو، بمناقشة أهم المسائل التي تقض مضجعهما، وذلك عبر البريد الالكتروني، وطيلة أسبوع بكامله. حدث يذكرنا بمراسلات زمان التي كانت تلقي الضوء على نجاحات بعض أعلام الفلسفة القديمة. ضيفانا ينتسبان، على التوالي، إلى كل من المدرسة الأبيقورية والتقليد المادي، ما يجعل الحوار بينهما يعد بالكثير من الإثارة والإفادة.

مجلة لوفيغارو : كثُر الحديث مؤخرا عن التقليد الفلسفي الإغريقي-الروماني. هل يمكن النظر إلى هذا التحمس باعتباره نتيجة منطقية  لخروج الغرب من المسيحية؟ هل يمكن رد إعادة الاكتشاف هذه، إلى الرغبة في تخطي ألفي عام من اليهودية والمسيحية، وعلم اللاهوت – باعتبار أن الفلسفة كانت ولزمن طويل مجرد خادم مطيع لهذا الأخير-، من أجل المصالحة مع حكمة أكثر عملية؟

ميشال أونفري : في حقيقة الأمر، الصحفيون من يتحدثون،  مؤخرا، بكثرة عن  هذا التقليد الفلسفي القديم…لأن مؤرخي الفلسفة  يخبروننا بأن الرجوع إلى التقليد الفلسفي الاغريقي-الروماني، ابتدأ منذ عصر النهضة، باعتبار أن هذه الحقبة قد عادت إلى ما قبل الفترة المسيحية بغية فك الارتباط مع الديانة المسيحية.

في سنة 1417، مثلا، اكتشف بوجيو براسيوليني، سكرتير البابا السابق، نسخة قديمة من قصيدة “في طبيعة الأشياء”، وهي من كتابة فيلسوف القرن الأول، الروماني لوكريتيوس، وقد كانت مفقودة لقرون من التاريخ. إعادة اكتشاف النصوص القديمة يرجع إلى هذا الزمن، وقد ألهم مونتيين، الذي ألهم بدوره كل الفلاسفة الذين جاؤوا بعده. تزايد الاهتمام بهذا الإرث الفلسفي القديم في زمننا هذا، الذي هو زمن الخروج المتسارع من المسيحية،  أمر لا يمكن حدوثه من دون سبب.

أندري كانت سبونفيل : صحيح أن انتهاء المسيحية أغرق العديد من معاصرينا في حالة كبيرة من التيه، مما دفع بهم للارتماء في أحضان ثقافات مغايرة، تنقص أو تزيد حدة تخيلها، سواء مكانيا، من خلال الاتجاه نحو الروحانيات الشرقية، أو زمنيا، من خلال العودة إلى العصر القديم الإغريقي-اللاتيني . لكن، فيما يخص الحقبة الإغريقية-اللاتينية، لا أعتقد أن المسألة الدينية تعني الشيء الكثير: ليست الوثنية ما يثير اهتمام معاصرينا، لكنها الفلسفة، أو بتعبير أدق، الحكمة. الأمر، من دون أدنى شك، متعلق بالحالة التي أصبحت عليها الفلسفة الغربية في القرن العشرين: فبكثرة ما أغلقت على نفسها داخل دوامة التعليق المتعمق، وسيطرة الطابع التقني-المهني عليها، انتهى بها الأمر إلى الابتعاد عن عامة الناس. وبما أنه لا مفر من الأسئلة الوجودية، فمن المنطقي أن يبحث المرء في الماضي عن معلمين لفن العيش والتفكير، يكونون أكثر قربا لفهمه وانشغالاته اليومية. فقد عشت بنفسي هذه التجربة : يا لها من صدمة، ويا له من شعور، ويا له من حماس، أن تكتشف لوكريتيوس في سن التاسعة عشرة، خاصة بعد أن تكون قد أمضيت سنتين أوأكثر في دراسة فلاسفة القرن العشرين.

مجلة لوفيغارو : إذا كان هذا هو واقع الحال، فمدرسة أبيقور هي الرابح الأكبر من هذا الرجوع إلى الفلسفات القديمة؟ أكثر من الرواقية أو الأفلاطونية، الأرسطية  والبيرونية؟

أوندري كانت سبونفيل : إذا وثقنا في حجم المبيعات داخل المكتبات، يمكن القول بأن الرواقية ( سينيكا، ابيكتيتوس، ماركوس أوريليوس) تحظى، على الأقل، بنفس شعبية الأبيقورية.  وإذا ما استعرنا نفس تعبيرك، فالرابح الأكبر يظل هو الفلسفة الهلنستية عامة : الابيقورية، الرواقية، و، بدرجة أقل، البيرونية أو الشكوكية ( والتي يمكن أن نضيف إليها المدرسة الكلبية، مثلا كما نصادفها عند ديوجين، حيث بدأت هي الأخرى، رغم ندرة النصوص بشأنها، تحظى بجمهور لا بأس به). وهنا تكمن المفارقة، فنحن نشهد غياب أكبر فيلسوفين في العالم القديم عن القائمة، الحديث عن أفلاطون وأرسطو. رغم أن ذلك يظل مفهوما للغاية: فالفلسفة، مع كل ما تتطلبه من تجريد، صرامة وعمل، تظل أقل جلب لاهتمام عامة الناس، بالمقارنة مع حكمة أسهل نسبيا ( من حيث فهمها وحتى عيشها) وأكثر صحية.

الأمر هنا، لا يخلو من خداع، لكنه أيضا مرتبط بالفترتين المعتبرتين. الفترة الهلنستية، وخاصة بعد وفاة الإسكندر،  تعتبر فترة أزمة، شك، وحتى فوضى أو سقوط. وبالتالي، ففترتنا الحالية تجد فيها بعضا من خصائصها. من وجهة النظر هذه، وكما سبق وأن عبر عن ذلك مارسيل كونش، يمكن اعتبارنا كمعاصرين لابكتيتوس وبيرون، وليس أفلاطون أو أريسطو! يضاف إلى المسألة، كون العديد من الفلاسفة الهلنستيين كانوا أيضا أدباء من الطراز الرفيع ( سنيكا، لوكريتيوس) أو أناسا استثنائيين (ديوجين، ابكتيتوس، ماركوس أوريليوس). هذا يساعد أيضا.

ميشال أونفري : لا أوافق بالكامل على التحليل الذي يقدمه المتخصص في الفلسفة الإغريقية، بيير هادو، والذي مفاده أن كل الفلسفة القديمة تتضمن إعداد للعيش الفلسفي الملازم لها، والذي هو، على ما يبدو، غير منفصل عن المجال النظري. أريد فقط أن أعرف ماذا يعني العيش من خلال تطبيق ما جاء في حوار” بارمنيدس” الذي كتبه أفلاطون، أو من خلال العمل بما جاء في كتاب ” الميتافيزيقا” المنسوب إلى أرسطو؟

أعتقد بأن الفرق الأساسي يوجد أكثر بين الفلسفة الإغريقية التي يغلب عليها الطابع الظني، والفلسفة الرومانية العملية، الملموسة والوجودية. إلا إذا كان الأمر يتعلق برغبة في تقليد حياة سقراط كما وُجد فعلا تقليد لحياة المسيح. سقراط لم يسبق له  تقريبا أن أعطى أي وصفة حياتية أو وجوديةّ. قولته الشهيرة، “اعرف نفسك بنفسك”، لا تليها أي منهجية في التصرف، في حين أن “رسائل إلى لوسيليوس” تعج بالدعوات الرومانية من أجل التصرف بهذه الطريقة أو تلك.

مجلة لوفيغارو : الآن، أطلب منكما تعليقا على عبارة “انتهز الفرصة carpe diem”، والتي تظل بحق الحكمة اللاتينية الأكثر شهرة اليوم. هل يتعلق الأمر بدعوة فرد مكتف بذاته إلى الانطواء على نفسه، أي بنهاية كل مشروع جماعي؟  

ميشال أونفري : هي، في الحقيقة، دعوة أبيقورية نجدها عند هوراس، ويجب علينا وضعها في سياق التحول الذي لحق بالابيقورية بانتقالها إلى المجال الروماني، كونها أصبحت أكثر بعدا عن المناطق الحضرية….وبالتالي، فإن شعراء من أمثال كاتولوس، تيبولوس أو هوراس، سينهلون من الابيقورية الداعية إلى الانسحاب نحو حميمية حياة تقطع بشكل تام مع المدينة. يتعلق الأمر ببناء حديقة أبيقورية مميزة كرد على تدهور أوضاع الإمبراطورية.       

ليست مقولة “انتهز الفرصة” بدعوة إلى الانحلال أو الفجور، بقدر ما هي مناشدة من أجل عيش كل ثانية من حياتنا وكأنها الأخيرة، دون إعارة أدنى اهتمام لما يشغل عادة تفكير البشر: المال، السلطة، التملك…

أندري كانت سبونفيل : العبارة تعود بالفعل لهوراس، الذي كان شاعرا وليس فيلسوفا، ولم يسبق له قط أن نعت نفسه ( عكس لوكريتيوس) بالأبيقوري الارثوذكسي. على هذا النحو، أجد أن مقولة “انتهز الفرصة” اختزالية للغاية. وبالتالي، فأن تعرف كيف “تغتنم يومك”، أي كيف تستفيد من الوقت الحاضر، ليس معطىً أبيقوريا صرفا، ولكنه جانب حاضر في كل حكمة تستحق هذا الاسم، سواء كانت أبيقورية أو غيرها، لكنه جانب واحد فحسب. الأبيقورية ليست اقتصار على الحاضر، ليست هوسا ببعد زمني واحد: فهي تُعلم أيضا كيفية الاستمتاع بالماضي ( هذا ما يدعوه أبيقور بالامتنان) وحتى بالمستقبل متى كان موضوع “أمل مؤسَّس”. لكن الأهم من كل هذا، أن تعبير هوراس يغفل الجانب الروحي للأبيقورية، التي تظل منفتحة على نوع من التجربة الألوهية – ولكن هنا والآن. أكيد أنكم تتذكرون ما جاء في نهاية “رسالة إلى مينيسي” : ” ستحيى مثل إله بين البشر، فلا يشبه الفانين في شيء، من اعتاد العيش وسط خيرات لا تفنى”. بالمقارنة مع أبيقور، يظل هوراس ذا أفق ضيق، هذا رغم موهبته الفذة، وما يتميز به من خصال لطيفة.

مجلة لوفيغارو :  بالرجوع إلى أفلاطون وأرسطو، سنلاحظ أن السياسة أصبحت تحتل مكانا مركزيا. فقد وثِق هؤلاء في إمكانات العقل والمداولة . أليست العودة إلى الفلسفة القديمة، فرصة من أجل استعادة هذه الثقة، وبالتالي القضاء على آفة العصر الجديدة: العدمية؟

ميشال أونفري : لا توجد هناك سياسة قديمة. مفهوم “المواطنة العالمية” المنسوب إلى الرواقية أو الكلبية، لا يمت بصلة للدولة الشمولية التي ناد بها أفلاطون، أو ما نسميه اليوم بالديمقراطية الأثينية عند أرسطو، والتي تمخضت، في نهاية الأمر، عن ارستقراطية مواطنين وُلدوا من مواطنين، في استبعاد تام للنساء، المهاجرين وغير المواطنين.

أما العقل، فهو لا يشكل ضمانة كافية، إذ يظل مجرد أداة قادرة على إتيان الخير كما الشر. لتوضيح ذلك أحيلك على محاكمة سقراط. كل ما فعله سقراط هو استخدام عقله، والقيام بدوره كفيلسوف عن طريق التشكيك في أساطير وخرافات زمانه، فماذا كان مصيره؟  

أندري كانت سبونفيل : مفهوم “المواطنة العالمية” عند الرواقيين،  ينافي تماما العدمية. فيما يخص الابيقورية، فهي لا تنادي باكتفاء ذاتي يمارسه شخص يعيش في عزلة! وفي هذا الإطار، أشير إلى الدور الكبير الذي تلعبه الصداقة داخل المشروع الابيقوري، نظريةً وممارسة. ومع ذلك، وإحقاقا للحق، فكل ما قيل حول نفور أبيقور من السياسة، صحيح : ففي تلك الأزمنة الغابرة، حيت كانت تعيش المدينة في أزمة متواصلة، وتواجه الإمبراطورية خطر الانقسام الدائم، قد ارتأى أبيقور أنه من الحكمة الابتعاد وأخذ بعض المسافة….هذا لا يعني أنه فقد ثقته بالعقل ( فالمبادئ التجريبية الابقورية تعتبر مبادئ عقلانية)، ولكنه فقد ثقته بمجتمعه. قد أتفهمه، بالنظر إلى طبيعة عصره، ولكن ليس إلى درجة الاقتداء به، بالنظر إلى طبيعة عصرنا! بناء على ما قيل، يمكن الاعتراف بأن العقل لوحده ليس بوسعه حمايتنا من آفة العدمية. العقل، في ذاته، لا يمنح أي دافع للموت أو الحياة. هو مجرد وسيلة. في خدمة ماذا؟ في خدمة الرغبة، التي هي “القوة المحركة الوحيدة” (أرسطو). نقيض العدمية، ليس هو العقل، بل الحب والشجاعة.

مجلة لوفيغارو : ماذا عن أهم النصوص الفلسفية التي تنصحون بها القراء، خاصة تلك التي تركت الأثر الكبير داخلكما؟

أندري كانت سبونفيل : أبيقور – رسالة إلى مينيسي . فنحن نجد فيها كل حكمة أبيقور ملخصة في بضع صفحات : لا خوف من الآلهة، لا خوف من الموت. فلسفة مادية في خدمة المتعة، الصداقة والسلام الداخلي، وكلها أشياء تشكل جوهر السعادة الحقيقية.

ميشال أونفري : لوكريتيوس – في طبيعة الأشياء. وذلك من أجل صيغة رومانية لأبيقورية تظل أقل ارتباطا بمفهوم القداسة الخاص بأبيقور، وأكثر قربا من تصور لوكريتوس المتواضع بشأن الحكمة العملية.

ميشال أونفري وأندري كانت سبونفيل قد قبلا، بطلب من مجلة لوفيغارو، بمناقشة أهم المسائل التي تقض مضجعهما، وذلك عبر البريد الالكتروني، وطيلة أسبوع بكامله. حدث يذكرنا بمراسلات زمان التي كانت تلقي الضوء على نجاحات بعض أعلام الفلسفة القديمة. ضيفانا ينتسبان، على التوالي، إلى كل من المدرسة الأبيقورية والتقليد المادي، ما يجعل الحوار بينهما يعد بالكثير من الإثارة والإفادة.

شاهد أيضاً

نيتشه حمَّال أوجُه

بقلم / هناء السعيد .. ( مصر) (محاورات) لا تدري فيه أين الماضي وأين الحاضر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *