الرئيسية / ترجمة / ترجمة: التداوي بالفلسفة – الجزء الأول *

ترجمة: التداوي بالفلسفة – الجزء الأول *

ترجمة: نور الدين البودلالي – فاس

نور الدين البودلالي

بقلم: نيكولاي أوميلتشينكو

ثبت على نطاق واسع أن الفلسفة، خلال تاريخها الطويل، قد طورت، في كثير من الأحيان، منحى علاجيا. فأبيقور، على سبيل المثال، كان كل أمله القدرة على استعمال فكره لتخليص الناس من ثلاث أنواع من المخاوف: الخوف من الآلهة، الخوف من الحاجة، والخوف من الموت. حجته القائمة على أن «الموت ليس له معنى بالنسبة لنا: إذ ما دمنا على قيد الحياة، فالموت غير موجود؛ وحين يقع، فإننا لا نكون هنا»، لا تزال –تلك الحجة- قادرة على إقناعنا بل ويمكنها، إلى حد ما، أن تزرع الثقة فينا.

حين تثقل الحياة الناس بالخوف، غالبا ما يجدون ملجأ أخيرا في عميق أرواحهم. ثمة يختبؤون، على غرار القواقع في أصدافهم. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة بالتحديد، يمكن للفلسفة أن تلعب دورا مهما في علاج النفس البشرية. المذهب الشكي على حق حين يشجعنا على تعليق أحكامنا في حالة حدوث هزات اجتماعية وميتافيزيقية، عندما تنهار الكينونة والقيم بفعل اليومي. وكأن الفيلسوف الشاك يقول لنا: «لا تتعجلوا بتعاريفكم. فالأمور غير مؤكدة وملتبسة بشكل كبير.» إنه يحث على التريث حين يكون هناك ضباب ابيستيمولوجي. فلسفة من هذا القبيل تبدو لي حكيمة أكثر من تلك الايديولوجيات المزهوة التي تتعجل بتقديم تقييم شمولي للشخص الذي تضعف معنوياته.

اقرأ أيضا: تطور القيم وعلاقتها بالإنسان العاقل المتطور تكنولوجيا، ترجمة نور الدين البودلالي

تنغرس الفلسفة عميقة في الطبيعة الإنسانية. لا نتفاجأ حين يتفلسف الإنسان العاقل l’homo sapiens. إنما نتفاجأ حين لا يفعل ذلك، ونستغرب حين لا يتأمل طبيعة الأشياء. اليوم أخذت هذه القدرة تضعف شيئا فشيئا. نفقد بهجة التفكير الحي ونحن مقيدين داخل نماذج من الشُّرْكة socium الحديثة. وإن كنا نرغب في البقاء أناسا، يجدر بنا أن نفكر. فخلاص الإنسان مرهون بالفلسفة.

إذا كانت المعرفة الفلسفية للكائن تفتح أمام الإنسان ما يسميه هيغل «نافذة على المطلق» (أي على اللانهائي)، فبمقدورنا استنتاج أن الفرد، وبفضل هذه العلاقة، يمكنه أن يثري وضعه العاطفي والفكري. لربما أن العلاقة الفعلية التي تجمع بين الشخصية البشرية و جوهر الوجود اللامتناهي هي التي تحرره من العزلة التامة، وتسمح لهذه الشخصية باكتشاف معنى آخر لوجودها وتنكشف لها الطبيعة الحقيقية لخلوده. بعبارة أخرى، إن الإنسان حين يلامس اللانهائي على المستوى الذهني، يمكنه آنذاك أن يعي خلوده.

التفكير في الجوهر اللانهائي للكون يسمح، من جهة، بتصور جوهرٍ لانهائي للإنسان نفسه و وتثبيته في لانهائي الكون. و يعني التفكير في اللانهائي، من جهة ثانية، اكتساب السلطة منه، والتي هي سلطة لانهائية. بتعبير آخر، إن التفكير في اللانهائي يشْحَننا لانهائيا. إن الفلسفة تعطي للفرد القدرة على تجاوز حدود تجربته المعيشة، ويجعل ذاته تتجاوز الواقع اليومي إلى أبعد الحدود. من الواضح أن إسقاط الإنسان على الواقع الميتافيزيقي، على عالم العلاقات الأساسية، هو، بالضبط، الذي يضمن الفعل العلاجي للفلسفة.

اقرأ أيضا: ترجمة: هابرماس وموضوع النقاش – نمذجة معيارية للفرد / الجزء الثاني*

من هذه الزاوية، تكشف الفلسفة عن حدود بعض أشكال التحليل النفسي والطب النفسي، بإثارة انتباهنا، مثلا، إلى الطابع المحدود لمسلماتها المنهجية. ثم إن الفلسفة، إضافة إلى ذلك، تملك من الأدوات ما يمكنها من استيعاب نتائج ملاحظات التحليل النفسي بغية بلورة، مثلا، نظرية أفضل محورها الحياة الروحية للإنسان. بمقدورنا إذن نبرز إمكانية العلاج الفلسفي، علاج النفس الإنسانية بواسطة الفلسفة.

بشأن جوهر العقل الإنساني

أكدت أبحاث إيريك فروم على أن العلاقة مع العالم الخارجي حاجة من الحاجيات الأساسية للكائن البشري. يمكن أن نرى في هذا برهانا على صحة فرضيتنا التي تنص على أن جوهر الإنسان (ذكاء، روح، فكر) يكمن في العلاقة، أو حتى نكون أكثر دقة، في مجموع العلاقات الكونية والثابتة (الداخلية و الخارجية) الرابطة بين الفرد و العالم (Fromm 1955 : 22-66 ; Omelchenko 2005 : 94-99).

أما بالنسبة لشيلر، فالإنسان، بفضل فكره، يحتل مكانة متميزة داخل الكون. ويقصد بالفكر اتحاد العقل أو الفكر المفاهيمي بمجال الأحاسيس، والانفعالات، والارادة –و باختصار مجموع نشاطاته العقلية المعروفة.

إذا تم النظر إلى جوهر جميع الكائنات باعتبارها تدخل في علاقة ما، ستكون أمامنا فرصة إمكانية فهم جوهر الإنسان باعتباره إنسانا مفكرا. دعونا الآن ننظر إلى مكونات الروح الإنسانية.

اقرأ أيضا: مدرس الفلسفة فيلسوف؟

بدءا، يمثل كل فرد من الأفراد البشرية جمعاء. وتشكل مجموع العلاقات الكونية المترسخة بين عدد من الأشخاص جزءاً من جوهر الإنسانية. إن حاولنا تصور فرد معزول تماما عن المجتمع، سندرك سريعا أن فردا مماثلا سيتوقف عن الوجود كإنسان. عزلة كهذه تعادل العدم. هذا يمكّننا من التأكيد على أن مجموع العلائق الكونية الراسخة، ليس فقط بين الكائنات البشرية التي تعيش الآن بل وبين الأجيال السابقة واللاحقة، تشكل في مجموعها أحد مكونات الجوهر الإنساني (لوغوس).  

في مستوى ثانٍ، ثمة علاقات ثابتة داخل الجسم الإنساني. هذه العلاقات تحكمها دارات عصبية دماغية، ميكانيكية، فيزيائية، كيميائية، فيزيولوجية، جينية وغيرها تعمل على تنظيم الجسد بأكمله. وتؤثر هذه البنيات بعضها في بعض مشكلة «محورا» مركزيا، وأقصد به اللوغوس الداخلي للإنسان. أكثر من ذلك هناك تفاعل بين الترابطات الداخلية والخارجية، التي تشكل أيضا شرطا للجوهر الإنساني.

اقرأ أيضا: مقاربة فلسفية لمعنى القيم

في مستوى ثالثٍ، يشتمل الجوهر الإنساني على علاقات بين النوع الإنساني والطبيعة. بينما تشكل مجموعة العلاقات الكونية الثابتة بين المجتمع والطبيعة جزءاً من الجوهر الإنساني.

من وجهة النظر هذه، يمكن، من ناحية، تقديم الفكر (ذكاء، روح، عقل) كعلاقة بين الإنسان والعالم الذي يحيط به و، من ناحية أخرى، كعلاقة للإنسان بنفسه (أي ظاهرة التأمل الذاتي). تصبح هذه العلاقات مرئية و مسموعة بواسطة اللغة الإنسانية. وبهذا لا يتموقع العقل البشري في الدماغ فقط بل أيضا خارج حدود الدماغ، أي في العلاقة بين الجسد البشري والواقع الخارجي.

لهذا السبب لا يشكل الدماغ العضو الوحيد في التفكير. فالكائن الإنساني يفكر باستعمال جميع مكوِّناته –كل أحاسيسه، كل الفترات التاريخية المتقدمة عنه، كل تجارب وطنه، و تجارب مجتمعه، وتجارب الإنسانية جمعاء. وعليه، فالجوهر الإنساني (ذكاء، روح، عقل) هو مجموعة من العلاقات الكونية الثابتة (الداخلية والخارجية) الكائنة بين الفرد والعالم. يؤدي بنا هذا إلى استنتاج أن العقل البشري حالة وجودية متحققة فعليا في الكسموس اللامتناهي: فهو كسموس [عالم] مصغَّر لا يمكنه، من حيث هو كذلك، أن يكون محددا كليةً من طرف مؤسسات اجتماعية محددة. إذ أن صيغة «الكائن الإنساني عالم مصغر» تنطبق على الماضي كما تنطبق على المستقبل.

الروح البشرية هي الأخرى لا تستوي فقط داخل الجسد البشري بل خارجه أيضا: بين الفرد والمجتمع، بين الفرد والكسموس. إنها إذن تمتلك بعدا خارج-مكانيا وأبديا. و لكونها في الواقع لانهائية، فإنها لا توظف تعريفا لا يقبل الطعن. تعريف للروح بهذه الصفة يعني موتها. فلانهائية الروح البشرية هي التي تشكل خلودها. وبعبارة أخرى، يمتلك الكائن البشري مبدأ خالدا. وفي الطبيعة الإنسانية يندمج الموت والخلود في بعضهما البعض.

اقرأ أيضا: أزمة القيم بين العدمية والتنمية البشرية، ترجمة نور الدين البودلالي

دعوني أعرض لحجتين داعمتين لمبدأ خلود الكائن البشري. بادئ ذي بدء، إن لانهائية العقل البشري تتجلى ضمن التصورات الكونية، بدءا بالتصنيفات الفلسفية. فعلى سبيل المثال، يشير مفهوم ال«كائن البشري» إلى فرد واقعي مسمى بهذا الاسم وفي نفس الوقت إلى شيء آخر أكثر عمومية ما دام المصطلح يحيل على البشرية جمعاء: أولئك الذين عاشوا قبلنا، والذين يعيشون الآن وهؤلاء الذين سيعيشون في المستقبل. وعليه، فمفهوم ال«إنساني» وحده يدفعنا خارج حدود الشخصية الفردية و خارج الواقع الملموس ويسقطنا في اللانهائي. والحقيقة أننا عاجزون عن رؤية مدى امتداد مفهوم ال«إنساني».

إن الإنسان، بفضل عقله، يحافظ ويصون علاقة ثابتة مع اللانهائي، حيث يطور بالفعل مفاهيم كونية تمكنه من الدخول في علاقة مع نفسه. هذا في حد ذاته يكفي للبرهنة على فرضيتنا التي تنص على أن الكائن البشري مخلوق أبدي. اتصالنا باللانهائي جزء من حياتنا العادية اليومية: إذ الخلود جد مألوف لدينا حتى أننا نكاد لا نلاحظه.

ثانيا، الخلق نفسه يعني الخلود. لكن ماذا نعني بالخلق؟ أفلاطون يعبر عنه بشكل مثير للإعجاب في المأدبة (e206) «الإنجاب هو ما قد يشمل خلود وسرمدية كائن ميت». ومع ذلك فكل الخلق قادر أن يُفسَّر على أنه ولادة وليس استنساخا للحياة فقط. هذا يشرحه أفلاطون على المنوال التالي (c205(:

كل ما يشكل سببا للمرور من اللاوجود إلى الوجود هو «شِعر» أو خلق. العمليات التي تنتمي لميدان الفنون هي إبداعات créations؛ و الذين يمارسون الفنون هم شعراء أو مبدعون خلاقون.

كل ولادة، سواء أكانت ولادة أطفال، أفكار، مشاعر، صور، موسيقى، بنايات معمارية أو غيرها من الإنجازات المادية، تعطي للإنسان «نوعا من الأبدية والخلود». لذا يمكن اعتبار الخلق من حيث هو تعبير عن اللامتناهي في المتناهي، مبدأ لخلود المخلوقات الفانية. فنحن نستمر في الوجود من خلال إبداعاتنا. و الإنسان بإبداعه يلج، إلى حد ما، إلى مرتبة الألوهية. إذ الإبداع هو عامل خلود الإنساني، لكنه بوصفه مخلوقا بسيطا فالكائن البشري غير مكتمل، محكوم عليه بالمعاناة، بالوجود دون أفق مستقبلية، بالتلاشي بشكل تدريجي حتى الموت الحتمي.

وهكذا، فمن ارتساماتنا السابقة عن الروح البشرية، نستنتج عدم إمكانية إعطائها أي تعريف نهائي. فالروح البشرية تقوم على مبدأين: مبدأ الوفاة و مبدأ الخلود. مقدَّر على الإنسان أن يطور مبدأ الخلود لديه، أي أن يميل نحو الألوهية. وبهذه الطريقة أرد على سؤال «ماذا يعني أن تكون إنسانا؟».

هوامش ومراجع

  •  Nikolay Omelchenknko: La philosophie comme thérapie. Traduit de l’anglais par Jeanne Delbaere-Garant

مصدر المقال https://www.cairn.info/revue-diogene-2009-4-page-95.htm

Angulo Parra, Y. (2009) « Power Relations, Forms of Female Subjectivity and Resistance », dans N. Omelchenko (éd.) The Human Being in Contemporary Philosophical Conceptions, p. 283-292. Newcastle upon Tyne: Cambridge Scholars Publishing.             

Bach, R. (1986) Illusions : le messie récalcitrant. Paris : J’ai lu.

Feuerbach, L. (1960) « Der Eudemonismus », dans Sämtliche Werke,

éd. Bolin et Jodl, t. X, p. 230-293. Stuttgart : Frommann.

Frankl, V. (2006) Découvrir un sens à sa vie : avec la logothérapie, traduit

de l’anglais par Clifford J. Bacon et Louise Drolet. Montréal : Éd. De l’Homme.

Fromm, E. (1955) The Sane Society, New York: Rinehart.

Omelchenko, N. (2005) Опыт философской антропологии. Volgograd: Издательство Волгоградского государственного университета.

Scheler, M. (1979) La Situation de l’homme dans le monde, traduit et préfacé par M. Dupuy. Paris : Aubier Montaigne.

Soloviev, V. (1990) « Смысл любви », dans Сочинения, t. 2, éd. Arseny Gulyga and Alexei Losev, p. 493–547. Moscou : Мысль.

Troubetskoï, E. (1998) « Смысл жизни » dans Избранные произведения, p. 16-336. Rostov : Феникс.

نور الدين البودلالي

شاهد أيضاً

ترجمة كتاب الدهشة الفلسفية

المترجم محمد ايت حنا المترجم المغربي محمد ايت حنا الكاتبة جان هيرش صدر عن منشورات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *