الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / إستحالة الإتفاق

إستحالة الإتفاق

هناء السعيد  – الاسكندرية

هل من المفترض أصلًا أن نتفق جميعاً علي شيء ، سؤال مؤرق للبعض ، ومريح ومثير بالنسبة لي وللبعض الباقي ، فحاجة البشر للاستقرار بعض الشيء تدفعهم لتوهم صحة مبدأ “الإتفاق”

  .. ولكن ..

هناك مستحيلات تمنع ذلك منها :

هل الشيء المتفق عليه سيشبع حاجاتنا جميعاً ، سيرضي رغباتنا المتنافرة ؟

هل سيتنازل أحد عن مايحبه ويراه أفضل الإمكان لأجل تصور غيره ؟

كيف سيعقد الاتفاق ، ما ألياته وقواعده التي تضمن عدم ظهور منازع له في المستقبل ؟

 ما الضمان أنه لن يأتي زلزال يطيح بأماننا وإيماننا ؟!!!

في الحقيقة لاشيء يعجبنا أو سيعجبا كلنا ، الكل يشكو حتي تسائلت هدوء البال لمن!! 

لذاتنا لا تستمر ، اللذات تتناقص بالتدريج مهما تفاخرنا بها ومهما عظمت ، وهج الإجماع كذلك انطفأ بمجرد صراخ معاناة الحاضر وفيضان الريب فيه .

صرت بأتفه علامة استفهام وبأدني علامة تعجب تهتز معارفك واتفاقاتنا المسبقة .

نحن أمة تقدس الإتفاق رغم استحالته ، وتتغني بحق الإختلاف وتخاف من حرمة الغناء !! 

لن يوجد رأي يرضي الكل ، سيظل هناك وهنا ساخطون ، ظاهرون من باب التضحية بالنفس أو مستترون من باب التقية.

بالعموم الحياة الاجتماعية ” خيط وسكين” كما قيل ، الخيط يربطنا ، والسكين يمزق الرابطة ، وكل التناقضات  كانت السكين التي هجمت علينا بعد الأكل من شجرة النقد الملعونة عند البعض .

قال الرسول ” لا تختلفوا ” وقال أيضاً ” اختلافنا رحمة ” ، ربما قصد لا تختلفوا  في أن الإختلاف من الرحمة ، فالحياة تحتاج  “الوتد”  كما تحتاج “الرياح” والعواصف ، تحتاج المد والجزر .

“الاتفاق ” هو ادعاء إمكانية تثبيت غريزة الكون وغريزتنا في التنازع.. والغريزة توجه لا تبتر أو تقيد.

هناك فكر محافظ ومعارض ، والمعارض بمرور الزمن يتحول لمحافظ ممل ويظهر له معارض جديد ، وهكذا الي قيام القوم في القيامة، البديهيات مسألة خلافية كما أؤمن ، ترجع لعاداتنا الفكرية ومدي تحصننا بالعقلية النقدية  ، فغريب ومطارد اليوم سائد وطاغية الغد ..

 هذا النوع من التاريخ أجزم بلاشك أنه دومًا يعيد نفسه ، فأي أركان نود ان نثبتها وأي يقين نتمتم به!! 

وبملاحظة عابرة لنفس التاريخ تجد أن الفكرة لا تستقر إلا علي أنقاض الأخري ، فكيف إذاً  وجد الإتفاق مجراه في ظلمات بعضها فوق بعض!! 

  باختصار ..

“الحقيقة”  عند البشر مصالح تحولت لثوابت ، والحق حراك مستمر.

و “الفقهاء” كرمز لدعاة توحيد الرأي والمروجين لتجريم الاختلاف ، وهم كذلك أيقونة حضارتنا وملهميها ، لم يحسموا الأمر في كبريات الجدليات ، كان هناك ألف قول متضارب يلغي أحدهم الآخر ، تعويذة الاتفاق لم تنفعهم أحياناً  إلا في الشأن الهين الذي لو حتي كنا اختلفنا فيه فلن يضرنا ضار  ، وبقيت القاعدة أن..

 الاتفاق أول المستحيلات  .

سنتمزق ، سنتقاتل ، سنكره ، سنغير ونتغير ، سنثور ونهدأ ، سنشتعل وننطفيء .. ولم ولن نتفق .


شاهد أيضاً

“تواصل” بطعم الإباحية !!!

بقلم: هناء السعيد – مصر هناء السعيد لم تعد هناك خصوصية، المساحة الشخصية نكتة مبكية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *