الرئيسية / تربية و تعليم / الفلسفة للأطفال / الفلسفة للأطفال أفـــقــاً للتفــكــير

الفلسفة للأطفال أفـــقــاً للتفــكــير

محــسن بـــــوخار. أستاذ باحث في الفلسفة و التربية


محــسن بـــــوخار. أستاذ باحث في الفلسفة و التربية

” لا يمكن تعلم الفلسفة بل يمكننا فقط تعلم التفلسف “. كــــــانط

” ابدؤوا بمعرفة أطفالكم بشكل أفضل لأنكم حتما لا تعرفونهم”. جون جاك روسو

مقــــــدمـــة :

من جملة البدهيات و اليقينيات الراسخة التي استغرقت تاريخ الفكر الفلسفي و تقاليد الممارسة الفلسفية قناعةٌ مفادها أن الفلسفة، بوصفها نشاطا عقليا، مرتبطة بشكل خاص بفئة معينة هي الفئة التي بلغت سن الرشد العقلي، على اعتبار أن النضج الفكري و اكتمال نمو التفكير المنطقي الصوري مقتصر فقط على الفئة الراشدة من الناس. ذلك أن “الأطفال لا يستطيعون القيام باستدلالات منطقية ما داموا لم يبلغوا بعدُ من نموهم المرحلة المنطقية الصورية كما حددها بياجي”[1]

أمام هذه المناعة التاريخية والوصاية الفكرية التي جعلت من فعل التفلسف، حتى لا نقول الفلسفة، حكرا على الكبار، تبرز اليوم، على نحو واضح و قوي، دعوات و مطالبات تنادي بحق الطفل في ممارسة التفكير و التفلسف؛ أي بحقه في الدهشة و التأمل و الشك و السؤال..

إن ما يبرر و يضفي الشرعية على الدعوة إلى حق الطفل في التفلسف، هو استنادها إلى دراسات علم النفس حول منظومة الذكاءات المتعددة التي نتميز بها ككائنات إنسانية و التي تحتاج إلى تنمية مستدامة. و هي المنظومة التي تقوم على فرضية توفر الطفل على ذكاءات متعددة، يحتاج إلى مَن ينقلها من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل، إذا استعرنا اللغة الأرسطية ، فإذا ” اعتبرنا أن تدريس العلوم  و الرياضيات يستند إلى شرعية وجود الذكاء المنطقي الرياضي. و إذا كان تدريس اللغات و الآداب و الشعر و القصة و الرواية يستند إلى شرعية وجود الذكاء اللغوي، و إذا كان تدريس التربية البدنية و المسرح .. يستند إلى شرعية الذكاء الجسمي الحركي.. فإن تدريس الفلسفة[2] بالنسبة للطفل، يستند إلى شرعية وجود ذكاء خاص و متميز لديه هو الذكاء الوجودي الذي يتميز به الفلاسفة في أرقى مظاهره..”[3]

إن طبيعة سيكولوجية الطفل، إذاً، تكشف أن الطفل فيلسوف صغير بامتياز. بحيث قد لا تكون فلسفة الطفل صريحة في معظم الأحيان، بل هي غالبا ما تبدو مضمرةً تثوي خلف تلك التساؤلات الكبرى عن الوجود، و التي تعكس شغفا و فضولا معرفيا لدى الطفل، بل شرطا وجوديا و حاجة ضرورية لمعانقة الحقيقة و اليقين. يتجلى فعل التفلسف عند الطفل في تساؤلاته عن قضايا ميتافيزيقية، من قبيل مسألة الله ككائن متسامٍ، و الموت كحدث مفاجئ، و ما بعد الموت كلغز محير، و المستقبل كأفق مجهول…

إننا نعتقد، مخطئين، أن الطفل كائن بلا هوية فكرية، و في أحسن الأحوال ذو بنية أسطورية، بالمعنى القدحي للكلمة، و الحال أنه يملك هوية إبداعية  تشكل الأساس الفكري و الأخلاقي  لديه، إنها هوية تقوم على فطرة العقل بالمعنى الديكارتي، و فطرة الأخلاق بالمعنى الكانطي، و الطبيعة الخيِّرة بالمعنى الرُوسَوِي قبل أن تفسدها عوامل التنشئة الاجتماعية.

إن الطفل بطبعه كائن تواق لاقتحام المجهول بجرأة و شجاعة عالية، إنه عقل منفتح و قلِق و متساءل منطلقه في ذلك ما يقدمه له الدرس السقراطي في كونه يقر بأن ” ما يعرفه هو أنه لا يعرف شيئا “، إنه عقل متحرر و منفلت من سطوة المألوف و ديكتاتورية العادة، ” عقل حر لا ينتهي تفكيره و لا يتوقف عند حدود ثابتة، أو عند النهايات التي تريدها شروط التنشئة. فضول معرفي نشيط و يقظ مقرون بالدهشة و الإعجاب”.[4] على خلاف عقل الراشد الذي يغلقه تحت مبرر أنه يعرف..

تراهن الدعوة إلى تدريس الفلسفة للأطفال على تنمية الحس النقدي لدى الطفل و مساعدته على التفكير اعتمادا على ذاته قصد بناء الاسقلالية في التفكير و العمل لديه، مثلما تشدد هذه الدعوة على البعد الاجتماعي المتمثل في احترام الآخر في التعبير و زرع بذور الحس الديمقراطي لدى الأطفال من خلال مجابهة الأفكار داخل فضاء عمومي للنقاش. إن الرهان الأكبر لجعل الفلسفة في متناول الأطفال هو بناء شخصية الطفل بما يبرز و ينمي ذكاءه الوجودي، إلى جانب الذكاءات الأخرى، عبر تعويده الممارسة التأملية و الفعل الانعكاسي على نحو يجعله يعيش تجربة كونه كائنا مفكرا، مما يجعله قادرا على الجرأة على الكلام و المخاطرة بآرائه.

نروم من خلال هذه المحاولة إعادة النظر في العلاقة بين الطفولة و الفلسفة، من خلال مساءلة تمثلات الفلاسفة أنفسهم حول مفهوم الطفل و الطفولة، و هل الطفل فيلسوف بالطبع؟ و هل  له من الفلسفة نصيب، قل أو كثر، أم أنه ليس فيلسوفا بالمرة؟
برز تيار الفلسفة للأطفال PPE أول مرة بالولايات المتحدة الأمريكية على يد الفيلسوف و البيداغوجي Matthew Lipman،   و قد كانت أعماله تستهدف جعل الطفل قادرا على التفكير اعتمادا على ذاته، من خلال ورشات ” فلسفية “ ذات طابع حواري، اعتمادا على منهج في تدريس الفلسفة للأطفال، قائم على تصور ديدكتيكي أصيل يستند إلى النص الروائي متناً و القراءة و المناقشة طريقةً، قصد تنمية الفكر النقدي و الإبداعي لدى الأطفال. ها هنا ضربٌ من النقل الديدكتيكي للفلسفة العالِمة و صوغها في قالب روائي قابل للتعلم من قبل الأطفال بما يلاءم قدراتهم السيكونمائية.
يدفعنا هذا التصور و النموذج الليبماني إلى مساءلة هذه البيداغوجيا الجديدة، بمعرفة مدى قدرتها على تمكين الطفل من حقه في التفلسف، و بالتالي توسيع آفاق تدريس الفلسفة بضم جماهير الأطفال إليها. هل بوسعنا، حقا، تأصيل و تنزيل النموذج الأمريكي في تدريس الفلسفة في سياقنا المغربي و النزول بها إلى المرحلة الابتدائية؟ ألا يشكل المتن الروائي مدخلا بيداغوجيا لنقترب أكثر إلى كنه الفلسفة و روحها، بوصفها نشاطا عقليا و فعلا تنويريا بالمعنى الكانطي؟

في مفهوم ” الفلسفة للأطفال ”

التحديد بالسلب وبالإيجاب:

ليس المقصود بمفهوم ” الفلسفة للأطفال ” تلقين الأطفال تلك النماذج و الأنساق الفلسفية التقليدية التي يتم تدريسها في المؤسسات التعليمية الثانوية على نحو كلاسيكي، مثلما لا يتعلق الأمر بــــــــــ”بيداغوجيا الجواب ” القائمة على تقديم الأجوبة الجاهزة للتساؤلات التي يطرحها الأطفال على طريقة الجاهز للفكر.. prêt à penser .

و إنما الأمر يتعلق ببراديغم تربوي جديد  قائم على بيداغوجيا السؤال، أساسه إثارة الأسئلة لدى الأطفال ذات الحس الفلسفي، اعتمادا على المدخل الروائي أو تقنية المايوتيك[5]. ” الفلسفة للأطفال ” قلبٌ راديكالي للبراديغم الكلاسيكي في حقل التربية و الفلسفة معاً، على النحو الذي لم تعد معه التربية نقلا للمعارف و الحقائق بقدر ما أصبحت تكوينا لملكة الحكم و النقد، مثلما لم يعد النضج الفكري معيارا محدِّدا لممارسة فعل التفلسف. بهذا المعنى، و به فقط، أحدثت ” فلسفة الأطفال ” ثورة كوبرنيكية قلبت علاقتنا بالطفولة، و بعلاقة الطفل بالفلسفة، كما فعل ذلك جون جاك روسو بمؤلَّفه الشهير  “إميل أو في التربية”. إن هذا البراديغم الجديد يدفعنا إلى مساءلة تمثلات الفلاسفة أنفسهم عن الطفل، و التي كانت، في غالبيتها، تصدر عن رؤية كلاسيكية  تجعل من ” مرحلة الطفولة نوعا من الدرجة الصفر في نمو الإنسان و مسلسل انتقاله من كائن طبيعي إلى كائن اجتماعي أو مدني”.[6] و هو ما يبرر و يشرعن للتساؤل عن إمكانية الحديث عن ” فلسفة قاصرة ” بالمعنى الإيجابي للعبارة.

إن مفهوم ” الفلسفة للأطفال ” يحيل، إذاً،  على جملة الممارسات التعليمية التي تستهدف تنمية الحس النقدي و تطوير ملكة التفكير الإبداعي لدى الأطفال، استنادا إلى مقاربة بيداغوجية متعددة المداخل تعتمد المايوتيك تقنيةً و المتن الروائي أسلوباً.

يحيل هذا الباراديغم الجديد في التعاطي مع فعل التفلسف لدى الأطفال إلى ممارسة بيداغوجية جديدة تحدث قطيعة مع مَذهبة العقليات و تدجين العقول و تنميطها من أجل تكريس النزعة الوثوقية و الدغمائية تحت ذريعة إدماج الأطفال في نسيج المجتمع. إن ” مدرسة العصر الذي نحياه- أي عصر الحداثة- هي مدرسة عمومية تشتغل في ظل دولة القانون و المساواة و تكافؤ الفرص. إنها بمثابة الفضاء الروحي الذي سيمكن الفرد من تأسيس معنى الوجود و بنائه أيا كانت أصول هذا الفرد و انتماءاته”.[7]

على هذا النحو تعلمنا فلسفة الأنوار كيف تكون غاية التدريس هي العمل من أجل ” التنوير[8]” بالمعنى الكانطي ليصير الفرد قادرا على ممارسة التفكير اعتمادا على ذاته، و من ثم على تطوير ملكة الحكم لديه و اختيار قيمه و ممارسة حريته في التفكير دون وصاية من أي سلطة كانت سوى سلطة العقل.

إذا كنا نلح على كون الطفل ” فيلسوفاً ” بالقوة، و أنه قادر على ممارسة ” فعل التفلسف ” على نحوٍ عفوي و فطري، فلا يعني ذلك أنه قادر على القيام باستدلالات منطقية، مادام لم يبلغ بعد المرحلة المنطقية الصورية كما حددها بياجي، و لا أنه يمتلك القدرات و الكفايات الفلسفية من أشكلة  (problèmatisation)و مَفهَمَة ((conceptualisation) و مُحاجَّة (argumentation ) وهي القدرات التي تسعفه في فهم الوجود و تحليله و نقده في مختلف مستوياته.. مثلما لا يعني ذلك أنه قادر على بناء نُظمٍ فلسفية كما كان يفعل فلاسفة الأنساق.
ليس هذا ما نعنيه بكون الطفل ” فيلسوفاً “ بطبعه، إنما نشدد على كونه يمتلك ذكاءً وجودياً يتجلى في طرحه للأسئلة الميتافيزيقية الكبرى، و في إبداء دهشته و حيرته أمام العالم، و هو ما يدفعنا إلى استثمار هذا الذكاء الخاص على نحو بيداغوجي يراعي خصوصية المراحل السيكونمائية لدى الطفل، قصد تنمية حاسة النقد لديه بما يجعله مؤهلا في المراحل العمرية القادمة لممارسة فعل التفلسف على نحو صريح و رصين.


[1]  محمد حجاوي، الطفل و الفلسفة، دار إفريقيا الشرق، ط 2017، مقال بعنوان : الفلسفة و الطفل، ص 37.

[2]  نفضل نحن استخدام مفهوم ” التفلسف ” بدل ” الفلسفة ” ، ذلك أن تصورنا لمشروع ” الفلسفة للأطفال ” يقوم أساسا على فعل التفلسف، أي ذلك النشاط العقلي الذي يجعل من الطفل قادرا على طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالوجود، في إشارة لنوع من الذكاء الوجودي الذي يتميز به هذا الطفل.

[3]  عبد الواحد أولاد الفقيهي، نفس المرجع السابق، مقال بعنوان : الدهشة في الذكاء الوجودي بين الطفل و الفيلسوف، ص 84.

[4]  محسن إشحا، الطفل و الفلسفة، دار إفريقيا الشرق، ط 2017، مقال بعنوان : الهوية الفكرية للطفل بين الماهية الإبداعية و التنميط الاجتماعي ، ص 23.

[5]

[6]  نفس المرجع، مقال بعنوان : الطفل و الفلسفة، هل هناط فلسفة قاصرة ؟ ، ص 107.

[7] المصطفى شباك، الحداثة و التربية، ترجمة محمد أسليم، دار الثقافة، ط 1999، ص 30،31.

[8]  خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه، و الذي يعني عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد الغير.


محــسن بـــــوخار. أستاذ باحث في الفلسفة و التربية

شاهد أيضاً

الله أعلم

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد .. ( مصر ) أسئلة الناس تعكس همومهم وشغفهم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *