الرئيسية / منشورات / مجلات / الفلسفة: سؤال موجَّه لما لا يتكلّم

الفلسفة: سؤال موجَّه لما لا يتكلّم

فتحي المسكيني

فتحي المسكيني

يعلّمنا مرلو-بونتي كيف تأخذ الفلسفة انبثاقتها الصعبة من “لحم الحاضر أو ’’الثمّة’’( il y a) ” الخام التي لا تستشير أحدا في أن تكون. ثمّة كائن. ثمّة عالم. ثمّة جسد. وعلينا أن نتحمّل السؤال عن معنى ذلك إلى النهاية دونما أيّة “أطروحة” نهائية حول كلّ ذلك، قد تمطّط كسل الروح في أفقنا. ذلك بأنّ “الفلسفة ليست قطيعة مع العالم” ، وعلى ذلك هي أيضا “ليست انطباقا معه” ، إنّها “لا تبحث إذا عن تحليل علاقتنا بالعالم وعن تفكيكها وكأنّها كانت قُدّت بالتجميع” . نحن لسنا جزء من أيّ شيء. بل “كائن هو بتمامه اظّهار” أو ضرب من “التبلّر” .

من أجل ذلك ليس على الفيلسوف أن يواصل أسئلة “المعرفة”، وذلك لأنّ “الفلسفة ليست استيعاء” (prise de conscience) و”نحن ليس لنا وعي مقوّم للأشياء مثلما تعتقده المثالية” . فنحن في الأصل لا نعرف بل فقط نؤمن بإدراكاتنا، والفلسفة نفسها هي في سرّها “إيمان إدراكي” اهتدى إلى طريقة فذّة لطرح أسئلة مناسبة عن وعلى نفسه . وبعبارة واحدة: الفلسفة في صميمها “سؤال موجّه لما لا يتكلّم” فينا: “ذلك المزيج المتكوّن من العالم ومنّا والذي يسبق التفكّر” .

حين نتفلسف نحن ننطلق سلفا من “غموضنا” وليس من “بداهاتنا” . والسؤال –الفاجعة الأولى لا يمكن أن يكون إلاّ تساؤلا من هذا النحو: “ما هذا الشيء الذي هو نحن ؟” . وإنّ ذلك هو ما افتتح فيه مرلو-بونتي مغامرة المرئي واللامرئي. ليس الفيلسوف من يحفظ على العالم بداهته، بل على العكس من ذلك هو من ليس في وسعه سوى أن يؤدي إلى “خسرانها” وتحويلها هي ذاتها إلى “لغز” قائم الذات. فما يحيّرنا فعلا هو أنّ “ولوجنا في العالم” يكاد لا يتميّز عن “انسحابنا منه” . صحيح أنّ لكلّ منّا “عالما خاصا” ؛ إلاّ أنّ العوالم الخاصة “ليست العالم”، نعني “العالم الوحيد…العالم المشترك ( koinos Cosmos)” . ولذلك ما أبعد الفلسفة عن أن “تبحث عن بديل لغوي للعالم الذي نراه” . و”التفلسف ليس هو أن نضع الأشياء موضع شكّ باسم الكلمات” . إنّ اللغة نفسها “عالم” و”كينونة” . ولذلك “ليس بإمكاننا أن نقصر الفلسفة على تحليل لساني” لما قيل عن موضوعات محددة. بل أكثر من ذلك: إنّ الفلسفة لا تتعلق بما هو مقول أو ما هو معروف فحسب. وذلك “لأنّ الكلام لا يدور فقط حول ما نعرف، …وإنّما كذلك حول ما لا نعرف” . وإنّ الكلام الثقيل ليس ذاك “الذي يحبس ما يقوله” في قيود التحديد والتعريف، بل بالأحرى ذاك الذي “يفتحه بكلّ ما أوتي من قوة على الكينونة” . لم نأت كي “نتملّك” الكينونة، بل كي “نذرها تكون” . وذلك لأنّنا لا نبحث منها عن “إجابة” بل عن “تأكيد لدهشتنا” . 
الكينونة هي ما لا يتكلّم في عالمنا. والفلسفة الحقة هي تلك التي “تسأل تجربتنا للعالم عما هو العالم قبل أن يكون شيئا نتحدث بشأنه” . ولذلك لا أحد يمكنه أن يغلق دلالات اللغة فيما قيل ، فإنّ “اللغة لا تحيى إلاّ بالصمت” . ومن ثمّ فإنّ عليها أن تخطئ: بل “اللغة هي قدرة على الخطأ” . والصعب هو العثور على “خطأ جيّد” . وذلك هو قدر الفيلسوف: “وهن فيه” أن يتكلّم. وإذا تكلّم فكأنّما هو “يصوغ صمتا معيّنا يصغي إليه في داخله” .

أمّا النتيجة المثيرة من هذا المعطى الحاسم فهي هذه: أنّه “ليس لي أن أخرج من ذاتي إلاّ بواسطة العالم” . العالم “أقدم” من أفكارنا. ولذلك نحن دوما نرتبط به من خلال إيمان إدراكي ما، “يفترضه العلم لكتّه لا يوضّحه” . إلاّ أنّه افتراض يشبه “العمى”: فبقدر ما يكون العلم أعمى إزاء الكينونة، هو ينجح في تحديد الكائن ومعرفته . ولذلك لا يستطيع الفيلسوف أن يمنع نفسه من ملاحظة أنّ العلماء يتحرّكون وكأنّهم “يقدّمون ’’أفضلياتهم’’ كما الموسيقيّ أو الرسام” . كأنّما أنطولوجيا الموضوع التي أقام عليها العلم الحديث قواعده لا تعدو أن تكون غير “تفضيل معيّن” . إنّ “المتفرّج المطلق” الذي ينتج العلم “محلّقا فوق موضوعه” هو افتراض ينبغي مراجعته . ولا تكمن قوة الفلسفة إلاّ في كونها تستطيع أن تضع “من يسأل” موضع تساؤل . لكنّ الأمر “الأعسر هو أن لا نخطئ بشأن ما هو السؤال” .

ليس السؤال مجرّد أداة تحديد أو التقاط بارد للماهيات كأنّما هي أشياء أو وقائع منقطعة عنّا مهملة في خواء الكينونة. إنّ أكبر مدعاة للتفكير هي أنّه “ثمّة عالم”. ولا يمكن لأيّ تحديد ماهوي أن يأتي على معنى ذلك. إنّ الثمّة تقع “تحت الماهية” وإنّها “التجربة التي تشكل الماهية جزءا منها ولا تحيط بها” . إذ تفترض “الماهية” متفرّجا محضا لا وجود له فينا. وعلينا أن نقبل إذن بأنّ سؤال الماهية ليس هو “السؤال النهائي” في الفلسفة، من أجل أنّ “السؤال الفلسفي لا يضعه فينا متفرج محض” . ليست الماهية شيئا، بل “كيفية كيان” (Sosein) ، ولذلك “لا ماهية ولا فكرة إلا وهي متعلقة بميدان تاريخي وجغرافي” ، وبهذا تحديدا على الماهية أن تنقلب معنى وتجربة للمعنى، فإنّ “المعنى هو الكائن الوحيد المشروع” . نحن تجارب وليس وقائع. ولذلك فالفيلسوف لا ينتظر شيئا، بل ، “بضرب من الحول”، هو ذاك الذي يفلح في الانقلاب على ذاته وعلى أسئلته.

شاهد أيضاً

ترجمة: تغيير العالم أم فهمه؟

في سنة 1936، خلال مواجهة شهيرة داخل جامعة سلامنكا، صرخ الكاتب الاسباني، ميغيل دي أونامونو، في وجه أتباع فرانكو قائلا : " سنُهزم على أيديكم لكننا لن نقتنع أبدا". يبدو أن اليسار اليوم، لا يملك سوى هذا الرد في مواجهة الرأسمالية العالمية المنتصرة. هل سيظل محكوما على اليسار – الذي غالبا ما يُقنع إذا ما تعلق الأمر بتفسير أسباب هزيمته – بالإقناع دون الانتصار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *