الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / إشكالية الصفح عند دريدا: تحقيقا للمستحيل

إشكالية الصفح عند دريدا: تحقيقا للمستحيل

عزالدين بوركة – كاتب وباحث جمالي مغربي

“نعم للصفح، لا للنسيان”، نيلسون مانديلا.

بعد سنوات من صدوره باللغة الفرنسية، صدر مؤخرا كتاب “الصفح…”[i] للفيلسوف الراحل الفرنسي جاك دريدا  Jacques Derrida، مترجما إلى العربية عن دار المتوسط بإيطاليا (2018)، وقد عرّبه كل من المترجمين عبد الرحيم نور الدين ومصطفى العارف.

وذلك في الوقت الذي لا تتوقف فيه وسائل التواصل والاتصال المعاصرة، عن بث صور يومية للعنف والقتل والجرائم، التي توسم بالوحشية أو ضد الإنسانية. ولا يكفُّ التلفاز عن إظهارها والتذكير بسابقاتها التي مرت عبر التاريخ، وكأن التلفاز لا ينسى، باعتباره أداة تذكر دائمة للماضي وإعادة تجسيده وإظهاره واستحضاره وكشفه… أفلام وثائقية عدة خصصت للجرائم التاريخية ضد البشرية، منذ الإبادات الأولى وصولا إلى المحرقة النازية وحرب الفيتنام، ومرورا بحروب القيصر وحنبعل وغيرهم… إلا أن هذه الأفلام وإن تتذكر أحداثا فهي تتناسى أو تغض البصر عن أخرى، وقلما تذكرها أو لا تذكرها وتصرف النظر عنها، خاصة فيما يتعلق بالاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفليسطينية… كل هذا الكشف والإظهار واللانسيان هو من باب الاعتراف، أو بالأحرى طلب الصفح والغفران والعفو والعفو العام والمصالحة والتسامح والتصالح…

في كتابه “الصفح…” يقدم لنا دريدا تحليلا وتفكيكا معمقا لهذه المفاهيم -المذكورة- قصد إظهار الفروق بينها، وإبراز مفهوم “الصفح” Pardon من حيث أنه مطلوب اليوم بشكل مستعجل وكثيف، ومن حيث أنه ضد تدبير النسيان الممنهج والمؤسس، ومن حيث أنه لا يتحقق إلا أمام ما هو “مستحيل الصفح عنه”، أي “ما لا يقبل النسيان” inoubliable.

هذا المؤلف الذي صدر أول مرة في فرنسا سنة 2004، هو نص منبثق عن محاضرة، أُلقيت في جامعات كراكوفيا و فارسوفيا وأثينا (1997)، وفي جامعات ويسترن كاب وكيب تاون (جنوب إفريقيا) والقدس (1998). يقدّم هذا الكتاب/المحاضرة موضوعه حول الصفح le pardon، كتصرّف أخلاقي واع ومسؤول، يقوم به شخص ما، سبق أن كان ضحية إساءة، أو أذى، أو جريمة، تجاه الجاني. ليس هذا التصرف بجديد، إذن، بل هو قديم قدم النزاعات والحروب البشرية، وهو عنصر أساسي في العلاقات الشخصية. لقد تناولته الأنساق الأخلاقية كلها، وحاولت تحديد شروطه وفوائده. الشيء نفسه ينطبق على الأديان، وإن كانت تطرّقت إلى الأفعال الإنسانية الشريرة، كذنوب، تستوجب الاستغفار والتوبة والتكفير[ii]. يضعنا جاك دريدا هنا أمام هذه المفارقة بين مفهوم الغفران (الإلهي) والصفح (الدنيوي)، بين طلب الغفران وطلب الصفح، بين المشروط واللامشروط. فالغفران لا يقدم إلا بعد اعتراف “المذنب /الجاني”، وطلبه للصفح والمغفرة، أي إعلانه توبته -النصوحة- وكونه يلتزم بالسلوك الأخلاقي اللاهوتي، أي أن يغير طبعه… بينما الصفح pardon -كما يبين دريدا- فهو شبيه بالهبة don، “إننا نعثر في أصل هذه الكلمة [الصفح] اللاتيني، وبكيفية أكثر تعقيدا (…) إحالة على العطاء والهبة”[iii]،  إذ نتحدث عن donner (وهب /أعطى) وpar-donner -أي أصفح عن- (بالعطاء، بالهبة / par=بـِـــــــ)… أي أن هذا المصطلح يرتبط مع الهبة في الصفات، إذ أنه مطلق ولامشروط، ولا يتطلب إعلان التوبة وبدون مقابل. إلا أن الصفح لا يتم ولا يمكن ذلك إلا في ارتباطه ب”ما لا يتقادم”  imprescriptible، أي بما لا يقبل التقادم، أي ما لا يقبل النسيان، ما يبقى في الذاكرة… ذاكرة الأجيال القادمة بالتحديد. فحينما عمدت فرنسا إلى “طلب الصفح” عن جرائم الحرب أواخر فترة الاستعمار للأراضي الجزائرية، أنشأت لذلك نصبا تذكاريا في باريس، دشنه رئيس البلدية وأقيم بالموازاة معرض يضم رسوما صحافية تدين “المجزرة”… لقد أنشأت إذن فرنسا نصبا تذكاريا أي أنها وشمت الذاكرة، وعلمتها. وجعلت للأجيال القادمة دليلا وعلامة لا تقبل النسيان، شاهدا عما “اقترفته” وأنه تم الصفح عنها.

إن الصفح إذن، رهين بما لا يتقادم، وما يظل موشوما في الذاكرة، وما لا ينسى inoubliable. وبالتالي فالصفح لا يمكنه أن يكون صفحا إلا أمام “ما لا يقبل الصفح” impardonnable، ما يستعصي على الصفح، وليس أمام شيء يستحق الصفح. فالقيام بالصفح في هذه الحالة -الأخيرة- يصير ناقصا لأني لا أقوم بشيء، لأن إمكانية الصفح الممكنة -قد لا تستوجب أي تدخل. إذ “لا يأخذ الصفح معناه (هذا إذا كان يجب أن يحتفظ بمعنى، وهو ما ليس مضمونا)، ولا يعثر على إمكانيته كصفح، إلا في الحالة التي يكون مستدعى للقيام باللا-ممكن (im-possible) ولصفح ما يقبل صفحه”[iv]. وبالتالي فالصفح الممكن هو الصفح على اللا-ممكن، المستحيل.

لهذا وجب مع جاك دريدا، التفرقة بين فعل الصفح (أن تصفح Pardonner) وفعل المصالحة Réconciliation -التي تشرف عليها مؤسسات رسمية- والتي تستدعي لقيامها وتمامها فعل “نسيان الماضي” وطيه وتجاوزه ومحوه، فالمصالحة تسعى إلى “إعادة الأمور إلى طبيعتها”، إلى نسيان ما حدث والتعافي منه، بينما الصفح فتحققه رهين بقاء الذاكرة، واستحضار الماضي، فمن أجل استقامة الصفح فلابد أن تبقى الذاكرة وأن تعمل وتشتغل. ما يجعل أمر الصفح يتجاوز التصور اللاهوتي (الديني) وحتى الجِنائي (القانوني)، فهو ليس قائما بين مذنب وإله، وليس بين مجرم وقاض، لكون ليس -أيضا- رهين بالزمن والتقادم والنسيان، بل إنه يظل قائما على طول التاريخ ليس باعتباره قائما على ما يقبل الصفح فحسب، بل على المستحيل الذي لا يقبل النسيان.

فكتاب جاك دريدا هذا، يأتي باعتباره مناقشة وقراءة فلسفية في كتابيْ “الصفح Le Pardon” (1967)، و”ما لا يقبل التقادم imprescriptible” (1986)، للفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكيليفتش، حيث “يبدو أن جانكيليفيتش، وعلى غرار كُثر، كحنّه آرندت مثلا، يفترض أن الصفح بِعَدِّه شيئاً إنسانياً هو دوما ملازم لإمكانية المعاقبة؛ لكنه طبعا غير ملازم للانتقام، الذي يعدّ شيئا آخراً غريباً عن الصفح، على حدّ قول آرندت، بل هو ملازم للمعاقبة”[v]. إذ يعلن جانكيليفتش في كتابيْه عن لا-إمكانية معاقبة المجرم بما يتناسب مع جريمته. وهنا يحيلنا هذا الفيلسوف إلى المحرقة النازية، فهذه “الجريمة” لا تتناسب وما هو إنساني، لكون متجاوزة لكل حدود الشر، وهو ما يُدرجها في ما يسميه ب”ما لا يقبل التكفير” inexpiable. فبالتالي فهو يدخل في باب ما لا يقبل التقادم، وبعكس دريدا فجانكيليفتش لا يربط هذا الأخير بالصفح، فهذا الفعل “الإنساني السامي” لا يستقيم وهذه الحالة، كما لا تستقيم المصالحة فيه. أي “لا يطاله الصفح”، ولا يقبل التجاوز. فـ”لا خلاص على الأرض، مادمنا نصفح على الجلادين”، كما صرخ الشاعر الفرنسي بول إيلوار… في مقابل هذه الصرخة تأتي صرخة أخرى نابعة من الألم والصفح، إنها صرخة نيلسون مانديلا: “نعم للصفح، لا للنسيان”، وفي التقابل بين هاتين الصرختين يقف جانكيليفتش ودريدا، بين قبول الصفح وعدم قبوله.

إن دريدا يجعل مفهوم الصفح لا يستقيم والنسيان بل العكس تلزمه ذاكرة مطلقة. فلا إمكانية للصفح إلا بتذكر الألم الحادث والذي يبتغي الصفح إزالته ومحوه. قد يكون الصفح مرتبطا بالمصالحة والعفو ولكن يجب -دائما- أن نتذكر، أي عدم النسيان. ويأتي الصفح بصفته عفوا مطلقا، غفرانا مطلقا، ولا-مشروطا وبلا مقابل. فالصفح لا يكون خالصا إذا عزم الإنسان إعادة الأمور إلى نصابها وطبيعتها، بل إنه لا يكون خالصا إلا باعتباره مستحيلا، ومحتاجا للذاكرة، بقدر ما نحن محتاجون -دائما- للتذكر، من حيث أننا مرتبطون بالماضي المشكل لهويتنا، كما يوضح تزفتان تودوروف.

وهكذا يبدو لنا بكيفية معينة، “أن طلب الصفح أو منحه، لا يمكن أن يكون إلا “فردا لفرد”، في وضعية وجها لوجه، إذا أمكنني القول، دون وساطة، بين ذلك الذي ارتكب الشر الذي لا يقبل التعويض عنه، والمستحيل التراجع عنه، وبين ذلك أو تلك التي خضعـ(ـت) له، والذي (والتي) يكون الوحيد القادر على فهمه، وعلى طلب الصفح، وعلى منحه أو رفضه”[vi]. فالصفح إذن هو قائم بين طرفين ويتأرجح بين المنح والرفض، بل إنه خاضع لهما، إلا أنه لا يحتاج وساطة ليتحقق.

يبدو مصطلح الصفح “مربكا للغة”، في كونه غير قابل للتحديد، ولا حدود له، ولا يمكن قياسه، ولا اعتدال له، فلا نهاية له[vii]. ولا حدّ له، على عكس الغفران في التمثل الديني الذي يرتبط بحدود لا يمكن تجاوزها، إنها “كبائر” لا مغفرة لها. لا يعيد ولا يربط دريدا -شأنه شأن إدغار موران- الصفح بأي وظيفة أخلاقية ونفعية، فإرجاعه إلى إحداها يفقده تميزه.

يميز دريدا بالتالي، بين الصفح والهبة والمغفرة والمصالحة، ويجعله “ساميا” من حيث ارتباطه بعدم الوساطة وعدم النسيان، وعدم طي الماضي، ولكونه غير مرتبط بغاية معينة ومحددة، كباقي المفاهيم الأخرى، فلا غاية للصفح، إنه يتحقق في غياب الغاية وفي كونه تحقيقا للمستحيل، لـ”ما لا يقبل الصفح”. ينقلنا جاك دريدا على طول صفحات كتابه، إلى الحفر عميقا، دونما توقف وبلا نهاية، في مفهوم الصفح الذي لا يستقيم إلا باعتباره “صفحا على ما يتعذر الصفح عنه”، وكونه ملتزما بالذاكرة واللانسيان. فهذا النص /الكتاب /المحاضرة، هو تمثل لتباعد بين مدرستين (تقليدين) مختلفتين، فدريدا يتخذ موقفا (توجها) مخالفا ومعاكسا لجانكيليفتش، الذي قدم تعريفا فلسفيا خالصا لتقليد يهودي-مسيحي -في الآن نفسه- للصفح. فهذا التباعد في النظر بين دريدا وجانكيليفتش، حول مفهوم الصفح، يمس مسألة أساسية، تتعلق ب”ما لا يقبل الصفح”. إلا أن دريدا في كتابه، وإن انتهج تفكيك مصطلح “الصفح”، فإنه لا يهدمه من أجل الحفر فيه وإيضاحه فحسب، بل ليعيد بناءه وصياغته وإيضاحه والكشف عنه. إنه بهذا يعيد بناء (يبني بالأحرى) مفهوما جديدا للصفح، وهو -هنا- يعانق أفكار بول ريكور من حيث ارتباطه بالذاكرة وبعدم طي الماضي، ويخالف جانكيليفتش في اعتباره الصفح مستحيلا لكون “الجريمة” التي يُطلب الصفح عنها، تتجاوز ما هو إنساني. بينما الصفح كالمفهوم إنساني، يشترك مع العقاب، كما أكدت حنه أرندت، محاولته “وضع حد لشيء، قد يستمر إلى ما لانهاية دون تدخل ما”. فما دام العقاب مستحيلا أمام الجريمة: (“ما ليس قابلا للتكفير inexpiable” و”ما يستحيل جبر ضرره irréparable” [جريمة المحرقة النازية في هذه الحالة])، فإن الصفح بالتالي مستحيل أمامها. إلا أن الصفح، عند دريدا هو ممكن، من حيث أن “حياة الإنسان مكرسة دائما للصفح (وبإفراط)”[viii] كهب


[i] جاك دريدا، الصفح، ما لا يقبل الصفح وما لا يتقادم، ترجمة عبد الرحيم نور الدين ومصطفى العارف، منشورات المتوسط 2018.

[ii] عبد الرحيم نور الدين ومصطفى العارف، عن تقديم الترجمة للكتاب المذكور، ص 5.

[iii] جاك دردا، الصفح، ص 19.

[iv] نفسه، ص 24 -ص 25.

[v] نفسه.، ص 36.

[vi] نفسه، ص 25 -ص 26.

[vii]  من حوار مع جاك دريدا، على صفحات جريدة: Le Monde des Débats, Décembre 1999.

[viii] جاك دريدا، الصفح، ص 75.

شاهد أيضاً

الفلسفة: سؤال موجَّه لما لا يتكلّم

يعلّمنا مرلو-بونتي كيف تأخذ الفلسفة انبثاقتها الصعبة من "لحم الحاضر أو ’’الثمّة’’( il y a) " الخام التي لا تستشير أحدا في أن تكون. ثمّة كائن. ثمّة عالم. ثمّة جسد. وعلينا أن نتحمّل السؤال عن معنى ذلك إلى النهاية دونما أيّة "أطروحة" نهائية حول كلّ ذلك، قد تمطّط كسل الروح في أفقنا. ذلك بأنّ "الفلسفة ليست قطيعة مع العالم" ، وعلى ذلك هي أيضا "ليست انطباقا معه" ، إنّها "لا تبحث إذا عن تحليل علاقتنا بالعالم وعن تفكيكها وكأنّها كانت قُدّت بالتجميع" . نحن لسنا جزء من أيّ شيء. بل "كائن هو بتمامه اظّهار" أو ضرب من "التبلّر" .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *