الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / ترجمة: هابرماس وموضوع النقاش – نمذجة معيارية للفرد / الجزء الثاني*

ترجمة: هابرماس وموضوع النقاش – نمذجة معيارية للفرد / الجزء الثاني*

بقلم: Laurent Jaffro

ترجمة: نور الدين البودلالي

نور الدين البودلالي

رابط الجزء الأول

إن المنظور التواصلي للمجتمع المثالي، المتوقع من خلال مجريات النقاش العادي، يوجه الاندماج الاجتماعي. و هابرماس في محاضرة له نشرت في كتابه فكر ما-بعد ميتافيزيقي (1988) أعلن: «إن الفرضية التي ترفع من شأن شكل من الحياة الشمولية، التي يمكن فيها لأيٍّ أن يتبنى وجهة نظر الآخرين وتعتمد على الاعتراف المتبادل بين الجميع، تجعل من الممكن للاندماج المجتمعي أن يكون فردانيا، كما تجعل الفردانية ممكنة طالما أنها تمثل الوجه الآخر للعالمية»([18]). فبدون استدعائي للمثول أمام «محكمة من أجل مجتمع لتواصل بلا حدود»([19])، ستبقى وحدة سيرة حياتي، وتحكُّمي في حياتي الخاصة وتحملي لمسؤولياتي مضمرة، غير معروفة وافتراضية. الاعتراف العلني هو وحده الذي يجعل ادعائي بالفردانية يتبلور. إن هابرماس لا يكرر هنا ببساطة ما هو شائع، الذي يفترض أن الرجوع إلى الذات يفترض تبني وجهة نظر الآخرين، و لا تصور المتفرج المحايد، الذي يحبذه كثيرا آدام سميث؛ إذ يجد في نظرية النقاش، ومن خلال متابعة أعمال ج. ه. ميد (العقل، الذات والمجتمع)، أساس تربيةٍ تجمع بين الاندماج الاجتماعي وبين تعزيز قدرة الفرد.

على أنه تجدر الإشارة، في المقام الأول، إلى أن مفهوما من هذا القبيل يختصر الفردانية في المسؤولية؛ وأنه، في المقام الثاني، ينكر بشكل أساسي كل حقيقة عن مسؤولية الذات في استقلال عن المسؤولية أمام الآخرين: «الإحالة على شكل من أشكال المجتمع المتوقع هي وحدها التي تسمح بالأخذ بجدية ببليوغرافية كل شخص كمبدأ من مبادئ التفرد، أي اعتبارها كأنها نتيجة لقراراته المسؤولة»([20]). الفردانية، هنا، ليست ذات أسرار، على الأقل لا سر يمكن اعتباره كمقاومة مرضية أو بقايا التزام الناس بمعايير التواصل. الانفصال ليس هو الذي يخلق الفردانية، بل هو الاجتماع. بطبيعة الحال لا يعطي هابرماس أي تقدير لعدم الإلتزامية لجون ستيوارت ميل الذي أكد على عدم اختزال المسؤولية والفردانية في المساءلة من طرف المجتمع وشجب بشكل مسبق الخلط المعاصر بين الاستقلال الذاتي والقدرة على التكيف. فهبرماس يرى أن الاستقلالية يقوم بإشاعتها بشكل واسع المجتمع.

Laurent Jaffro

حين كتب هابرماس، في كتابه من أخلاقيات النقاش، أن «مفهوم الاستقلال البينذاتي يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن التطور الحر لشخصية كل واحد على حدة يعتمد على تحقيق حرية جميع الأشخاص»([21])، يمكن للقارئ اعتقاد أنه وجد في هذه الصياغة نفحة كانطية –رغم ادعاء هابرماس أنه يعترض على كل فلسفة للوعي، بما فيها فلسفة كانط-، أي يمكنه فهم من «مفهوم البينذاتي للاستقلالية» أنه تكافؤ قدرة الأشخاص على تقرير مصيرهم، وكرامتهم المتكافئة و، بالتالي، احترامهم المتبادل. لا شيء من هذا صحيح. الواقع أن «الاستقلالية» تعني هنا ما يعنيه ضبط النفس و« البينذاتية» لا معنى آخر لها سوى ما هو «اجتماعي». فاستنادا على سيكولوجية النمو الأخلاقي لل. كولبيرغ، كتب هابرماس فيما بعد أن «الأخلاق الكونية التي لا تريد البقاء معلقة على حبل النوايا الحسنة قد تم إحالتها على بيئة مناسبة وفعالة من وجهة نظر التنشئة الاجتماعية. لقد تم توجيهها نحو نماذج من التنشئة الاجتماعية وعمليات تعليمية تعزز تطور ذاتية أعضاء من الأجيال الشابة، وتدفع بعمليات الفردانية لتجاوز حدود الهوية التقليدية المرتبطة دوما بأدوار اجتماعية محددة»([22]). «مفهوم البينذاتي للاستقلالية» يحيل على ما يعتبره علماء الاجتماع واقعة مميزة للمجتمعات المركبة: قيمة الفردانية، عمق عدم لُبسها وحركيتها، وضرورة ترابط تكوينها الذاتي و تكيفها.

ما ينتظره المجتمع المعاصر من الفرد هو تحقيق الاستقلالية: يبدو أن هذه الصيغة تصف، فقط، على غرار دوركهايم، واقعة اجتماعية جلية؛ بيد أن هذه الصيغة تشير أيضا إلى معنى الأخلاق، طالما أن المجتمع، من حيث بنيته التواصلية بالأساس، هو المكان الوحيد والحقيقي لاكتشاف المعيارية. إذن لا يتعلق الأمر فقط بوصف حقيقة الطريقة التي تعمل بها المجتمعات المختلفة والمركبة، بل أيضا بإيجاد حقيقة الأخلاق في طريقة العمل هذه: ف«التخلي عن التقاليد الجامدة [الخاصة بالمجموعات التقليدية]، التي يجعلها المجتمع إلزامية، يفرض على الفرد، من جهة، أن يتخذ قراراته الأخلاقية، ومن جهة أخرى، أن يحدد مع نفسه مشروعا حياتيا فرديا، مؤسس على تأويل أخلاقي»([23]).

يذكّر هابرماس، على خطى ج. ه. ميد، أن التمسك الوهمي بالعزلة ليس سوى أداة لهذه العملية الضخمة من التنشئة الاجتماعية التي تطبع العصر المعاصر. وإن أردت أن أقطع، على طريقة أبيقور أو روسو، مع الأعمال الاجتماعية، فستظل الحرية التي سأكتسبها مجردة و ستتناقض في جميع الأحوال مع مسعاي الأكيد لمحاكمة الآخرين. وعليه، فهابرماس لا يقتنع فقط بالتأكيد المتكرر على أن الذات يتم انتاجها اجتماعيا –مما يصعب انتقاده-، بل يعتقد، بطريقة يمكن اعتبارها على الأقل مبالغ فيها، أن المجتمع هو المكان الوحيد لتطوير ذات مسؤولة: « تعتمد الذات في التصور الأخلاقي للذات على اعتراف المستقبلين، وهذا، بقدر ما تتطور فقط كاستجابة لمتطلبات مواجهة بين نظيرين»([24]). وحينما استنكر هابرماس مغالاة فلسفات الوعي التي كانت تجهل كل ما يتعلق ببعد البينذاتي للفردانية، يبدو أنه خضع لإفراط معكوس متمثل في بناء البينذاتية، المحالة هي نفسها على الحوار، كمصدر حصري للتطور الأخلاقي.

لنأخذ مثال التفاهم مع الذات الذي قام بها روسو، في مراسلاته مع ماليشرب Malesherbes، وأكثر من ذلك في الاعترافات، حيث يشير هابرماس إلى ما أسماه في موضع آخر تناقضا أدائيا أو «توقعا معاكسا»؛ إذ يدعي أن روسو كان واضحا ويتحدث بصدق مع نفسه عن نفسه، وهو في الواقع يتوجه بالضرورة لحكم فضاء عمومي: ف«شكل الرسالة يوحي بوضوح إلى الطابع الخاص للمحتوى الذي تم إبلاغه، غير أن المطالبة بالالتزام بصدق جدري […] تتطلب جمهورا غير محدود.»([25]). إن التفاهم مع الذات هو دوما حوار اجتماعي. المجتمع، هنا، هو القيامة التي لا مفر منها لذاك الذي يفحص نفسه، والتي لا يهرب منها حاليا بمجرد ما يضع صياغة لشكل هذا الفحص. هذه الملاحظة تعمل على التخلُّق بشكل ملائم، لكونها تكرر الحجج القديمة لمناصري أخلاق محددة ومعاشرة طبيعية في مواجهة خصومهم الأبيقوريين. لهذا اعترض ابكتيتوس قائلا: «أيها الرجل، لِم تشغل نفسك بنا؟»، «لماذا تكتب كتبا ضخمة جدا؟»([26]). الرغبة في الاعتراف الجميع يثبت لوحده وجود إمكانية التعايش الجماعي وصلاحية معيار الاتصالية.

 عندها لا يمكن تصور الذاتونية سوى كعنصر تحكم؛ طرائقها اجتماعية بشكل عميق. وهابرماس حينما نسب لفيتجنشتاين، من أجل النقد، الأطروحة التي مؤداها أن اللعب يشكل نموذجا مقنعا للغة، أبرز، في كتابه علم الاجتماع ونظرية اللغة (1970-1971)، اقتناعه بتطابق ممارسة النقاش وتربية الشخصية. التواصل، بالنسبة للمتحاور، هو «عملية تكوينية» حقيقية:  إذ أن «نموذج اللعب يسعى إلى إخفاء واقعة أن شخصية المتحاور، المبنية في جميع نواحيها على الرموز، هي جزء من بنية التواصل اللغوي. فالذي يربط اللغة بالمتحاور هو مختلف وحميمي جدا مما يربط اللاعبون بلعبهم»([27]). وليست قواعد التواصل قواعد مسبقة متفق حولها، على المتحاورين اتباعها، بل هي توجد خارجهم. وعلى العكس من ذلك، «تخترق كل لغة البنية ذاتها لشخصية المتحاورين»([28]). في التلخيص الكبير الذي قام به سنة 1988، لن يكتفي هابرماس بقول أن الشخصية «مهيكلة من رموز»، بل يجعل «الأشخاص بنيات رمزية»، وذلك لأنه «من غير الممكن وصف المنظمات كما نصف الأشخاص إلا في نطاق كونهم أصبحوا اجتماعيين، أي كونهم قد اختُرقوا وتم بَنْينَتِهم من قبل مجموعات متماسكة من المعاني ذات الطابع الاجتماعي والثقافي»([29]). هناك إذن نوع من الحضور تواصلي حميمي لدى الفرد؛ أو، بشكل أكثر تشددا، التواصل هو الوسيط الحقيقي لعملية الذاتونية. وفي هذا يزعم هابرماس أنه وجد آثارا لتكوين الفرد من خلال الاعتراف بحرفية أفعال لغة «أطلب منك»، «أشرح لك»، ويأمل بذلك توضيح معنى البينذاتية بواسطة «دراسة منطق استخدام الضمائر»([30]).

سنفهم بشكل أفضل السبب الذي يجعل التصور الهابرماسي للفردانية يمنح مساحة صغيرة للانقسام والعزلة، وبكلمة واحدة للسر. حقا إن الأطروحة مغالية: «علينا الاعتراف أن الأفراد أنفسهم لم يكونوا ليصبحوا أفرادا قادرين على القول والفعل إلا بارتباط مع أفعال للاعتراف متبادل؛ إذ أن قدرتهم التواصلية، وبتعبير آخر قدرتهم على القول (والفعل)، هي وحدها التي تجعل منهم أفرادا.»([31]). صحيح أنه لا يمكننا إنكار أن تكوين الفرد له علاقة بالاعتراف. ولكن هل يمكن أن نستنتج من هذا أن القدرة التواصلية هي وحدها التي تُكوّن فردا حقيقيا؟ 

ليس القصد هو الحكم على النوايا حين نفترض أنه، إن اجتهد هابرماس كثيرا في تقديم التواصل كعملية حميمية لتكوين الفردانية، فلكي يتم حرمان فردانية الفرد من كل موقف خارجاني بالعلاقة مع العملية التواصلية. وحين يؤكد هابرماس أن جدية الذات والآخرين هي جزء من مستلزمات الوضع المثالي للتحدث وهو المتوقع من الوضع العادي([32])، فيبدو أنه يعترف بحذر بصعوبة التحكم في علاقة فرد مع أقواله الشخصية. إلا أن ملاحظات من أجل تأسيس أخلاق النقاش تبرز عام 1983 أن الأفراد لا يمكنهم أن يرفضوا لفترة طويلة تصورا تواصليا دون أن يصابوا بالجنون. إن اعتقدوا أنهم اختاروا أنشطة استراتيجية بحتة، أي موجهة للحصول على نتيجة وليس على توافق، فلن يصمدوا: ف«ليست لهم باستمرار القدرة على الخروج من سياقات النشاط الموجه للتفاهم المتبادلintercompréhension»([33]).

لا يتعلق الأمر فقط بمناصرة الطرح القائل أن وجودا، من حيث هو تصور، لا يمتلك قطعا أي نوع من الوفاق مع الآخرين هو وجود لن يكون قابلا للعيش بل و يكون أقرب إلى الجنون؛ وإنما باقتراح أن هذا يصدق مع وجود منظِّر، مثلا واحدا من الأبيقوريين الجدد، الذي يساند أن النشاط الانساني ليس موجها بالأساس نحو التفاهم التبادل وأنه سيشك في أهمية أخلاقيات النقاش نفسها. فالأحمق، هنا، هو أيضا ذاك المتشكك الذي يرفض المشاركة في مشروع نظري يقال أنه صادر بالضرورة عن ممارسة التواصل. ونظرية التواصل هي من نوع تلك النظريات التي لا تنزعج من اعتبار أن من لا يعترف بصلاحيتها هم، في الواقع، وبصريح العبارة ليسوا أفرادا. ولهذا السبب يجب على النظرية أن تتضمن جانبا سريريا وعلاجيا مهما ارتأى فاعلوها حكمةَ تركها في وضعية البرنامج([34]).

يعلن هابرماس عدم انخراطه في مشروع التأسيس النهائي أو بناء قاعدة لمعيار جد استثنائي super-norme. إذ ما الذي تعنيه الرغبة في جعل الأخلاق إلزامية؟ من المنطقي حقا القيام بمحاولة فهم المقصود من الواجبات. لكن لا ينبغي الركون إلى طرح مسألة الواجبات بشكل لا نهائي. هذا على الأقل ما تجب الإشارة إليه من بين التحفظات المتكررة المتعلقة بال«براغماتية المتعالية» لكارل أوتو آبل.

بالنسبة لهذا الأخير، ما هو المشكل بالضبط؟ يواجه آبل باستمرار السؤال: لماذا نكون متخلقين؟ ويعتقد استباق الاعتراضات بتمييزه بين معناه «الوجودي» ومعناه  «الميتا أخلاقي». بالنسبة للمعنى الوجودي، يمكن للسؤال، على سبيل المثال، أن يأخذ شكل: ما الفائدة أن تكون متخلقا، إذا كان العالم غير عادل والآلهة غائبة؟ آبل يرى أن الجواب على هذا السؤال يمكن أن تتكفل بتقديمه الميتافيزيقا أو الدين. السؤال الذي يمكن فهمه بالمعنى الميتا أخلاقي هو وحده الذي يعتزم ك.-أُ. آبل تقديم جواب عنه يماثل التأسيس للأخلاق المثلى. وهكذا كشفت أخلاقيات النقاش عن الأسباب التي تجعل الواحد متخلقا؛ هذه الأسباب هي داخلية في ممارسة التواصل نفسه.

هذا، وحتى إن تبلور للسؤال الميتا أخلاقي جواب بهذه الطريقة، فإن السؤال الوجودي، وكما يؤكد آبل، يبقى مفتوحا. في هذا الإطار ستكون أخلاقيات النقاش جد واعية بعدم إمكانية «أن نبرهن لإنسانٍ عن ما نقصده ب”النية الحسنة” باستخدام براهين والحجج، أي بإجباره بطريقة، إن صح التعبير، قطعية بنقل الفكرة المعرفية الكامنة في الواجب الأخلاقي إلى قرار طوعي للفعل»([35]). لن نحاكم هذه الصياغة على نيتها وهي التي تبدو نادمة على استحالة التحكم في اعتراف فرد بمعيار. ومع ذلك، فهذا الموقف الذي يبدو حذرا ومتواضعا لا يفي بوعده. فآبل يعلن بأنه من المستحيل دحض المتشككين الذين يشعرون بالاكتئاب جراء ما يشعر به العالم من خيبة أمل، وبالضبط هؤلاء الذين لا يرون أي إجابة صالحة على السؤال: لماذا نكون متخلقين؟ بالمعنى ال«وجودي». على العكس من ذلك علينا أن نكون متشددين إزاء المتشكك النظري الذي لن يبدو له، وهو منخرط في نقاش، أنه يفترض على الوجه الأحسن الإجابة الممكنة على السؤال: لماذا نكون متخلقين؟ بالمعنى «الميتا أخلاقي». لكن إن فحصنا عن قرب حجة ك.- أُ. آبل، سنجد أن تسامحه مع المتشكك ال«وجودي» غريب جدا: استحالة دحضه لا يعني سوى أن «مع حجج عقلانية، كملاذ وحيد، لا يمكن منعه، مثلا، من رفض النقاش العقلاني أو، بطبيعة الحال، من الانتحار لعيشه حالة يأس يسببه العبث»([36]). مرة أخرى، حرية من لا يختار النقاش تتمثل في اللجوء إلى المخرج الوحيد، المؤلم، الموجود تحت تصرفه.

بالنسبة لآبل يمكن لإنسانٍ أن «يتموقف ضد الكائن الأخلاقي»، وفي هذه الحالة لن يصبح فردا، طالما أن الذاتوية لن تتطور ولن يكون لها وجود خارج المشاركة في الفعل التواصلي. قرار كهذا يبقى ممكنا فقط بالمعنى الذي يكون فيه باثولوجيا. وفي مواجهة ال«نتشوية» المعاصرة، ونقصد بالتحديد فوكو، لا يكف آبل عن ترديد الحجة التي تدعو إلى التخلق التي ازدهرت انتقادات هوبز الأرثودوكسية: فإن قال لنا هذا أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان وأنكر وجود تنشئة اجتماعية طبيعية، فهو، بقوله هذا يبرهن لقرائه أنه بنفسه ليس ذئبا. هذا المجال العمومي، المعتاد في الجدال المناهض لتيار هوبز أو التيار أبيقوري للقرن الثامن عشر([37])، لم يتطور: «يمكن الإشارة كذلك إلى التجارب المختلقة، ذات الطابع اللاأخلاقي أو العدمي، التي يقودها بعض المثقفين في العالم الاجتماعي المعيش، والتي لا يمكنها إلا أن تصطدم بمحدودية التأثير المحتمل مادام التواصل والتفاعل الاجتماعي المتبادل يفترض احترام معايير أخلاقية ليتفادى الانهيار»([38]).

خاتمة

إنه من غير المؤكد بالنسبة لهذه النقطة، وعلى بالرغم من التحفظات المعلنة، أن يكون موقف هابرماس في الأخلاق والتواصل مختلفا اختلافا جوهريا عن مثيله لدى كارل أوتو آبل. فالأول والثاني يؤكدان بالفعل أن الفرد من وجهة نظر وجودية ليس مضطرا إلى الفعل التواصلي وللاعتراف بمعاييره. إلا أن هذا التأكيد يتم دوما تبيانه، قليلا أو كثيرا، في سلم التنازلات. والتنازل، على الخصوص، ضعيف جدا، إن لم نقل منعدما، يتم فقط حين توقع حالة مرضية شديدة أو موت إرادي. صحيح أن فردا يمكنه، من جهة، رفض المشاركة في الفعل التواصلي؛ لكن هذا يتضمن، من جهة أخرى، أن الواحد لا يصبح فردا بشكل فعلي إلا من خلال هذه المشاركة.

وهكذا يظل شيئا ما عالقا في عمل هابرماس خلال البحث عن أساس جوهري و، إن لم يكن معيار أسمى super-norme، على الأقل معيارية أسمى super-normativité، أي أقوى الأسباب التي تجعل الفرد يتعرف على المعيار ويتكيف مع القواعد الاجتماعية. هذا السبب القوي يمتزج مع نمط وجود الفرد. يقال لنا، حين الحديث عن الفرد، أن عدم الاعتراف بصلاحية معايير التواصل هو أمر غير عقلاني، ولا سوي، ولا طبيعي. الحقيقة أنهم يريدون القول لنا، بشكل أكثر تحديدا، أن يكون الفرد فردا عاديا فذاك يتوقف على هذا الاعتراف. وهكذا نظل مرتبطين بالبحث عن الأساس الجوهري للأخلاق. صحيح أنه لا يتم البحث عنه في صورة «معيار أسمى»، أي البحث عن التزامٍ يجعل كل الالتزامات ضرورية ويصبح تأسيسيا للأخلاق. ثم إننا نتعقب الأساس النهائي في صورة علاقة حميمية تجمع بين الفرد والمعايير التواصلية. الاعتراف بها يعتبر في الواقع تأسيس للفرد.

حينما لاحظ ستيفان هابر عن حق أن طريقة هابرماس «تسعى إلى تجنب الإحالة، التقليدية في فلسفة الأخلاق، إلى الوعي، إلى حكم الوعي، والاعتماد على التشكيلات البينذاتية»([39])، بات من الضروري دون شك التأكيد على أن هذه الإحالة الأحادية الجانب للبينذاتية، في شكلها الحصري المتمثل في المحاورة، لا تقود حقيقة نظرية النقاش إلى عدم الاكتراث بما يقع في «داخل الوعي». فكما رأينا، ليس الحوار وحده الذي خضع للتعيِير، بل البينذاتية أيضا. إذ بالنسبة لهابرماس وآبل الحب، والبوح، والامتنان، والنزاهة، الروح الرياضية، والصراحة وغيرها ليسوا فضائل تشهد عليها، بطبيعة الحال، أعمالنا، بل هي المزايا الأساسية للفرد العادي. إنها ضرورية بالنسبة له بقدر ما يصبح معرضا للتدمير إن هو فقدها. والغريب أن تيارا يدعي تعويض نموذج التحاور بتيار التخاطب الذاتي لفلسفات الوعي لم يتخل عن التحقيق في القلوب.           


*   مقال مأخوذ من : https://www.cairn.info/revue-cites-2001-1-page-71.htm

[18]  —الفكر الما-بعد ميتافيزيقي (1988)، ترجمة ر. روشليتز، باريس، أرمون كولان، 1993، ص.226. نشير إليه من الآن ب PPM.

[19]  – Ibid.

[20]  – Ibid.

 [21] – ED, p. 28

[22]  – ED, p. 44

[23]  – PPM, p. 223

[24]  – PPM, p. 209

[25]  – PPM, p. 205

[26]  – حوارات،II، 20، 9

[27]  – علم الاجتماع ونظرية اللغة (محاضرات سنوات 1970-1971، نسخة ألمانية سنة 1984)، ترجمة ر. روشليتز، باريس، أرمون كولان، 1995، ص. 70. يشار إليه من الآن ب STL.

[28]  – Ibid

[29]  – PPM, p. 101

[30]  – STL, p. 74

[31]  – STL, p. 73

[32]  – STL, p. 117

[33]  – MC, p. 124

[34]  – انظر كارل أوتو آبل، الأخلاق في عصر العلم، ترجمة ر. لولوش و إ. ميتمان، منشورات جامعية للِيل، 1987، ص 136-137؛ والاعتبارات الأقل صراحة لهابرماس فيما يخص «علم أمراض أشكال الحياة»، ED, p. 4547. 

[35]  – نقاش ومسؤولية، المجلد الثاني، ترجمة ك. بوشيندهوم و ر. روشليتز، باريس، سيرف، 1998، ص. 117

[36]  – Ibid

[37]  – نجده، مثلا، في فوفينارغ Vauvenargues. أسمح لنفسي بالإحالة إلى « Le lieu commun de la prolepse » ضمن  Vauvenargues. فلسفة القوة النشطة، تحت إشراف ج. داجن و ل. بوف، باريس، هونوريه شامبيون، 2000.

[38]  – Discussion et responsabilité, vol. II, op. cit., p. 123

[39]  – هابرماس والسوسيولوجية، باريس، المطبوعات الجامعية الفرنسية، 1998، صص. 103-104

———————————————————–

كل ملاحظاتكم حول الترجمة مرحب بها على  fiqreduca@gmail.com

شاهد أيضاً

الفلسفة كوصفة طبية

صدر مؤخرا للمفكر المغربي، سعيد ناشيد، عن دار التنوير، كتاب جديد اختار له كعنوان معبر "التداوي بالفلسفة". ودعنا من تلك التأويلات الكسولة التي جعلت من هذا العنوان منفذا إلى إضفاء صبغة سحرية-دينية على الكتاب، عن طريق التقريب بين "التداوي بالفلسفة" وما يعرف ب "التداوي بالاعشاب"، وإن كان الكاتب قد تعمد هذه التسمية، في إشارة إلى الدور العلاجي وحتى الخلاصي الذي قد تلعبه الفلسفة، في زمن انهيار كل السرديات الكبرى، الدينية منها والأرضية : مملكة الرب، انتصار البلوريتاريا...ولا ننسى أن كبار الفلاسفة الملاحدة في تاريخ الفلسفة، كانوا قد تعمدوا هذا التقريب، دون أن يُنظر إلى أعمالهم على أنها تبشير، أو دعوة إلى دين ما. ونيتشه الذي كتب أعظم كتاب نسف فيه العقلية الدينية، جعل له كشخصية رئيسية رسولا يوزع الحكم كما يفعل الأنبياء عادة، لكنها حكم تدعو إلى تقديس الأرض لا السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *