الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / الإنسان بين الراهن ونــوســـتالجيا الـــماضي

الإنسان بين الراهن ونــوســـتالجيا الـــماضي

عبد الرفيق بالخاش – طالب باحث في السوسيولوجيا


     لاشك أن التمزق الذي عرفه نمط عيش الإنسان الراهن، من تشتت في القيم وأفول بعض التقاليد و العادات والأعراف وضعف التضامن الاجتماعي بين الأفراد، يرجع بالأساس إلى ما يمكن أن نسميه مع مدرسة شيكاغو “بالمدينة والتحضر”؛ فالمدينة ظاهرة اجتماعية ساهمت في تغير مجرى حياة الإنسان انطلاقا من الضروريات التي تفرضها عليه وكذا من خلال آلية “الاندماج”. فالتحاق الفرد بالمدينة يقتضي منه بالضرورة التخلي عن بعض عاداته وتقاليده وحتى أساليب عيشه التي كانت لا تفارقه داخل جماعته (قريته) في أفق تحقيق ما اصطلحنا عليه أنفا “بالاندماج” داخل الفضاء المديني، وبالتالي تحقيق أسلوب حياة مغاير يمكن أن نطلق عليه مفهوم “التحضر”.

       ومن البديهي أن الإنسان ما قبل المديني، إن صح التعبير، كان يعيش نوعا من الانسجام مع جماعته وهو ما نتج عنه تضامن وتماسك اجتماعي يمكن تفسيره بالتركيز على عدة نقط أبرزها ضعف حجم الجماعة، أهمية القرابة وحدة الانتماء العرقي، وتقاسم العادات والتقاليد… وفي المقابل نجد عكس ذلك في المدينة التي تدجن الإنسان وتحوله إلى آلة لواقع افتراضي وجسد مثخن بجراحات التقنية والعولمة…

     إن الإشكال الحقيقي الذي يلازم الفضاء الجديد/المدينة – في اعتقادنا الشخصي- ليس هو الاندماج بقدر ما هو مدى قدرة الفرد النازح على التخلي عن نمط عيشه القديم، فتلك البقايا المهترئة من التقاليد والعادات المترسخة في ذهن النازح تشكل لثقافة اخرى جديدة يختلط فيها البدوي بالحضري، إنها ثقافة حضرية في الشكل وتقليدية في الكُنه. أي إنتاج إنسان يعيش في الحاضر جسدا ويفكر بالماضي عقلا… وهنا يمكن أن نسلط الضوء على النوستالجيا بما هي حنين وشوق للماضي الجميل، الماضي الذي نتمجد به كلما سنحت لنا الفرصة بذلك و بين أيدينا أحدث أنواع التقنية !! إنها ازدواجية عقل المتمدن؛ يحب الماضي افتراضيا وينبذه واقعيا…

      وخير ما نختم به هو ما قاله بيرتراند راسل “السعادة ليست هروبا من الواقع ومآسيه إنما التحرر من تأثيره فينا وسيطرته علينا…. والسعادة هي في الحياة الواقعية لأن الإفراط في التفكير بمستقبلنا يهدم لذة الاستمتاع بحاضرنا”.

شاهد أيضاً

يا صباحاً

بقلم يونس عاشور أقبلت بالنّسماتِ تبتهجُ… وفي ثناياكَ بُشرى للنّفس تمتزجُ… برحيق عطرك الفوّاح   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *