الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / وحدة الوجود بين الوهم والحقيقة

وحدة الوجود بين الوهم والحقيقة

علي محمد اليوسف

تعريف اولي

يذهب والتر ستيبس وهو فيلسوف يعنى بالتصوف في كتابه الذي نناقش بعض أفكاره (التصوف والفلسفة) تقديم وترجمة امام عبد الفتاح امام الى ان : المشكلة الأساسية في وحدة الوجود الصوفي  تتصل بالعلاقة بين الله والعالم من حيث الهوية والاختلاف , هل الله والعالم متحدان في هويه واحدة ؟ ام انهما متمايزان تماما ؟ (1).

كما يذهب له الادراك والتفكيرالذهني العقلي واللاهوت الديني في مختلف الديانات السماوية وعديد من الديانات الأخرى من الذين لا يؤمنون بوحدة الوجود ويعتبرون ان الله والعالم متمايزان ومختلفان بالكينونة والماهية والهوية والكيفية والصفات ولا علاقة اتحاد بينهما تحصل في أي شكل من أشكال الترابط او الحلول الصوفي بينهما.*وبهذا الصدد نضع عبارة لايبينتز(ان الله موجود بموجب ماهيته, وماهيته ووجوده شيء واحد فيه لا فرق بينهما).وهي عبارة تفترض الوجود والماهية الالهية ادراكا ميتافيزيقيا تخييليا غير متحقق, لذا اعتبر لايبنتز وجود الله غير المتحقق ميتافيزيقيا هو وجود متحقق ماهويا في صفاته المستمدة من علاقة الانسان بالطبيعة.

اسبينوزا ووحدة الوجود

ولا بد من المرور برأي اسبينوزا صاحب مذهب وحدة الوجود الكلاسيكي الذي قال به فلسفيا ان الله شأنه شان جميع الظواهر الطبيعية والموجودات يتكون من جوهر وصفات موزعة على جميع الكائنات الحية والطبيعة والانسان والكوني, لذا نجده يتحدث عن الله والطبيعة او العالم والكون انهم جميعا مترادفات لمدلول ومعنى واحد, ولا يمكن الفصل بينها من حيث انها جميعا تعني دلالة واحدة,هي ان الله موجود في كل شيء,وكل شيء موجود يعني وجوده هو, ولا تفريق كيفي هوّياتي ماهوي مختلف متمايز ذاتيا من أي نوع بينهم. (كما لا يسلّم اسبينوزا باي وجود خالص خارج الطبيعة). ( 2) لا وجود مادي ولا وجود ميتافيزيقي خيالي.

اي لا وجود الله خارج صفاته التي يمكن ادراكها في علاقة الانسان بالطبيعة وفي وجود الاشياء في العالم الخارجي.اوالتي يتعذر علينا ادراكها ومعرفتنا بها كقيم واخلاق وتديّن طقوسي بل نستمدها من الطبيعة الوجدانية الانسانية.بمعنى ان اسبينوزا لا يقر بوجود الخالق خارج مجال الصفات المدركة المستمدة من الطبيعة او من الكوني المدرك غير الميتافيزيقي الذي في غالبيته يمثّل تخييل انساني في تفسير الطبيعة والوجود بما يرغبه الانسان تحقيقا لاحتياجاته.

كما يذهب دارسو اسبينوزا الى ان فكرة وحدة الوجود عنده لا تقوم على منطق فلسفي ذهني ولا على حجّة عقلية بل تقوم على فكرة ايمانية صوفية تماما.

بمعنى اكثر وضوحا ان الله وجوده ملحوظ في توزّع صفاته على الطبيعة والانسان والكوني وما عدا ذلك فلا وجود الهي خارج هذه العوالم يمكننا ادراكه خارج صفاته بها اوخلقه لها التي نحيا بها ومعها في تلازم وحدة الوجود,بين الانسان والطبيعة.

ومن الملاحظ ان فيورباخ ذهب نفس المذهب الاسبينوزي في تأصيله نشأة الدين في علاقة الانسان بالطبيعة وتخليق الخيال الانساني لما يرغبه في الهه المصنوع من صفات تلبي نوازعه وتبعث الطمانينة في نفسه وتهديء من روعه وخوفه وقلقه, ولا وجود من أي نوع من المقدس الالهي عابر لهذه الحقيقة في مقولة فيورباخ (أن عبادة الله تعتمد فقط على عبادة الانسان لنفسه).كتاب اصل الدين لفيورباخ.

من الواضح أن اسبينوزا في فهمه وحدة الوجود يتأرجح بين الالحاد غير المعلن صراحة , وبين الايمان الذي تعجزه الحيلة البرهنة عليه وتصديقه , فهو يطرح مسألة وحدة الوجود بتلاعب لغوي فلسفي نجده نحن أن (سبينوزا) يفترض ان الطبيعة ومعها الانسان تلتقي ب (الله) بالصفات لا بالجوهر او الماهية, وانهما الله والطبيعة كلاهما وجودان بصفات غير اختلافية في ظاهرياتها التجريدية, لكنما الطبيعة والاله وجودان متمايزان بالكيفية والماهية خاصة مع الانسان الذي هو جزء من الطبيعة التي يتمايز عنها بالصفات والكيفية والماهية ايضا.

ان الطبيعة غير الحية التي لا يتداخل الانسان معها بوجوده الجزء الحي منها لا تدرك وجود اله خالق لها متمايز عنها في الوجود والكيفية الماهوية. ,

وهذا الجوهر الالهي أساسا ليس مفتقدا بالنسبة لظواهر الطبيعة كظواهر وماهيات لا حصر لها, لكنه مفتقد ان يكون (الله) كينونة ماهوية مستقلة في وجود افتراضي بذاته  أي نومين ميتافيزيقي , فالله بلا ماهية ولا جوهر يحتويهما وجوده الميتافيزيقي , ولا يمكن ادراكها و معرفتها لذا فهو غير متعيّن خارج صفاته اللانهائية بالطبيعة., وبذلك يتعزز القبول بمذهب وحدة الوجود (صوفيا) فقط, وجود غير معقلن لا ماديا ولا ميتافيزيقيا كذلك لا علميا ولا فلسفيا ايضا.

وانما يعرف جوهر الخالق في مجموع صفاته المادية والمتخيلة في الطبيعة, وهي صفات لاهوتية ايمانية تجريدية تتلى في ممارسة طقوس الصلاة والعبادة فقط , كالرحمة ,والقوة, والخير,والمحبة, والعذاب, والعفو,والعظمة, والمقدرة, والرزق وهكذا, وهذه غير صفاته المدركة حسّيا وعقليا وقوانينها المستمدة من الطبيعة في كل ما هو خير يتطلع الانسان الاقتداء به, صفات لاهوتية اصلها الطبيعة يقرّها الايمان الغيبي و لا يقرّ بها العقل والعلم في تجريبيته.

ومحاولة اسبينوزا الربط بين الله والطبيعة والوجود الكوني بالجوهر وصفاته, يؤكد لدينا نحن غير المتصوفة فقط ان صفات الله الالهية بلا ماهية ولا جوهر, فهو أي (الله) ليس ذاتا ولا موضوعا يمكن وعي وادراك ماهيته و صفاته غير المذكورة صفاته في اللاهوت الديني المستمدة جميعها من الطبيعة والصفات الخيرّة كما يتمناها الانسان, بل هو – اي الله – ممكن ان تكون بعض صفاته ادراكية في الطبيعة والكوني فقط لا غير, ومعدومة في كل مجالات التعرف او التعريف بها خارج الطبيعة الحسية والادراك العقلي او اللاشعوري التخيّلي, ولكل شخص تفسيره لهذه الصفات وايمانه بها, بخلاف ان الطبيعة ظواهرها في اغلبها هي جواهروظواهر متلازمين معا تحكمها قوانين الطبيعة المدركة منها وغير المدركة إنسانيا في فضائي الزمان والمكان المحكوم بهما الانسان والطبيعة  , بخلاف ان الله بلا ماهية ولا جوهر يحتويهما وجود مستقل لا يمكن للإنسان ادراكها كما في استحالة ادراك وجوده.

فالله مدرك وجودا ميتافيزيقيا ايمانيا غيبيا بصفاته وليس مدركا بماهيته العصّية على المعرفة والادراك الحسي والذهني ,ماعدا ان تكون مجمل صفاته تمثل جوهره, سواء اكانت تلك الصفات مدركة ايمانيا وتصوفيا ام غير مدركة لنا ميتافيزيقيا.

من المعاد القول اننا اشرنا سابقا ان فيورباخ يلتقي بهذا الفهم الاسبينوزي في كتابيه, اصل الدين , وجوهرالدين المسيحية في تلخيص رأيه ان الانسان والطبيعة والخالق هي تمثل بمجموعها كينونة واحدة تعبّر عن نفسها ان الانسان في علاقته بالاله والطبيعة انما هي تجسيد ان الانسان يعبد ذاته من خلال وعيه الطبيعة وتخليقه الهه المقدس في صفاته المتخيلة انسانيا  و بوجوده الميتافيزيقي.

الصفات الطبيعية في صوفية الاوبنشاد

وحدة الوجود التي تعتمدها الاوبنشاد اقدم الطرق الصوفية 1500ق.م, التي يطلبها صوفية الهندوسية والبوذية في اقتفائهما تعاليم المعبود براهمان و بوذا, هي من منطلق اسباغ قدسية الصفات الطبيعية على المعبود الارضي عندهم, ولا وجود لحياة أخرى فيها حساب وثواب ورب يعاقب ويثيب بخلاف اديان الوحي التوحيدية, ويبدو ان هذا التعبير قريب من فهمنا لمقولة اسبينوزا بانه لا وجود لخالق فوق مدركات صفاته الأرضية والكونية والطبيعية له التي ندركها. ,

ولنقرأ هذه الابيات الشعرية للاوبنشاد:

انت النار والشمس والهواء/ وانت القمر/وانت الفلك المرصّع بالنجوم/ انت براهمان الأعلى /انت المياه/ (انت خالق كل شيء)/ انت الشاب والصّبية والشيخ الذي يتوكأ على عصاه/ فثم وجهك في كل مكان/ انت الفراشة السوداء/ انت الببغاء ذو العينين الحمراوتين/ انت السحاب وانت الفصول وانت البحار/(انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) . (3)

من الواضح جدا ان وصف الاوبنشاد الصوفي هو وصف حسي ادراكي عقلي لظواهر الطبيعة والكون وخلعها على معبودهم في استنساخهم فلسفة فيورباخ الصوفية, وهو توصيف لاهوتي مشترك في غالبية الأديان التوحيدية وفي العديد من الاديان غير التوحيدية. , ولا يوجد بهذه الصفات التعبدية الايمانية خرق لقوانين الطبيعة على شكل معجزات ايمانية مجردة الا في عبارتين (انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) و(انت خالق كل شيء) اللتان هما كسروخرق لقوانين الطبيعة التي تحكم قدرات البشرالادراكية حسّيا وعقليا في اللانهائي زمانا ومكانا, وبهذا الفارق الاعجازي نكون نحن بشرعلى الارض, ويكون الله الها يعبد وجوده في السماء .

هذا الإحساس الصوفي والتعلّق بالصفات الطبيعية المنسوبة للخالق على انها صفات خارقة لقوانين الطبيعة هي في حقيقتها الارضية ليست كذلك في القداسة المسبغة عليها, ولا تنسجم مع القول: (براهما انت خالق كل شيء), وفي هذا لا نجد ميزة قدسية تنفرد بها صوفية براهما عن باقي الأديان التوحيدية التي لا تجمع بين ان تكون الطبيعة بصفاتها هي الخالق لاله الانسان,في نفس وقت ان تكون هي مخلوقة أيضا, كما تدعي الاوبنشاد انها مخلوقة من خالق أسبق عليها بمعنى (ان الكون خالق للكون)(4) ذاتيا ولنفسه فقط, ولا سبب او شيء يسبقه علة او محركا وجودا.

والطبيعة حسب الاوبنشاد مخلوقة بصفاتها من قبل خالق هو في حقيقته عدم وخواء وامتلاء في وقت واحد, صاحب الصفات في الطبيعة واللاهوت الديني , والخالق غير المدرك للبشر لا في ماهيته ولا في صوره وتجليّاته وهو ما ينطبق على الفهم الديني واللاهوتي في مختلف الأديان التوحيدية في عجزها العقلي اثبات وجود الخالق او في اثبات عدم وجوده أيضا. ولا في امكانية الاستدلال على صفاته غير الأرضية او الكونية التي يدّعي الصوفية الاتحاد بها في العرفان والاشراق في مدارج الحال الصوفية.

شيء عن صوفية zen البوذية

نبدأ بالتساؤل الازلي والاشكالية المتقادمة زمنيا في مختلف العصور ومختلف الأديان هي كيف يمكن لما لا يمكن ان يقال عنه انه موجود او موضوعي, ان يكون علّة أولى لكل ما هو موجود, وموجود وخالق من عدم او لاشيء ؟ (5)

من العبث اللامجدي ان نتدخل في حل إشكالية دينية ميتافيزيقية وفك رموز شفرة ليست عصيّة على الصوفية وحسب , وانما عصّية في محاولة سحبها على جميع الاديان في إشكالية اشبعت اجتهادا دونما نتيجة منذ وعي الانسان تخليقه معبوده منذ بدء الخليقة, وهي كيف يكون الخالق علة بلا معلول , صانع وخالق ومحرك كل شيء ولا يتحرك,وجوده من غير وجود او عدم سابق عليه لا قبله ولا بعده؟ وهكذا ندخل في دوامة من التجاذبات الميتافيزيقية واللاهوتية التي لا نهاية لها, في ادراك المسار الازلي لخلق العالم من عدم ومن وجود الهي لا تسبقه علة ولا حركة ولا سبب ولا تعقبه ايضا.

من الخطأ الاعتقاد ان يكون ما ذكرناه حجّة كافية لاصحاب الاشراق الصوفي والاتحادي على انها إمكانية حقيقية ومتاح لهم تحقيقها, وانها وان كانت لا تمتلك الاقناع العقلي بها لكنها كافية لديهم للتعايش مع إشكالية الأصل في عدم إمكانية تفسير الخالق بانه علة بلا معلول , وأنه وجود ازلي سرمدي واجب بالضرورة والحاجة البشرية له  في تنظيم حياة الناس وسلوكهم الاخلاقي .

فلماذا لا تكون التجربة الصوفية صادقة ايمانيا بزعمهم انها تعبير عن هذه الإشكالية العصّية على التفسير بمنطق او منهج فلسفي او لاهوت ديني يلتقي باشكالية الميتافيزيقا واختلافات التفسير اللاهوتي المتنوعة.؟ التي لا تمتلك لحد الآن حلولا مقبولة, لذا لا  يكون منطقيا انكار ماتدعيه الصوفية , وهي  جزء من اشكالية اكبر منها مستدامة وسابقة عليها ممثلة في اصل الدين وعجز التفسيرات الفلسفية والمعرفية الوصول الى قناعات يقينية بشأنها.

بمعنى ان القضايا الميتافيزيقية والدينية اللاهوتية التي ليس لها حل, هي نفسها الايمان الغيبي في قضايا الصوفية كيقينيات لا تمتلك برهان صحتها ولا نفيها, ولكن يوجد من يؤمن بها ويدعو لها ويزيدها ارباكا وغموضا.

ان ما يجعل الشك وعدم الترجيح والتسليم في ان تكون التجربة الصوفية حقيقة وليست ذهانات خيالية اغترابية تغذيها الجوانب النفسية اللاشعورية الوجدانية التي يخلعها المتصوف على الخالق المتصورالمعشوق , ويرتد فيها وعليها في وعيه وفي تأكيد ذاتيته الاضطرابية مستعينا بنفس المعيار الاشكالي غير المحسوم في غالبية الإشكاليات اللاهوتية الدينية والفلسفية في معالجتها قضايا الميتافيزيقا التي يدخل ضمنها الدين و الصوفية من دون حل مرضي ونتيجة مقبولة.

ترى البوذية التصوفية زن zen ردا على إشكالية عدم وجود المتعين وجودا بنفس معيارية عجزالعقل البشري في ادراك أي نوع من أنواع الصفات الإلهية او إمكانية الاتحاد بها في تجربة المتصوف في غير مجال الطبيعة والانسان والكوني, وهي وجهة نظر لا تبتعد كثيرا عن الدوران حول مركزية الإشكالية اللاهوتية في غالبية الأديان التي تجمع على ان وجود الله هو في تجلياته الطبيعية وصفاته المدركة عقليا وعاطفيا التي يتساوى في ادراكها المتصوف وغير المتصوف الديني ميتافيزيقيا وماديا, وعليه لا تطرح البوذية معالجات جديدة يمكن الاعتداد والتسليم بمقبوليتها فتقول (طالما ان النرفانا هي الحقيقة النهائية التي هي بغير تمايز ولا اختلاف او ثنائيات ,وانه لا توجد تفرقة في الحقيقة النهائية بين النرفانا واللانرفانا,بين الحقيقة واللاحقيقة وبين التعاليم واللاتعاليم, لذا يعلن بوذا ان الوجود واللاوجود ينبغي رفضهما معا, لا على انه وجود ولا على انه لا وجود او عدم ).ص 253 من المصدر كتاب والتر ستيبس(الفلسفة الصوفية) .

بضوء ما ذكرناه آنفا انه لمن المهم ان نعيد للذهن عدم إمكانية المتصوف تجاوز ذاتيته الصوفية التعبدية التي تعني التشتت واللانظام والكثرة بصفات لا (انسية) او لا بشرية تصوفيّة امام الواحدية الكلية الإلهية التي هي غير ذاتية ولا موضوعية, كي يستطيع الصوفي تنظيم وبرمجة مدركاته الحسية والتخييلية في امكانية الاتحاد الصوفي بها,فالواحدية الالهية هي اللامتعين اللانهائي غير المحدود زمانا ومكانا, واللامختلف في واحديته ولا هوية تميزّه يمكن ادراكها بأي وسيلة  تصورية ادراكية بشرية , فهو الخالق بذاته (نومين) وليس من اجل ذاته بعلاقته بالآخر فهو ليس بحاجة الى غيره وبعيد عن امكانية التشيؤ بأي معنى او مظهرحسيا اوتخييليا امام من يرغب ذلك من مريدي الاتحاد به من اصحاب الصوفية .

كل هذه العلاقة غير السوية وغير المتكافئة بادنى شروط المعيارية المقارنة بين الله والانسان, انما تجعل المتصوف يسلك طريقا خاطئا, ولا يعود بحصيلة لتجربته يمكن الوثوق بها والتيّقن منها, لا كتجربة خارج ادراك الشخص غير المتصوف, ولا  كتجربة ذاتية تمتلك اقل الإمكانات الادراكية او المقومات غير المنظورة في إمكانية كسر قوانين الطبيعة الشغّالة في حيّزي الزمان والمكان ان جاز التعبيروتحقيق الاتحاد بالله صوفيا.

حتى عندما يعجزالمتصوفون التعبير عن تجربتهم الصوفية لغويا,فهم يعزون ذلك العجز الى ادعائهم ان اللغة كيان محدود بمدركات الطبيعة ومفهوم الزمان والمكان الأرضي فقط, ولا يمكنهم توظيف اللغة المحدودة الصوفية للتعبير والاحاطة بكيان لا متناهي ولا محدود ولا متعيّن بصفات يتسنى للبشر ادراكها او معرفة ماهيتها.

بل يذهب بعض المتصوفة ابعد من ذلك, في ان نقل التجربة الصوفية لغويا للاخرين انما هو تخريب في ان لا يبقى للتجربة الصوفية أيّة مصداقية,من خلال انها تجربة بين ذاتيتين اثنتين وكينونتين لا واسطة تدخل بينهما.لذا نجد اعدام اللغة تصوفيا عمل مقصود لذاته وليس عجزا في استعصاء لغة التعبير توصيف التجربة الصوفية بعد الانتهاء منها ومحاولة تذكّرها.

وحدة الوجود في المسيحية

يطرح والتر ستيبس إشكالية وحدة الوجود في الأديان السماوية التوحيدية بالتساؤل التالي:(ما الذي يحدث في لحظة الاتحاد الصوفي مع الله؟ هل تصبح روح الصوفي ببساطة متحدة بالله؟ ام تبقى وجودا متمايزا ومختلفا عن الله تماما؟ ام ينتج عنهما هوية ثالثة في الاختلاف الاتحادي) (6) .

من المبكر التأكيد بالقطع ان المسيحية تفهم الاتحاد بالله انه لا يعني بالمطلق وحدة الوجود الذي تدينه فرق المتألهة المسيحية كما في ادانة بعض فرق ومذاهب الإسلام له عند الصوفية ولا تقرّبه اكثر من كونه طريقة في الزهد التديني.

فالقديسة تيريزا تصف الاتحاد بالله بقولها ( واضح جدا ما الذي يعنيه الاتحاد, شيئان متمايزان يصبحان شيئا واحدا(7). تفسير الاتحاد هنا يعني ان الشيئين كلاهما يحتفظان بكيفياتهما المتمايزة غير المشتركة بعد الاتحاد لا قبله فقط اثناء التجربة الصوفية, ويفقدان الله والتصوف تمايز كيفيتيهما ماهويا وقت الاتحاد,.

فمثلا التقاء نهر مع نهر اخر مختلفان في جملة مواصفات, ويكوّنان نهرا ثالثا في كيفية واحدة جديدة ,(مثال واقعي التقاء نهري دجلة والفرات وتكوينهما شط العرب في العراق) لكنهما في حقيقتهما (النهرين) يلغيان المجانسة المشتركة (بالماء) وذوبانها في خصائص كل نهما في المجرى النهري الثالث بلا رجعة, ويكتفيان بتمايزهما كنهرين غير متصّلين قبل التقائهما واتحادهما معا في نهر شط العرب,

ربما هذا المثل يفيدنا في الاتحاد الطبيعي المادي بين شيئين ماديين بكيفيات معلومة محسوسة ومشتركة عقلانيا لدينا , لكن هذا النوع من الاتحاد في الطبيعة غير صحيح في التعميم في وصف تجربة الاتحاد الصوفي الروحانية غير المادية بالله, من حيث اذا ما حقق المتصوف  (كيفية ) متمايزة عن كيفية البشر في الاتحاد الصوفي المؤقت بالله , فالنتيجة رجوع كل من الله والصوفي الى كيفياتهما الاصيلة قبل تحقيق اتحادهما وعودة المتصوف الطبيعي الخارج من تجربة الاتحاد الصوفي أنسانا ارضيا كما هو قبل الاتحاد.

لكن في مثال التقاء النهرين وتشكيلهما نهرا ثالثا بكيفية ثالثة يتعذّر على أي من النهرين العودة الى كيفياتهما المستقلة قبل اتحادهما وتكوينهما حالة كيفية جديدة ناشئة من اتحادهما.فشط العرب هو كيفية وجودية مادية مغايرة لكيفيتي دجلة والفرات قبل وبعد اتحادهما وتكوينهما نهرا ثالثا.

فهما يمتلكان كيفيتين ماديتين من نوع واحد هو (الماء). فالكيفيات المختلفة في حالة الاتحاد الصوفي تبقى متمايزة بالصفات, فالاله هو الخالق ,والصوفي يبقى  بشرا لا غير اذا صّح تواصله مع الخالق ام لا.

ولنطّلع على هذه العبارات لفيلسوف كبير في قضايا الصوفية تذهب لتاكيد ما ذهبنا له في العبارات السابقة ,يقول روز بروك:(كما ان النار لا تصبح حديدا, ولا يصبح الحديد نارا, فان المخلوق المتحد بالله لايكون الها, كما لا يصبح الله مخلوقا).(8). وهذه من ابلغ التبيرات الفلسفية اللاهوتية الموفقة , لكنه لا يتوافق تماما مع قول القديس يوحنا :(ان الاتحاد بالله اتحاد مشابهة يحدث عندما تتطابق ارادتان, إرادة الله وإرادة الروح معا,تلك الروح التي وصلت مرحلة التطابق الكامل والمماثلة فتتحد اتحادا تاما مع الله وتتحول الى الله على نحو يفوق الطبيعة ). (9) يلاحظ هنا بجلاء تأثر يوحنا في المعجزات اللاهوتية المسيحية التي تنسب للمسيح في خرقه قوانين الزمان والمكان الارضية بقدرات خارقة للطبيعة كاحياء الميت والمشي على سطح الماء وغيرها اكبر جلّها مستمدة من الله ان لم تكن تنسب الى الله ذاته في اتحاد المسيح به.

هنا واضح جدا من عبارة يوحنا ان الانسان يكتسب صفة فوق بشرية بالاتحاد مع الله ليرجع يفقدها بعد زمن انتهاء تجربة الاتحاد الصوفي.ومن هنا يجري التأكيد على ان الذات الفردية للمتصوف التي يتسنى لها زعم الاتحاد بالذات الإلهية, انما تبقى محتفظة بهويتها الكيفية الخاصة البشرية بعد عودتها من رحلة التجربة الصوفية ولا يمكنها الاتحاد الهوياتي الكيفي من غير الاختلاف مع الذات الإلهية.والا اصبح الاتحاد الصوفي عملا الهيا ليس في مقدور البشرتجربته ولا حتى فهمه وتفسيره.

عند امعان النظر جيدا في عبارات يوحنا حامل الصليب نفهم انه لا يتحدث عن الاتحاد الصوفي بالله في المسيحية, ولا يتحدث أيضا عن وحدة الوجود, بل يتحدث عن اتحاد اعجازي مستمد من تجربة المسيح في الولادة وفي الصلب والقيامة,وفي خرقه نواميس الطبيعة في اعجاز لا يستطيعه البشر المتصوفة ولا الناس العاديين, عليه لا يترتب على مثل هذا النوع من الاتحاد مبدأ التعميم الصوفي في مفهومة وحقيقة الاتحاد بالخالق. وهذا لا يمنح تفويضا لاهوتيا ان بمقدور كل صوفي يقّلد تجربة ما مر به المسيح .

فالمسيح حسب اللاهوت يمتلك اعجازا ممنوحا له من قبل الخالق في تمكينه اجتراح المعجزات التي لايستطيعها أحد من البشر في قيامه بخوارق الأفعال, وهو ما يعجز عنه الصوفي او أي كائن انساني عادي.

انه لمن المهم ان فكرة وحدة الوجود في المسيحية مرتبطة ارتباطا وثيقا في اللاهوت الديني المسيحي, وتعاليم الكنيسة اكثر من ارتباطها بفهم فلسفي صوفي كما يتاكد لنا من هذا الاقتباس:(ان ايكهارت وهو من اعظم متصوفة المسيحية في القرون الوسطى انه كان يردد في مواعظه بما اتهمته به الكنيسة على انه يزعم الهوية مع الله, في قوله:ينبغي على المرء ان يحيا بحيث يكون متحّدا مع ابن الله لدرجة ان يصبح هو ذلك الابن,حتى لايكون بين الروح والابن أي تمايز ) ص 285 من المصدر المشار له سابقا ونعتمده.

ويقول القديس بولص؛(اننا جميعا نتحول الى الله, وكل مايتغير الى شيء آخر, يصبح متحدا معه في هوية واحدة ,ومن ثم لو انني تغيرت الى الله وجعلني واحدا مع ذاته, فلن يكون مع الله الحي أي تمييز بيننا, وانا والله واحد, وعيني عين الله واحدة, وهي هي,واحدة في الرؤية, واحدة في الحب). ص286 من المصدر المشار له.كتاب والر ستيبس(الفلسفة والصوفية).

(بعبارة أخرى فان الله والروح من حيث الوجود هي كيفيات متمايزة, واتحادهما هو اتحاد تشابه كيفي أي نوعي لارادتين متفقتين, ويمكن تسمية هذا النوع من الاتحاد بالاتحاد الكيفي كتمييز له عن الاتحاد في الوجود – وحدة الوجود – او في الجوهر او في الهوية). (10) لاحظ العبارة تقول ارادتين متفقتين ولم يقل صفتين متشابهتين لكيانين يمتلكان كيفيتين متمايزتين جدا ومختلفتين هوياتيا, ولا مجال في تكافؤهما.(خالق الهي ومخلوق بشري).

تفهم المسيحية ( العلاقة بين الله وجزء من العالم – المقصود بهذا الجزء الانسان – التي هي الذات الفردية في وصولها حالة الاتحاد الصوفي بالله انما تعني الهوية مع الله حتى لو كانت خلال فترة الاتحاد على الأقل).(11)

أيضا في الاقتباس أعلاه نلاحظ مدى التحّفظ اللاهوتي المسيحي حول إمكانية وحقيقة الاتحاد بالله وفي امكانية اكتساب الصوفي كيفية خارقة لعالم البشر ,وتستمد هذا الاكتساب – حتى لو كان اكتسابا مؤقتا خلال لحظة الاتحاد كما مر بنا – في الاتحاد المتكرر بالله تصوّفيا.

هذا الفهم الهوياتي الصوفي للاتحاد بالله قد يعطي تصورا زائفا لدى الصوفي انه بمستطاعه ان يكون ذاتا فردية وهوية صفاتية  مكتسبة مغايرة لحقيقتها الاصلية البشرية الطبيعية , في اكتسابه هوية جزئية بصفات الوهية في اتحاده بالله.وهذا غير صحيح فلا يمكن لكيفيات متباينة مختلفة في الهوية والتكوين ان تتحد ويكتسب احدها من الآخربعض صفاته الذي هو الإلهي صفات تجعل منه فوق الانسان البشري حتى ولو لبعض الوقت , التي هي التجربة الصوفية وزمنها,وهذا النوع من وحدة الوجود يطلق عليه الكتّاب المسيحيين, وليس كل فرق المسيحيين اسم (الهرطقة) او التجديف.

وحدة الوجود في المسيحية بادانتها زعم الصوفية بالاتحاد بالذات الإلهية انما تقوم على مبدأ( الهوية في الاختلاف بين الله والعالم او بين الروح والله,وان الاختلاف بين الله والذات المتناهية – الانسان – هو ما يسلّم به كل انسان بوصفه مسألة طبيعية لا تحتاج الى متصوف يؤكدها ولا الى فيلسوف يوضحها). ص 308

ويلتقي الإسلام بهذا النوع من التفسير التصوفي على ان هناك هوة عظيمة تفصل الخالق عن مخلوقاته, كما ان صوفية الإسلام تميل الى الاخذ بالاختلاف الهوياتي الكيفي, بين الإلهي والبشري, وعن مقولة الفناء في الله لدى صوفية الإسلام يصفها الغزالي(غاية التصوف الفناء التام في الله,تخيلها البعض انهم اصبحوا مع الله في وحدة, كما تخيّل آخرون انهم اصبحوا معه في هوية, وتخيل فريق ثالث انهم ارتبطوا به, لكن كل هذا غلط.).ص320 من نفس المصدر السابق.

                                 علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش

•       نحن هنا نصف الخالق بان له كينونة وهوية وماهية وصفات, قولا مجازيا فقط فلا احد بمستطاعه الجزم ان هذه من معالم الادراك البشري لها لا ايمانيا ولا عقليا ولا تصوفيا. (كاتب المقالة).

1.     والتر ستيبس /التصوف والفلسفة/ ترجمة امام عبد الفتاح امام / ص262

2.     نفس المصدر السابق ص 267

3.     نفس المصدر السابق ص 269

4.     نفس المصدر السابق ص 256

5.     نفس المصدر السابق ص 270

6.     نفس المصدر السابق ص 281

7.     نفس المصدر السابق ص 282

8.     نفس المصدر السابق ص 283

9.     نفس المصدر السابق ص 285

10.   نفس المصدر السابق ص 287

11.   نفس المصدر السابق ص 257   

شاهد أيضاً

كتابان جديدان في معرض بغداد الدولي للكتاب – 7 – 18 شباط 2019

    علي محمد اليوسف              عن دار غيداء في عمان –الاردن صدر لي كتابان جديدان : …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *