الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / أوراق شخصيّة جدا (2)

أوراق شخصيّة جدا (2)

رجاء بكريّة

جزء 1

((.. ولا يعجبني لأيّ سبب أن أخوض في سياستها الأدبيّة لأنّي أعتبر مسألة حشر السّياسة في معايير الأدب سابقة مهينة لاجتهادات الإبداع في العالم، فحين يُسَيّسُ الأدب بناء على مرجعيّات الطّائفة والعِرق. هويّة الشّعب خارج أو داخل الخط الأحمر أو الأخضر، وملاعب الجغرافيا الّتي تقسّمُ أشواطه وأهدافه، يفقدُ حتما بصيرته ودوائر حلمِه..)). رجاء.ب

كتابة:رجاء بكريّة

(1)، أنوثة

في صغري عاديتُ كلّ من سمّاني أنثى.  لسبب ما اعتقدتُ أنّها تعني مسبّة أو وصمة عار تُدمَغ بها البنت حين تلعب مع الصّبيان، وترفض ارتداء التّنانير والفساتين. لا أذكر أنّي ارتديتُ فستانا قبل أن أقتنع تماما أنّه مصدر جمال وفتنة. قبل سنوات قليلة بدأت اهتمامي بالفساتين وبمصادر أنوثتها. لماذا؟ ربّما لأنّ المجتمع الّذي جايلتُ نساءه فهمنَ الأنوثة على نحو لا يشبه فهمي وفسّرنهُ في ألبستهنّ بطريقة تخصّ مفاهيمهنّ عن حضور النّساء في الأعراس والمناسبات الاجتماعيّة الأخرى.

ولأنّي لم أحفل بالأعراس، واعتبرتها عبئا على الوقت اتّخذتُ موقفا سلبيّا منها. لم أفهم سبب الزّواج بكلّ تجهيزاته الثّقيلة، ولماذا كي يجتمع رجل بامرأة يجب أن يعلّلوا خمسة أيّام ويقيموا ليلة للحنّاء. سهرة للعروس وأخرى للعريس والأخرى للدّخلة. وكنت أحبّذ تصريف يوم الطّرحة البيضاء على يوم الدّخلة لما فيها من تداعيات روحيّة عالية، واعتبرته كافيا لاختصار مسار العرس كاملا. أسرتني الهالة الّتي أضفتها الطّرحة البيضاء على العروس الجالسة بأدب جمّ بانتظار عريسها. ما لم أفهمه تحديدا كيف يفاجىء العريس عروسه بقبلة أو عناق، وماذا يحدث بعد القبلة حين يخلو واحدهما بالآخر. ماذا يقول لها.؟ كيف تردّ عليه؟ ماذا يفعلان وكلاهما لم يجالس الآخر على انفراد قبل تلك اللّحظة؟ تساءلتُ كثيرا، وكلّما ضجّت رأسي سألتُ خالاتي وكنّ الأقرب إليّ. قُلنَ لي يومَها يتسلّيان! قلبتُ شفتيّ استغرابا، وتخيّلتُ شكل التّسلية ماذا عساها تكون. لكنّي أذكر أنّي منذ تلك اللّحظة بدأتُ أرسمُ أفعال الشّخوص الّتي أصادفها أو أفترضها أبطالا لقصصي. بدأتُ أكتب خيالاتي فوق رؤوس النّاس. حين أقف فوق كرسيّ عال كي أتفرّجَ على لحظة التقاء العريس بعروسهِ إذ يفجّ سترات النّاسّ من حوله، فجيج ملك لمساره بين جماهير غفيرة، وهو يحرّك ذراعيه وسط لمعان أزرار بدلة سوداء يرتديها حينذاك لمرّة أولى باتّجاه ساحة البياض الّتي تحفّ عروسه بالنّجوم. وسط لمعان النّجوم تلمعُ واحدة في عينيّ فوق كرسيّي المهدّد بالانقلاب فوق سيقان من حولي، ألمعُ كلّي لدقائق مع تيّار الهواء الّذي أطير فوقه مع حكاية البطلين قبل أن أجد نفسي تحت الأقدام بسبب هياج النّاس حين يرفع العريس طرحة المرأة الّتي مزّعت لآلئ عينبها قبل أن تصل بيته، من شدّة البكاء.

فالجميع متحفّز للحركة الّتي سيفتعلها العريس ليعادي التّقاليد ولو لمرّة واحدة في حياتهِ، بضمّة، أو قبلة على طرف الشّفة أو حتّى ضربة خفيفة على الكتف يداري فيها انفعاله البالغ. شغَفَتْنِي تلك اللّحظة حدّ أنّي بدأتُ أكتبُ قصصا نزقة تخصّ فلتان مخيّلتي، حتّى عاديتها فجأة كما عاديتُ الفساتين، واعتبرتها مكرّرة ومُعادة، ويجب تجديد تجلّياتها كشرط لمشاركاتي المستقبليّة، فهي مطالبة وفورا برشّ مذاق الخصوصيّة البالغة على إخراجها بين النّاس كي تستعيد زهوّها وشعبيّتها.

لكنّ ما لا أنكر تأثيره البالغ على لمعان عينيّ دبكات الأعراس، غرت منها بلا آخر لكن بقيتُ حائرة أمامها. لماذا للنّساء دبكة تختلف عن دبكات الرّجال، ولم هذه التّفرقة؟ هل أقدام النّساء مُخربَطَة، مثلا حتّى يجري الفصل بين قفزاتها وقفزات الرّجال؟. كانت مسألة غاية في التّعقيد أن أخوض في تصوّرات لا تستقيم ومنطق الصّبا الغضّ، حين هاجمتْ رأسي الباحثة عن إجابات حتّى في مشية النّملة. المصيبة الكبرى وقعت شديدة على رأسي حين عرفتُ أنّ نساء هي جمع امرأة، وأعني المرأة الأنثى. حدث ذلك وأنا على أعتاب الثّالث ابتدائي، بدأت أتأمّل الصّبيان من حولي بكثير من الحقد والبنات بكثير من إيماءات التّحريض، وحزنتُ جدا لأنّي أبليتُ وقتا طويلا في عناء اللّعبِ مع الصّبيان الّذين يعرفون هذه الحقيقة ويخفونها عنّي،. غير أنّ اكتشاف تلك الحقيقة المقلقة لم يخفّف من وطأة عدائيّتي للأنوثة، ولو اختلف لفظُ امرأة عن كلمة نساء. إنجازي الوحيد أنّي توحّشتُ أكثر مع أترابي من الصّبيان، ولاحقا أصدقائي من الرّجال، حدّ أنّ غزل أحدهم في عينيّ كان يلحقه تعديل سريع لعبارته، لستُ “أنثى جميلة” بل “امرأة جميلة”. ولا بدّ لي من الاعتراف أنّني قبل الالتحاق بقسم الفنون الجميلة، المساق التّشكيلي على وجه الخصوص لم يستهوِني الاعتراف بأنوثتي بفخر.

  فهل يبدو هذا الإنكار مصدر عُقدِنا كمُجتمع أم خللنا كشعب يفهم الحقائق افتراضيّا بعيدا عن الواقع؟ هل المسألة عُقدة أم إشكاليّة ثقافة وقيم تربويّة؟ ولماذا لا تشرح النّساء لصغار البنات ماذا تعني هذه المفردة الخطيرة الّتي هربتُ أنا وقريناتي من لعنتها، قبل أن نفهم جماليّاتها؟

2، فساتين وجمال

اكتشافي لجماليّات الأنوثة في دراستي الأكاديميّة للفنّ التّشكيلي دفعتني لإعادة النّظر في تأمّلاتي الذوّاقة لفساتين النّساء اللّواتي يأتينَ إلى ورشات الرّسم، لكنّ تعبيري عن انخلابي لم يؤدّ بي للتألّق بفساتين دورون فرانكفورت خارج مراسم أعراس عائلتي المقرّبة. وما حدث يشبه الخيال حين قصفتني حاجة ملحّة لتغيير طبيعة ظهوري بين أصدقائي وفي المناسبات الّتي أشارك فيها. أدهشني تعلّقي الجديد بفكرة الفساتين كظاهرة حضور وأنوثة بالغة. هل كنت أعرف أنّها ستكون سببا في “التّعليم” على كتاباتي، وتنقية الأدب الّذي أكتبهَ، ثمّ فصل جيّده عن سيّئه، وقصقصةِ جماليّاتهِ؟ وعلى ضوء المسافة الّتي تمشيها العين من بوزِ الحذاء وحتّى تدويرة العنق؟ شخصيّا فضّلتُ الفساتين الضيّقة القصيرة الّتي لا تصل إلى القدمين . تقف في المنتصف لتمنح للسّاقين حريّة تشكيل خطواتها، ونثر زوايا استداراتها ، لكنّها على أيّ حال أصبحت اكتشاف القرن بالنّسبةِ إلي.  ربّما لمتُ أفكاري المسبقة حول ميزة هذه القصّات من الملابس. اكتشفت حتما أنّني أجمل إذ أرفلُ بتلك الأقمشة ذات الصّرعات الغريبة، حتّى ضربتني لعنة تأنيث ما أكتب وتأطيره في خانة لا أحبّها. كان يجب أن أخترع وسائل دفاع عن الوفاء لأكوامِ الفساتين الّتي لن أتخلّى عنها يوما مهما دربكتْ على أكتاف كلماتي نعوتُ الأنوثة وملحقاتها. لقد دخلت مفردة تأنيث ما تكتبهُ المرأة مقابل تذكير ذات المفردة حين يرسلها رجل عبر أزرار ستراتهِ اللّامعة مرحلة لم يستسغها الأدب ذاته، ورغم ذلك لم يتنازل أنصارها عن تفضيلها مذكّرة على غريمتها المؤنّثة، بسهولة أصبحت المفردتان غريمتان، حتّى في منافسات الأدب البريئة العابرة للدّول. بريئة؟ لا أعرف لأيّ مدى. مُتّفق عليها؟ لا أجيد تخمين نسبة الشّراكة بين القيّمين عليها، المنقسمين ضدّها، المتوحّدين فيها. أستطيعُ على الأقل أن أميّزَ ومنذ سنوات أنّ للاتّحاد العام للكتّاب العرب أناسهُ من فلسطين ال 48 ممّا يثير انزعاج مكوّنات عالمي الفكري حول محسوبيّات هذا النّوع من التجمّعات، وفَرقي منها لما يُؤخذ عليها في معاييرها وسياستها، ولا يعجبني لأيّ سبب أن أخوض في سياستها الأدبيّة لأنّي أعتبر مسألة حشر السّياسة في معايير الأدب سابقة مهينة لاجتهادات الإبداع في العالم، فحين يُسَيّسُ الأدب بناء على مرجعيّات الطّائفة والعِرق. هويّة الشّعب خارج أو داخل الخط الأحمر أو الأخضر، وملاعب الجغرافيا الّتي تقسّمُ أشواطه وأهدافه، يفقدُ حتما بصيرته ودوائر حلمِه. وسوف يُحالُ إلى ما يشبه الأشكال الهندسيّة وزواياها المخلوعة أو المتساقطة. عيب على الأدب أن يستظلّ بمبدأ الهويّات الّتي تقتل أصحابها بمجرّد الكشف عن نسب قبائلها، والّتي تُشرِّع مصداقيّة احتكارها المياه الإقليميّة لشواطىء الحُلُم، كلّما جاعت إلى مبادئها..

فبراير،019

شاهد أيضاً

خـــــيانة

لحسن ملواني لحسن ملواني ـ المغرب       سمعت صوته من بعيد ، أطلت من النافذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *