الرئيسية / ترجمة / جان دورميسون: الدهشة كمصدر للسعادة الفائقة

جان دورميسون: الدهشة كمصدر للسعادة الفائقة

ترجمة يوسف اسحيردة

كل شيء ابتدأ بمشاهدة النجوم. فقد أخذ علماء الساحل الأيوني ( من أيونية وهي مدينة إغريقية ساحلية قديمة) يتساءلون عن سبب ثباتها وبريقها. نقطة انطلاق هذه الفلسفة، التي لم تكن قد سُميت كذلك بعد، كانت ملموسة باعتبارها خرجت من رحم الدهشة. لماذا النجوم هي هكذا؟ ما سر الأجرام السماوية؟ بعدها قاموا بتجارب جد بسيطة : منها غرس ست عصي في الأرض، وملاحظة أن ظل هذه العصي يكبر مع سير الشمس وتحركها. ماذا استخلصوا من هذا الأمر؟ أن الظل والضوء يتغيران، ولكن الشمس لا تتغير. إذا فهناك ما يتغير، ما يظل ثابتا، وما يعود باستمرار. اناكسيمور، اناكسيماندر وطاليس سيعملون على التفكير في أصل الأشياء. سيبحثون عنه في ثلاثة مكونات: الماء، النار والهواء. هكذا اخترعوا فكرة اللانهائي. كان في ودهم العثور على شيء ثابت لا يتحرك. ما يجب علينا فعله اليوم، هو أن نعيد هذه الدهشة إلى طزاجتها الأولى، أن نندهش منها مجددا، بقدر ما هي مبهرة، بقدر ما هي مصدر كل شيء، بقدر ما هي شبابنا نفسه. قبل سنوات عدة، تكلفت بنشر كتاب جان هيرش “الدهشة الفلسفية”. وقد بينت الفيلسوفة السويسرية، من خلاله، مدى  أهمية الدهشة بالنسبة للفلسفة، كونها تشكل عمودها الفقري. فهي من مهدت الطريق أمام تلك الحركة الفكرية الكبيرة التي عرفتها اليونان، في القرن الخامس قبل الميلاد.

انطلاقا من هذه الدهشة الأولى، سيظهر فيلسوفان يوجدان على طرفي نقيض : بارمنيدس وهرقليطس. كانت لكل واحد منها فكرة بسيطة وقوية. فهرقليطس يقول بأنه لا داعي للبحث عن أساس ثابت، فكل شيء معرض للتغير والزوال. الشيء الوحيد الذي لا يتغير، في نظره، هو التغير نفسه. في المقابل، يدافع بارمنيدس على فكرة الديمومة والاستمرار، وأن التغير لا يعتد به. ويصل  به الأمر إلى درجة الاعتراف بلا جدوى الحديث عن التغير، فهو لا شيء.  وقد عبر عن ذلك بقوله : ” الوجود موجود”.

سنوات عديدة بعد هذين الفيلسوفين، سيلاحظ سقراط بأنه من الصعب الخروج من تعارض موقفين كلاهما صحيح : “الوجود موجود” و “الوجود يصير”. فاستخلص من ذلك بأنه متأكد من شيء واحد :  كونه لا يعرف شيئا. هكذا أعطى سقراط الانطلاقة للمذهب الشكاكي الذي يمتد حتى مونتيين. ما يبهرني في هذا الرجل (أي سقراط)، هو أنه لم يؤسس أي مدرسة فلسفية، لم يكتب أي شيء، لأنه، في حقيقة الأمر، لم يكن يملك أي معرفة تستوجب النقل. فقد كان تعليمه شفويا، مثل بوذا، وعيسى، ومحمد. العبرة المستقاة: إذا كنت تريد التأثير في الناس، فلا تكتب.

إذا فسقراط كان نجم السينما الصامتة الذي كتب أفلاطون ترجمته النصية. فيما يخص أفلاطون، فقد عقد العزم على الذهاب أبعد من معلمه، وفي نيته تجاوز التعارض الذي أوقف سقراط سابقا. هكذا قام أفلاطون بالجمع بين موقف كل من هرقليطس وبارمنيدس من خلال توليفة ذكية : هناك ما يقع داخل الكهف، وهو معرض للتغير الدائم، وهناك الحقيقة الثابتة التي تنفجر في وجوهنا بمجرد الخروج منه.  فهو مثلا  يتساءل عن معنى الكِبر. الفيل يتميز بالكِبر، لكنك إذا ما قارنته بالجبل، فهو يظل صغيرا. الفيل ليس كبيرا في حد ذاته، بل هو فقط جزء من فكرة الكبر. الكبر أمر لا يكف عن التغير، لكن، هناك فكرة الكبر التي تبقى صامدة في وجه النسبية المحضة. عن طريق الفصل بين عالم الأشكال النقية (عالم الافكار) وعالم الأشياء المحسوسة، قام أفلاطون بتجاوز كل من هرقليطيس وبرمنيديس. ومن خلال تحديد مفهوم الحقيقة والصواب، قام بتحضير الفيلسوف لدخول المدينة.  

بعد ذلك، ترك أفلاطون مكانه لأرسطو. تلميذ تلميذ سقراط سيؤسس منظومة فلسفية شاملة، ستقوم بسحق كل ما عداها. وقد كان أيضا معلم ألكسندر، ما سيجعله يحظى بمكانة مميزة في تاريخ الأفكار وفي التاريخ السياسي لليونان. منظومته المنسية في أوروبا، ستعرف رواجا كبيرا في الأوساط اليهودية والإسلامية من خلال كل من ابن ميمون وابن رشد. بعد ذلك، سيعود إلى الواجهة مع طوما الأكويني. على مدى ثلاثة أجيال، قام الإغريق بابتكار كل شيء. وخاصة، اكتشفوا هذه الدهشة، التي تظل، بحق، أحب ما يوجد في الفلسفة إلى قلبي.

 المصدر : Le Figaro Magazine, 2 juillet 2017, Ces sages qui nous aident à vivre                                  

شاهد أيضاً

الزمان والعقل في فلسفة كانط

علي محمد اليوسف تمهيد نجد بوادر التجريد الفلسفي فكريا عند كانط لما يطلق عليه (الفلسفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *