الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / كاسمير مالفيتش: الفنّان، الطبيعة والجمال

كاسمير مالفيتش: الفنّان، الطبيعة والجمال

ترجمة وتقديم: كمال بومنير

وُلد الرسّام الروسي الكبير كاسمير ماليفتش Kasimir Malevitch في عام 1878 بمدينة كييف Kiev وتوفي في 1935. تلقى دروسه الفنية الأولى في أكاديمية الفنون بكييف منذ عام 1900، ثم توجّه إلى مدينة موسكو في 1905 بغية تعميق معارفه الفنية بالأكاديمية العريقة روبورغ. هذا، ويعد مالفيتش أحد مؤسسي المدرسة الفنية التجريدية Abstractionnisme، إلى جانب كلٍ من فاسيلي كاندنسكي وبول كلي، وهي مدرسة فنية تقوم على إخفاء معالم كل أثر يشير إلى ما ألفنا رؤيته في حياتنا اليومية من أشياء وأشخاص، بحيث يتم استبدالها بمجموعة من الألوان والأشكال ولا شيء غير ذلك. من أهم أعماله: “تفوقية” 1915، “مربع أبيض على خلفية بيضاء” 1918، مربع أسود” 1923، “شجرة التفاح المزهرة” 1904، “انجليزي في موسكو” 1914، “رجل يجري” 1932، “مربع أسود على خلفية بيضاء” 1915، “رسم تفوقي” 1916. 

النص:

كثيرا ما نصيح قائلين: “ما أجمل الطبيعة”! ولكن لماذا هي جميلة؟ هل كان من الممكن أن تكون الزهرة جميلة مثلا لو لم يكن إلى جانبها شكلٌ آخر ولم تكن تحتوي تنوعا كبيرا في التركيب؟ بالتأكيد، لن تكون جميلة. فالجمال والجميل يتأتيان من الطبيعة المكوّنة من علامات متنوعة. لذلك، فقد نقول: “إنّ هذا المنظر الطبيعي رائع”. نقول ذلك لأننا نرى أفق السماء الزرقاء البعيدة، حيث تبرز الجبالُ والغاباتُ، وفي الأسفل، وسط المروج، يجري نهرٌ تسير فيه قواربٌ وسفنٌ، حيث نرى أشخاصا يرتدون ملابس ملوّنة وهم يعبرون المروج، ونحن نتأمل من فوق قمة الجبل الأفق والأرض المنبسطة. ليس من شك أنّ اللوحة التي نشاهدها تُحدث فينا أثرا جماليا فنصيح عندئذ: “ما أروع ذلك، ما أجمله!!”. لكن ماذا يرى الرسّامُ على اللوحة التي أشرنا إليها آنفا؟ إنه يرى حركة وسكون مجموعة الرسومات، إنه يرى تأليف أو تركيب الطبيعة، ويرى أيضا وحدة أشكال الرسومات المتنوعة وتناظر وترابط العناصر المتعارضة في الوحدة التي تشكّل لوحة الطبيعة، لذلك فإنه(الرسّام) وأمام هذه اللوحة ينتشي، وخاصة حينما يرى تيار القوى وتوافقها. وهكذا، شكّلت الطبيعةُ مشاهدها أو لوحتها الكبيرة التي شملت كل مظاهر التقنية المتعارضة مع شكل الإنسان. لقد جمعت الطبيعةُ الحقولَ والجبالَ والأنهارَ والبحار وأقامت على هذا النحو، تفاوتا أو تدرجا للأشكال على سطحها الخلاّق. والحقُ أنّ هذا هو السطح الخلاّق الذي تراءى للرسّام المبدع. وبذلك فإنّ لوحته هي الحيّز الذي يبني فيها حدسه للعالم، وينظّم- بصورة مماثلة- القوى الغامضة للقدرة الرسمية والتلوينية في الأشكال والخطوط والسطوح المتنوّعة. وبذلك، وبالكيفية نفسها يبدع أشكالا وعناصر منفصلة عن علاماتها تحقيقا لوحدة الأضداد على السطح الرسمي (المتعلق بالرسم). وهكذا، فإنّ خلق تباينات الشكل سيؤدي لا محالة إلى التوافق الفريد لجسم البناء الذي لولاه لما تحقّق الإبداعُ.
ولكن حينما نشد انتباهنا إلى الطبيعة لن نجد، بالتأكيد، ما هو متماثل، وسنرى وسط الحقول قرى بُنيت ومدنٌ شُيدت فيها معابدٌ وقصورٌ ومصانعٌ وصروحٌ. أما داخل الحقول فتمر خطوط السكك الحديدية تسير عليها قطارات، وزوارقٌ وسفنٌ تجوب الأنهار، وسياراتٌ تسير في الطرق داخل القرى والمدن. لهذا، فإننا نقول بأنّ الطبيعة ليست متماثلة، وأنّ تطوّر الأشكال الجديدة لا يتضمن جمالا متماثلا، وأنّ كل تطوّر يقدم لنا انطباعات جديدة وجمالات جديدة. وها هنا يبدو أنّ الإنسان عاجز عن قهر الطبيعة لأنّ الإنسان هو نفسه طبيعة. لذلك، لا أريد قهرها، إنما أريد تحقيق انتعاش جديد. أريد نفي ما سبقنا. وبما أنّ الفن هو جزء من ذلك الكل الذي تشكّل وفق حضارة أدوات الطبيعة كان لزاما عليه أن يتخلى عن كل ما يمت بصلة إلى الماضي.

المصدر

Kasimir Malevitch, Ecrits. Traduit du russe par Andrée Robel, éditions Gérard Lebogici, 1986, p 325.

شاهد أيضاً

الرسالة السياسية لموت الإله عند نيتشه

تصريح نيتشه لم يكن هجوما إلحاديا في تعبير اليوم، بل هجوم على الربط بين العقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *