الرئيسية / ترجمة / كليمون روسي: اعرف نفسك بنفسك، ترجمة يوسف اسحيردة

كليمون روسي: اعرف نفسك بنفسك، ترجمة يوسف اسحيردة

كليمون روسي

ترجمة يوسف اسحيردة

ما يجهله الكثيرون، هو أن عبارة “اعرف نفسك بنفسك” لا تعود لسقراط، كما يحاول أفلاطون إقناعنا في حوار ” دفاع سقراط”. هذا الشعار، وبالإغريقية يُعرف ب “Gnothi seautom”، كان مكتوبا على واجهة معبد أبولو في ديلفي. لهذا يجب النظر إلى هذه العبارة باعتبارها مشابهة لتلك الوعود المسجلة على بطاقات السحرة التي توزع عند مخرج المترو، من قبيل “سأقوم بجلب الحبيب”، أو على كهوف المنجمين مثل ” تعال من أجل التعرف على مستقبلك”. الشعب الإغريقي كان شعبا مولعا بالخرافة، المعابد تجلب العديد من الحجاج والسذج المستعدين لدفع الكثير من الأموال من أجل سماع ما سيقوله العراف. الوعد المقدم بمعرفة نفسك بنفسك، كان، أولا وقبل كل شيء، نوعا من الإشهار. اليوم، يُكوِّن أغلب الناس العديد من الأفكار النبيلة حول حكمة ديلفي هذه، في حين، كل ما في الأمر، هو أن كاهنة المعبد، بيثيا، تقوم بإسماعك كلمات مبهمة، من المفترض أنها تحمل معلومات مشفرة حول مستقبلك، كل هذا مقابل كيس أو أكياس من الذهب : هذا ما كانت تعنيه معرفة الذات الشهيرة عند الإغريق.

شخصيا، أعتبر الرغبة في معرفة الذات، أمرا غير صحي وغير مجد. وعلى كل حال، هو بحث يرتكز على سوء تفاهم كبير، لأن معرفة كهذه تظل مستحيلة. الفيلسوف الانجليزي دافيد هيوم كان أول من تفطن الى استحالة الوصول إلى معرفة حقيقية للذات أو، بصيغة أخرى، لهويتنا الشخصية. ليس بمقدورنا فهم أنفسنا إلا كتركيب لمجموعة من الأحاسيس المشتتة. يمكن معرفة أنني أشعر بالحر أو البرد، أو أنني غاضب أو سعيد، أو أن هذه الفكرة أو تلك الأغنية تترد في رأسي. فهناك مجموعة من الأحاسيس والأفكار التي تراودني من حين إلى آخر. هل يشكل كل هذا، رغم ذلك، وحدة قائمة بذاتها، كُلا متماسكا يمكن الإحاطة به ومعرفته؟ لا، لا شيء يؤكد لي تماسك كياني، إذا ما حاولت فهمه كموضوع نفسي. ليس بوسعي القبض سوى على قطع مبعثرة من كلٍّ سيظل مجهولا بالنسبة لي إلى الأبد. قبل هذه الأدلة المقدمة من طرف دافيد هيوم في كتابه ” بحث في الطبيعة الإنسانية”، هناك مقولة معبرة سبق لمونتين أن قالها : ” حقيقتنا، ليست سوى عبارة عن قطع مُجمّعة”. أجد هذه الملاحظة قمة في الحس السليم.

عندما كنت طفلا، في محطة المترو القريبة من منزلنا، كان هناك ميزان عمومي. وفوقه وضع ملصق إشهاري مستلهم من ديلفي : ” من يُوزن كل يوم يعرف نفسه جيدا”. تحت هذه الجملة مباشرة، أضاف أحدهم هذه العبارة: ” ومن يعرف نفسه جيدا، لا يضايق الآخرين”. عندما حكيت هذه القصة لناشري، المأسوف عليه جيروم ليندون، قهقه عاليا وأضاف : ” من لا يضايق الآخرين، لا يذهب بعيدا في الحياة”. هذا دليل إضافي ضد ما يعرف بالبحث عن الذات، ومن أي وزن!

المصدر : Philosophie Magazine n° 119, Hommage à clément Rosset

شاهد أيضاً

ترجمة كتاب الدهشة الفلسفية

المترجم محمد ايت حنا المترجم المغربي محمد ايت حنا الكاتبة جان هيرش صدر عن منشورات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *