الرئيسية / ترجمة / حول الترجمة وتدريس الفلسفة، توفيق بوشري

حول الترجمة وتدريس الفلسفة، توفيق بوشري


توفيق بوشري – المغرب

كان أحد الأساتذة المكونين بمركز تكوين الأساتذة شعبة أساتذة مادة الفلسفة بالثانوي التأهيلي شغوفا للغاية ببحوث التخرج التي تهتم بالترجمة عوض البحوث التربوية التدخلية المحدودة زمنا وقيمة بالنظر لضعف المرجعيات تحديدا ذات الطابع الديداكتيكي بتحفظ خاصة وأن الأمر يتعلق بمادة تحمل منهجها وديداكتيكها معها حسب تيارات كثيرة وازنة..

لقد ذكرني ذلك الشغف مبدئيا بالمرة الأولى التي أقدمت فيها على ترجمة نص، كان ذلك سنة 1996. بدا لي الأمر مغريا، أن أرى كلمات ومعان كتبت بالفرنسية وقد تم نقلها إلى العربية. لم أعر الأمر انتباها منهجيا بقدر ما أثارني الغموض والتشويش اللذان طبعا النص الجديد “العربي”. كان مقطعا شعريا للشاعر الفرنسي: [1]paul éluard. لقد تجلت لي كأشياء لا توجد في شعرنا ولا في ثقافتنا. اليوم أحاول أن أفهم تلك الدهشة.

يقول بول ريكور في كتابه عن الترجمة: الترجمة “محنة الغريب” بتعبير أنطوان بيرمان[2]. في إشارة إلى الصعوبات والإشكالات المتمفصلة والمتعلقة في شق منها بالمستوى الأخلاقي، يتمثل في كون الترجمة كما يقول المثل الإيطالي الشهير: traduttore traditte، الترجمة خيانة. وهذا المعنى صحيح؛ فالترجمة دائما تثير مسألة الأمانة والخيانة[3].

وكما يقول روزنزفيغ: أن نترجم معناه أن نخدم سيدين. إن الأمر يتعلق بخدمة العمل المترجم والمؤلف واللغة الأجنبية (السيد الأول) وخدمة الجمهور ولغة الترجمة (السيد الثاني)[4]. في هذا السياق لا بد من إثارة مثال دال وعميق، إنها الخيانة “الكبرى” المزدوجة مرتين على الأقل والتي قام بها ابن رشد قبل قرون عندما شرح وأول المعلم الأول أرسطو ليصير المعلم الثاني وهو يتحف أوروبا بالإرث اليوناني الخالد.

هذا العنصر المركب يثير العديد من الإشكالات على عدة مستويات، لكن المقام هنا يفرض الاقتصار على الغاية من الترجمة والغاية من اختيارها كمشروع تخرج لإتمام تكوين من المفروض أن يثمر ممارسا لتدريس الفلسفة بدل البحث التربوي التدخلي.

إن الهدف الأساسي للترجمة حسب بيرمان، هو إقامة علاقة مع الآخر على مستوى المكتوب من جهة، وإخصاب الثقافة الخاصة عبر تلاقحها مع الثقافة الأجنبية من جهة ثانية[5].

وهنا أستحضر أدونيس من خلال قوله: “لا يحسن الإنسان فهم نفسه إلا بقدر ما يحسن فهم الآخر. فترجمة الآخر طريقة مثلى لمعرفة الذات ثم إن تطور العلاقات فيما بين الشعوب، نوعا وكما، يؤكد أن الآخر لم يعد مجرد طرف للحوار أو التفاعل والتبادل وإنما تخطي ذلك إلى أن يكون عنصرا من العناصر التي تكون الذات.”[6] كما أضاف: “إن ثقافة تكتفي بذاتها وتعزف عن الترجمة يصح أن توصف بأنها شبه ميتة، وسيكون ذلك، في الحالة العربية، مدعاة للاستغراب! كيف يستجلب العرب جميع الوسائل التي ابتكرتها تقنية الآخر ولا يخططون أو يعملون لترجمة الأعمال الفلسفية والعملية والأدبية التي كانت وراء تلك التقنية.”[7]

في نفس السياق يؤكد هايدجر بقلم بوفريه: ” إن الترجمة هي مثول أمام…”[8] بما هي حوار بين اللغات والثقافات تتجاوز ما هو لساني إلى الوجودي والفكري على حد سواء، وهنا نعود إلى مسألة الخيانة من زاوية التأويل، حيث يرى دريدا بأن الترجمة ليست عبارة عن إعادة إنتاج، لأنها ليست صورة أو نسخة.[9] وهو ما يعبر عنه بفكرة الحداد والتي يوضحها أحد الباحثين بالقول: “إن العلاقة بين النص الأصل والنص المترجم علاقة حدادية بامتياز، تنشرط عبرها حياة الثاني بموت الأول”[10] وأعتقد أن أي نوع من الترجمة لا يستطيع أن يفلت نهائيا من هذه الإكراهات الباذخة والحيوية، ومن أشدها تميزا لدى دريدا كذلك، فكرة الاستدانة[11]، يقول نفس الباحث: “إن كل ترجمة محكومة بالاستدانة، منذورة بالضرورة للتعامل الاستراتيجي والاقتصادي مع الدَين[12] إنها دين متغير لا ثابت. لا يمكن لهذا الدَين الاشتغال، دون الذهاب بعنف/ بعشق/ بعمق، ضد إيقاع ما يدين به وله: أي النص-الأصل”[13]

إن الترجمة وفق هذه المداخل المختلفة عبارة عن رهان لمشروع مجتمعي مفترض للوقوف المستمر والمحايث على التجارب الإنسانية اطلاعا وإفادة واستفادة خاصة إذا سلمنا كما يؤمن أدونيس بأن الآخر ما هو إلا نافذة من نوافذ الذات المشرعة على الاختلاف البناء والإغناء المفتوح المتفاعل والكوني.

وأعود هنا إلى بيرمان، الذي يرى بأن الترجمة الحقيقية هي التي تكون قادرة على التخلص من النزعة الإثنية المركزية لأن الهدف الأخلاقي للترجمة يتعارض مع هذا الإلزام (المرجعية المتمركزة للذات) إن جوهر الترجمة هو الانفتاح والحوار والهجانة واللاتمركز[14]. بما هي استدعاء لإقامة علاقة بين الذات والآخر.

لقد كانت ترجمتي لنص بول إلوار، تخلصا حقيقيا من عقدة الأنا في مستوى أول على الأقل. لقد أتاح لي النص البسيط الذي حصلت عليه بعد مجهود عظيم – بحكم عدم التخصص وربما التطاول لحظتها على مجال إشكالي مركب (الترجمة) – الخروج من قوقعة لم أعرف أنها كذلك إلا من خلال اكتشافها من الخارج عبر الآخر. صار للشعر لدي معنى مختلف، خاصة عندما اطلعت على المزيد من التجارب العربية الأدبية الشعرية، بداية من التيار الرومانسي إلى التيارات الحديثة والمعاصرة التي نهلت أصلا عن طريق الترجمة بتجليات عدة من معين الثقافة الغربية والثقافات العالمية. فتمثلت معان جديدة ولقحتها لتنتج الانفتاح والبحث والخلق…

وبطبيعة الحال، فإن مجال التربية لا يمكن أن يخرج عن هذا الرهان، وإلا ظل منغلقا على ذاته. والواقع أن التحولات التي يعرفها المجتمع، في سرعتها وتمظهراتها التي تكاد تكون مفارقة ومعقدة، تتطلب انفتاحا منهجيا يتجاوز الانفتاح المفروض والعولمة التي صارت واقعا قائما، من أجل إعادة التفكير في معيقات الفعل التربوي، في شقيه الأساسيين: أزمة القيم وأزمة المناهج. وإذا كان الأمر يتطلب تبني الفلسفة العملية كما يرى الأستاذ عبد اللطيف الخمسي في كتابه: رهانات الفلسفة وبيداغوجيا القيم الإنسانية. من خلال تصور جديد للعالم يقوم على الانخراط في المجال العمومي واليومي من أجل بناء القيم والمعنى عامة ولدى المتعلم خاصة ارتباطا بالدرس الفلسفي[15]. فإن من بين ما يحتاج إليه هذا العمل المسؤول كما سماه؛ الترجمة، بما هي مواكبة فعلية ومنهجية على المستوى المكتوب لما يمكن أن يغني تجربتنا ويحقق لها الخروج من حالة الكمون والدورانية المغلقة والفارغة، وذلك دون تعسف يتجاوز المعطى الخاص ليزيد الواقع سوءا.

إن من شأن الترجمة في مجال ديداكتيك الفلسفة خاصة، إخراجه من الفراغ وغياب الكتابات التي تتناوله والتي لا تعدو بدورها أن تكون في معظمها ترجمات قليلة. ولقد وقفنا كأساتذة للفلسفة متدربين على هذا الواقع من خلال المراجع التي زودنا بها الأساتذة المؤطرون أو التي أحالونا عليها. وهذا ما يقتضي التفكير في الترجمة قبل البحث التربوي التدخلي. وإذا كان من الممكن أن يلجأ الباحث للمراجع بلغتها فالأحرى أن يجد ترجماتها في المتناول تيسيرا وتفاعلا وإثارة لما يمكن أن يتولد من الانتقال من اللغة الأصلية إلى لغة الترجمة من معان جديدة وأفكار مغايرة، بحكم اختلاف الثقافة والواقع والمعطيات المختلفة.


توفيق بوشري – المغرب

 شاعر فرنسي (1895 – 1952).Paul Éluard ملقب بـ:  Eugène Émile Paul Grindel  [1]

[2] بول ريكور، عن الترجمة. ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف. الجزائر. 2008

P.Ricoeur : sur la traduction. Paris. 2004

[3]  بيان الترجمة، مقال، أنطوان بيرمان. ترجمة إدريس كثير، عز الدين الخطابي. مجلة هرمس المصرية. مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة. المجلد 3. العدد 1. 2014

الكتاب الأصلي: Antoine Berman : j’épreuve de l’étranger.ed. Gallimard. 1984, pp. 11/24

[4]  المرجع نفسه.

[5]  المرجع نفسه.

[6]  أدونيس: ورقة بعنوان: لماذا نترجم؟ ماذا نترجم؟ كيف نترجم؟ ألقيت خلال مؤتمر المعرفة الأول بدبي. الإمارات ع م. 2014

[7]  المرجع نفسه.

[8]  Heidegger. M, Essais et conférences, 1958. Trad. de l’allemand par André Préau. Préface de Jean Beaufret. Collection Tel (n° 52), Gallimard. 1980.

[9] الحسناوي، مصطفى: دريدا: الترجمة، الكتابة. النص الشبح والنص الأيقونة. مجلة كتابات معاصرة، بيروت، مج 7، ع 25، شتنبر- أكتوبر 1995. ص: 12، 13، 14.

[10]  المرجع نفسه.

[11] Endettement.

( Il faut traduire.

Toute langue, tout texte, demande à être traduit. L’oeuvre nous met en dette : Je dois la traduire, et aussi elle est en dette vis-à-vis de nous : Je ne survis que si l’on me traduit. Ce double endettement commande la loi de la traduction : bien qu’elle soit impossible, elle est nécessaire.) Pierre Delain – “Les mots de Jacques Derrida“, Ed : Galgal, 2004-2013. Page créée  le 25 août 2005. http://www.idixa.net/

[12] Dette.

[13]  الحسناوي، مصطفى: دريدا: الترجمة، الكتابة. النص الشبح والنص الأيقونة. مجلة كتابات معاصرة، بيروت، مج 7، ع 25، شتنبر- أكتوبر 1995. ص: 12، 13، 14.

[14]  بيان الترجمة، مقال، أنطوان بيرمان. ترجمة إدريس كثير، عز الدين الخطابي. مجلة هرمس المصرية. مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة. المجلد 3. العدد 1. 2014

[15]  عبد اللطيف الخمسي، رهانات الفلسفة وبيداغوجيا القيم الإنسانية. دار التوحيدي للنشر. 2013.

شاهد أيضاً

“تواصل” بطعم الإباحية !!!

بقلم: هناء السعيد – مصر هناء السعيد لم تعد هناك خصوصية، المساحة الشخصية نكتة مبكية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *