الرئيسية / ترجمة / الفلسفة كنمط للعيش عند سقراط، ترجمة يوسف اسحيردة

الفلسفة كنمط للعيش عند سقراط، ترجمة يوسف اسحيردة

بقلم Louis-André Dorian

إذا كانت الفلسفة تعني بالنسبة للقدماء نمطا من العيش، فسقراط هو فيلسوف بدون منازع باعتباره يتقمص هذا التعريف إلى حد التماهي. فهو لم يمض معظم حياته في التفلسف من أجل تحسين حياته فحسب، ولكنه دفع حياته ثمنا لتصوره هذا.

يمكن للفلسفة أن تشكل نمطا للعيش من خلال طريقتين. أولا، فواحد من أهم مشاغل الفلسفة، كما ينظر إليها سقراط، هو التوفيق  بين الحياة والأفكار، بين الأفعال والأقوال.  يتعلق الأمر بمصالحة الأفعال مع الأقوال لدرجة تصبح فيها تصرفاتنا مطابقة لأفكارنا وخطاباتنا، مع أن هذا الأمر يتطلب، على الأقل في البداية، نوعا من الأسبقية للفكر على الفعل. على كل حال، فسقراط مقتنع أشد الاقتناع بأنه لكي يتصرف المرء بشجاعة أو عدالة، يجب عليه أن يعرف أولا ماذا تعنى الشجاعة والعدالة. من هنا ذلك البحث المتواصل، في حوارات أفلاطون، عن تعريفات متعددة لمختلف الفضائل الأخلاقية. سقراط كان متأكدا بأن معرفة مختلف الفضائل سيؤدي، لا محال، بالشخص الذي يمتلك هذه المعرفة، إلى تصرف يحترم علم الفضيلة،  بحيث يستحيل التصرف بفضيلة دون معرفة معنى مختلف الفضائل. إذا فميل سقراط المتواصل إلى تعريف مختلف الفضائل، ليس نابعا من إرهاصات نظرية أو فكرية  باعتباره كان يبحث عن معرفة لذاتها، ولكنه نابع من انشغالات وظيفية من حيث هي في صالح استقامتنا الأخلاقية وسعادتنا، باعتبار أن هذه الأخيرة هي النتيجة المنطقية لحياة فاضلة. بصيغة أخرى، ليس بوسعنا التأكد من كوننا نعيش حياة خيِّرة دون أن نتساءل مسبقا حول طبيعة الخير. وبالتالي، فعلى الفيلسوف أن يجتهد من أجل تحصيل المعرفة التي تنقصه، على أمل أن تساعده هذه المعرفة في عيش حياة أساسها الخير والفضيلة.

في المقابل، وبما أن سقراط لا يكف عن التنبيه إلى جهله بمختلف الفضائل، فكنا ننتظر، من خلال حياته نفسها، ألا ينجح بالكامل في تجسيد ذلك الوفاق التام بين التصرفات والمعرفة. وبالتالي يصبح الأمر في غاية التناقض حين يقدم أفلاطون، باستمرار، سقراط على أنه الشخص الذي يجسد بنجاح تام الفضيلة التي هي موضوع الحوار والبحث عن التعريف. وعلى هذا المنوال، فما من شك أن “يوثيفرون” يقدم سقراط كرمز للورع، و”خارميدس” يقدمه كمثال للاعتدال، و”لاخيس” يركز على شجاعته، و”كريتو” يؤكد على احترامه للقانون، وأخيرا ” ليسيس” يقدمه كصديق بامتياز.

— أن تقبل الخضوع للاختبار—

وفق الطريقة الثانية في التعامل مع الفلسفة كنمط للعيش، الفيلسوف هو الشخص الذي يسخٍّر حياته بالكامل لاختبار نفسه واختبار الآخرين. في “دفاع سقراط”، يخبرنا أفلاطون بأن الاله أبولو ، عن طريق الكاهن دلف، قد أمر سقراط بأن يعيش متفلسفا، أي أن يمضي بقية حياته في اختبار امتلاك الآخرين، من عدمه، لمختلف المعارف التي يدعون امتلاكها حول أهم المواضيع : الخير وباقي الفضائل. سقراط الذي أطاع هذا الأمر، سخَر حياتها بالكامل لهذه المهمة، لدرجة نسي معها بيته، واجباته الأسرية، وسقط في حالة فقر مزرية.

لكن ماذا يعني، في الحقيقة، اختبار الذات والآخر؟ الجواب على هذا السؤال، يسمح باستجلاء العلاقة الكامنة بين هاتين الطريقتين في التعامل مع الفلسفة كنمط للعيش. بما أن معرفة الخير وحدها، هي التي تضمن لنا عيش حياة خيّرة، وبما أنه، من الصعب، علينا لوحدنا التأكد من امتلاك هذه المعرفة فعليا، يصبح، من الضروري، قبول الخضوع للاختبار الذي يأخذ شكل حوار نحاول من خلاله الانتباه إلى ما نعتقد أننا نعرفه، بحيث يساعدنا هذا التمرين في الحكم على امتلاكنا لهذه المعرفة من عدمه. إذا اتضح بأن الشخص الخاضع لامتحان سقراط، يجهل ما يعتقد معرفته، يستخلص سقراط من ذلك أن هذا الشخص عاش حياته كاملة جاهلا لمقومات الحياة الخيّرة. بالموازاة مع إخضاع محاوريه للاختبار، يمتحن سقراط نفسه أيضا، باعتبار أن الأجوبة التي يقدمونها، من شأنها مساعدته على مراجعة آرائه. سقراط لا يتردد، من خلال فقرة رائعة من حوار “دفاع سقراط”، في التأكيد على الحقيقة التالية : حياة لا تخضع للنقد والمراجعة، هي حياة لا تستحق أن تُعاش.    

يمكن للفلسفة أن تشكل نمطا صارما للعيش في حالة ما إذا كان الفيلسوف هو ذلك الشخص الذي يقبل، في إطار حوار متواصل مع الآخر، بأن يرجع بانتظام إلى حياته قصد التأكد، بالتنسيق مع محدثه، من مدى امتلاكه لتلك المعرفة التي ستضمن له حياة خيِّرة. وبالتالي فليس مفاجئا، في هذه الظروف، أن يحذر سقراط القضاة من مغبة منعه من التفلسف، لأنه سيرفض الامتثال لأوامرهم. التوقف عن التفلسف، لا يعني عصيان أوامر الإله فحسب، بل عيش حياة لا تراجع نفسها، حياة لا تستحق أن تُعاش.

المصدر :  Sciences Humaines, Les grands Dossiers n°43, La philosophie un art de vivre

شاهد أيضاً

سيكولوجية الدولة الشمولية

حواس محمود إن سيطرة الدولة الشمولية في العالم العربي لفترة تقارب أو تزيد عن نصف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *