الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / يوسف اسحيردة: العيش الحكيم

يوسف اسحيردة: العيش الحكيم

بغية حصر مجال اشتغال الفلسفة، قام كانط بطرح ثلاثة أسئلة أساسية : ماذا يمكنني أن أعلم؟ ماذا عليّ أن أفعل؟ ما الذي يحق لي أن آمله؟ غير أن الفلسفة الحديثة، وإن كانت قد أوفت السؤالين الأول والثاني حقهما، فقد أهملت السؤال الثالث والأهم. ليست مهمة الفلسفة، على الأقل عند القدماء الإغريق، هي وضع المناهج وتشييد الأنظمة، بقدر ما هي مساعدتنا على العيش، وعلى مواجهة الخوف الأكبر: العدم. “لم تكن قيمة القول الفلسفي في كونه تبريرا مجردا لنظرية، وإنما هي ما يتولد عنه من مفعول، فلم تكن وظيفته لتكمن في أن يُطلع على معلومةinformer، وإنما في أن يُكوًن المتلقي ويمرّنه former”  (الفلسفة فنا للعيش، عبد سلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر). غير أن إهمال هذا البعد العلاجي للفلسفة، منذ كتب الروماني بوثيوس “عزاء الفلسفة”، ستكون له عواقب وخيمة على نظرة العامة إلى الفلسفة والفلاسفة.

وباعتبار أن الفلاسفة القدماء لم يكونوا بحاجة إلى الكتابة عن الفلسفة، إذ كانوا يعيشونها- شخصيات كسقراط وديوجين تشهد على هذا الأمر- فقد صار هناك خلاف حاد حول من الأحق بلقب فيلسوف، حتى وصل الأمر بدافيد تورو إلى القول في القرن 19 : ” في أيامنا هذه، يوجد الكثير من أساتذة الفلسفة، لكن لا يوجد فلاسفة.” غير أننا نظل مدينين للفيلسوف الفرنسي بيير هادو لإحيائه هذا التصور عن الفلسفة، باعتبارها نمطا للعيش وتمارين روحية. فكيف حدث هذا الاكتشاف؟ هي المصادفة لا أقل ولا أكثر كما اعترف الفيلسوف نفسه لمجلة “فلسفة” الفرنسية سنة 2008. فحينما كان يشتغل على نص قديم لفيلسوف روماني يدعى  ماريوس فيكتورينوس، استوقفه تناقض كتاباته وعدم انسجامها، ليصل في آخر التحليل إلى خلاصة مفادها “أن هؤلاء الكتاب كانوا يؤلفون، ليس من أجل تقديم  منظومة فلسفية ما أو أي نظرية متناسقة أخرى، بل كان كل هدفهم هو  خلق مفعول لدى المتلقي. كان همهم هو تشغيل عقل المستمع أو القارئ حتى يضع نفسه في وضعية معينة”. بعد ذلك، توالت الإصدارات في هذا السياق، فكتب ميشال فوكو “الانهمام بالذات”، ليلحق به كل من اوندري كانت سبونفيل، لوك فيري وميشال أونفري…

في العالم العربي، يظل حضور هذا البعد في التفلسف باهتا، نظرا، ربما، لأن الإله قد مات في أوروبا وليس في العالم الإسلامي. فحالة الخواء التي أصبح يعيشها الإنسان الغربي، شجعت، نوعا ما، على البحث عن بديل روحي آخر غير الدين باعتباره لم يعد كافيا لتلبية متطلبات الإنسان العصري. في العالم الإسلامي، لا زال الدين يهيمن على الحياة الروحية، راميا الفلسفة إلى داخل جدران المدرجات الجامعية. في حالة المغرب، يساهم أساتذة الفلسفة في الجامعة، في استفحال هذا الوضع المزري. فبين مزجها بالخطاب الديني، وشحنها بالاستدلالات المجانية والشاقة، فقدت الفلسفة تلك الروح التغييرية التي أرادها لها الحكماء الإغريق : “لا أولي عناية لفيلسوف إلا بمقدار ما يكون قادرا على أن يكون قدوة..بيد أن القدوة ينبغي أن تعطى عن طريق الحياة المعيشة الجلية، وليس فحسب عن طريق الكتب والمؤلفات، أعني أنها ينبغي أن تكون على الطريقة التي كان يعلم وفقها فلاسفة اليونان، أي عن طريق السمياء والمظهر والهيئة والملبس والغداء والعادات، أكثر مما هي عن طريق ما يُقال، بل وحتى ما يُكتب” ( نيتشه، شوبنهاو مربيا).

شاهد أيضاً

شذرات فلسفية وتعقيب

علي محمد اليوسف/الموصل شذرة 1: الفكر واللغة اختلاف الفكر عن اللغة, هو أن التفكير فعالية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *