الرئيسية / أدب وثقافة / نصوص / امرأةٌ على أجنحة الرغبة[1] عندما تصرخ المرأة

امرأةٌ على أجنحة الرغبة[1] عندما تصرخ المرأة

بقلم محمد بدازي – المغرب

محمد بدازي – المغرب

يُقرأُ النصّ الأدبيُّ، في نظرِنا، لثلاثٍ: لأسلوبه، أو لحكايته/قصته، أو –وهذا هو الأهم عندنا- لقضيته أو فكرته. ونحنُ بعد قراءتِنا لنص الكاتبة المغربية الشابة سلمى بوصوف، وجدنا أنه نصٌّ يحكي عن معاناة امرأةٍ (الحكاية) بأسلوب سلسٍ ورائقٍ (الأسلوب)، والأهم، أنه يناقش قضية شائكة هي قضية معاناة المرأة المتحررة داخل المجتمع المغربي المحافظ.

إن قارئ “امرأة على أجنحة الرغبة” يجد نفسه أمام نصٍّ مُستنكرٍ لواقع المرأة في الشرق (المغرب بالتحديد)، إذ تنتقد الكاتبة ذلك التّصور التقليدي (الذكوري) الذي يضعها في صورة دونية أمام الرّجل، ويحصر دورها في الزواج والإنجاب وخدمة الزوج… بالتالي، يقف سدا منيعا أمام طموحاتها وأهدافها. فالمجتمع الشرقيّ –تقول الكاتبة- “يظل يُلاحق المرأة منذ ظهور علامات أنثوية بين ثنايا جسدها الغض حتى تصطاد عريسا، وبعد أن تتزوج يجري خلفها محملا بالاستفسارات والأدعية والمتمنيات، والوصفات الشعبية… إلى أن تنجب، وبعد إنجابها واستنزاف طاقتها وشبابها يهملها ويهمشها في أحد أركانه لأنها أكملت دورها في الحياة، وكأن المرأة سلعة لها تاريخ صلاحية”[2].

تعيش، إذن، المرأة المغربية (والعربية طبعا) واقعا مأزوما ساهمت في فُشُوِّهِ عدة أسباب: منها التقاليد، والأعراف، والقوانين، والفهم الضيق للدين… غير أن الكاتبة تقف عند مساهمة المرأة نفسها فيما هي فيه: واقعُها المأزوم. فبطلة الرواية مريم تتحدثُ عن أمها التي ترفض طلاقها من زوجها عدنان والتي طالما “تغنت بتلك الشعارات القديمة التي تمجد صبر المرأة على هفوات زوجها والتي كانت تحفظها عن ظهر قلب…”[3]. وتقول في معرضٍ آخر: “تزوجتُ بكل حماقة المرأة المغلوبة على أمرها التي تعتقد أن لا بد لها من رجل يتزوجها ويحميها”[4]. إن المرأة بهذا المعنى، أي عندما تضع الزواج كأهم هدفٍ لها في الحياة، وتُهمل، في مقابل ذلك، أهدافا أخرى مثل التكوين الذاتي والوظيفة، فإنها تحكم على نفسها بأن تكون قاصرا يحتاج إلى وصي عليه؛ ماديا وفكريا وروحيا.

هذا دون -طبعا- نسيان المجتمع وتكريسه لوضع المرأة. فالتنشئة الاجتماعية تلعب دورها مهما في جعل المرأة مجرد أداة أو وسيلة لخدما الرجل وطاعته. تقول هيام صديقة مريم: “تولد المرأة في مجتمعنا لكي تعيش وتفكر وفق قوالب جاهزة سابقة لمجيئها؛ إذ نعدها كائنا فاقد الأهلية وجدت في هذا الكون لتنجب وتربي دون أدنى اعتبار لمشاعرها، ورغم القوقعة التي نصر على حبسها فيها، يمكن أن لا تكون نسخة من القطيع”[5]. أما إذا خالفت تلك القوالب الجاهزة والسابقة لمجيئها، فإنها –ودون أدنى شكٍ- ستعاني الويلات. وذلك ما حصل مع البطلة بعد طلاقها. تقول: “الرجال والنساء يفتحون عيونهم في دهشة، عيونهم التي كانت تتحرك ككاميرات، بينما يرمقونني بنظرات جوفاء مبطنة بمعاني الاتهام[6].

لقد حاولت الروائية سلمى بوصوف، من خلال مريم وهيام، تقديم مثال لمعاناة المرأة المؤمنة بقيم الحرية والاختلاف داخل مجتمع لا يقبل الاختلاف أصلا ما بالك أن يأتي من طرف امرأة. فمريم الأستاذة تختار الطلاق من زوجها الذي أراد أن يُخضعها له، أما هيام  فقد كانت شدة معاناتها أكبر، وهي المعاناة التي وصفتها الروائية بشكل مُمعن في القساوة.. تلك القسوة التي تضع المرء أمام حافة الموت.

لا يتوقف نص “امراة على أجنحة الرغبة” عند الواقع المأزوم  للمرأة، ولا يتوقف عند الصورة السلبية لها، بل يقدم نموذج المرأة المكافحة التي تصارع من أجل اعتراف الغير (المجتمع) بها. وذلك ما وصلت إليها مريم رغم المعيقات. تقول: “لا، لن أبقى على هذه الحال… علي تحطيم الجذران وتخطي العقبات… علي الآن أن أكون قوية بما فيه الكفاية لأعيش حياتي كما أريدها أنا وليس كما تفرض علي من لدن مجتمع منافق وعجوز”[7]. ستناضل مريم ضد الزوج وضد الأم وضد المجتمع… وستعيش لوحدِها بعد الطلاق من زوجها عدنان، وستعود إلى ذاتها وتؤسس جمعية للدفاع عن النساء ضحايا العنف[8].

إننا أمام رواية تميط اللثام عن بعضٍ من مشاكل المجتمعات المتخلفة؛ معاناة المرأة. ولذلك نقول إننا أمام صهيل امرأة أو صراخها. فالمرأة في النص، مريم تحديدا، صرخت ضد التقاليد وضد الأعراف البالية… وحققت ما تبتغيه. ولهذا، فنحن لا نتف مع الكاتبة حول العنوان (امرأة على أجنحة الرغبة) الذي يتشكل من مفهومين رئيسيين: المرأة والرغبة. فإذا حضرت -وبقوة- المرأة، فإن مفهوم الرغبة يكاد يكون غائبا اللهم في فقرة صغيرة تقول فيها مريم: “كان يمتطي جسدي للحظات لا غير، دون أن يفهم رغباتي، دون أن يهتم إلى أن هذه اللحظات تستوجب توافقا وانسجاما روحيا من الطرفين…”[9]. في مقابل ذلك، حضر، وعلى امتداد النص، صراخ أو نضال المرأة ضد واقعها.

من هنا، نرى أننا أمام صهيل أو صراخ امرأة.


[1]  سلمى بوصوف، مؤسسة الرحاب الحديثة-بيروت، الطبعة الأولى 2018.

[2]  ص 70.

[3]  ص 13.

[4]  ص 15.

[5]  ص 33.

[6]  ص 94.

[7]  ص 75.

[8]  انظر ص120.

[9]  56.

محمد بدازي – المغرب

شاهد أيضاً

في ماهية المجهول ثمة شيء معقول ..!!؟

بقلم/ يونس عاشور شخص ما..؟ يمشي نحو الشاطئ .. ليغادر فوج الأشرار بحرية.. قبل وصول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *