الرئيسية / فكر وفلسفة / مقالات / هل للشغف قيمة؟ المهدي تجديد

هل للشغف قيمة؟ المهدي تجديد

La passion comme valeur !

المهدي تجديد – المغرب

نابليون وشغفه لإعلاء بسط سلطته

عندما نذكر كلمة “شغف” فإننا نتحدث عن عاطفة وعن استعدادات نفسية ممتدة في الزمن تمس بالأساس “الوعي الإنساني” حيث  تحتل مكانة الصدارة من حيث أولويات الفرد . وعندما نذكر “قيمة” شيء ما فإننا نعبر بها عن أحكام ايجابية تجاه هذا الشيء. فمعنى موضوعنا إذا أردنا إعادة صياغته:هل من الممكن ومن المشروع أن نعطي قيمة مثلى للشغف الذي قد يقوم بالاستجابة إلى رغبات  الروح  ضاربا بعرض الحائط ما هو عقلي وماهو موضوعي. وهنا تطرح أسئلة متشعبة من قبيل:إلى أي حد يمكن إدماج الشغف في ما هو عقلي؟أليست هذه العاطفة قد تحيل غالبا إلى ماهو سلبي؟ ألا يمكن إعمال العقل للتحكم في هذا الشغف؟إلى أي مدى يمكن الحديث عن مزايا “الشغف” الذي قد يؤدي إلى دمار الفرد ،دمار روحي بل قل وجسدي؟

أفي الشغف ضعف للإنسان؟

انطلاقا من تعريف “الشغف” لا يمكن الحديث عن ما هو” ايجابي”  أو عن “حكم ايجابي” . كيف يمكن تقييم ايجابيا  ماهو “لا عقلاني” أو ما  قد يشبع- بشكل قد يكون مرضيا- الروح؟أليس الشغف  قادر على إلغاء الحرية الشخصية عوض أن يكرسها؟ فالحديث عن “الشغف” هو حديث عن مرض عاطفي لا يخرج منه الفرد إلا بصدمة عاطفية مضادة  أو بعلاج مقصود. لا يمكن، إذا في هذه الحالة، الارتقاء بهذا “الشغف” إلى ما هو ايجابي.فالفرد نفسه لا يقدر على السيطرة  على شغفه لأنه  خاضع له ومقيد به. فأين تتجلى في هذه الحالة قيمة الشغف؟ فالشغف هو سم لاذع للروح كما أكد على ذلك بنجمان فروكلان في كتاباته.

يتميز إذن الشغف بخاصيتين:السلبية و فقدان العقلانية في تدبير الحياة الشخصية.

لكن الا يمكن أن نجد أمثلة مضادة تعلو من شأن “الشغف” وتعيد بذلك تعريفه وتقييمه؟

نحو إمكانية الإعلاء من شأن الشغف كقيمة

ألا يجب إعادة  النظر في مسألة “الشغف” كقيمة إنسانية وجب احترامها؟هذا  فعلا ما قامت به فلسفة الأنوار وخصوصا ما جاء به “روسو” ، فقد استنتجت هذه الفلسفة انه يمكن  اعتبار الشغف كطاقة ” ايجابية وحقيقية ” تستحق المدح والاحتفاء بها.فالشغف قادر على السمو بالأنا  والتحكم بذلك على خبايا الكون،فالبطل الرومانسي – مثلا- في الأدب يلج بسهولة الى “اللانهاية” لإشباع حاجته الروحية المطلقة .

وكل  هذا بفضل هذا الشغف الذي يلعب هنا  دور “الوسيط”.وكمثال على ذلك ما قالته  بطلة قصة رواية « les Hauts des Hulvents » “الشغوفة ب Heathcliff “هيتكليف”:” ما ذا يعني وجودي دونه فهو -في الأصل-  سببه، فإذا ذهب الكل وبقي هو وحده سابقي لأجله فقط، لكن إذا بقي العالم كله وذهب “هيتكليف” سيصبح هذا الوجود بدون معنى يذكر”

وبهذا يمكن إعادة تعريف الشغف- ولو أدبيا في هذه المرحلة من حجاجنا-بكونه يسمو بالإنسان إلى ما هو روحي-قيمي،إنها عاطفة قوية متحركة و حقيقية  على حد تعبير فلاسفة الأنوار، فيمكن انطلاقا مما سبق التحدث بإيجابيه عن هذه الحالة الإنسانية الصرفة.وبعيدا عن الرومانسية،هناك مثل ” اوسكار وايلد”   Oscar wildeفعبر شغفه    الغريب بللورد دوغلاس Lord Douglas  ورغم انه نجح أدبيا فانه  فشل في حياته حيث  واجه مأساة الحكم عليه بالأعمال الشاقة  لمدة سنتين.فانتصاره كان أدبيا

 بامتياز!

نأخذ مثلا آخر يتلخص في تجربة “بروست”Proust، فقد كان شغوفا بالكلمات، وكان يطمح  إلى  تخليد ذاكرته من خلال عمله العملاق “” بحثا عن الوقت الضائع“”،فقد كان قابعا في غرفته ليل-نهار  للبحث عن الكلمة المناسبة والجملة المناسبة  في خطاب سردي-فكري عن رمزية الزمن والوقت لشخصيات ماتت وأخرى على  أهبة الاندثار.انه شغف الكتابة الذي يسعى عبره “بروست” الى سبر اغورار مفهوم “السعادة”انطلاقا من فعل التذكر والتي في نظره جوهر الأشياء.

من هذا كله نلمس الطابع الإبداعي للشغف ومن تم جانبه الايجابي في مجال الفنون والأدب والعلوم أيضا بصفة عامة. وبما أن الشغف يعطينا إبداعا لا يمكن إلا أن نحتفي به ونقدره.

الشغف كقيمة تاريخية

الأمثلة على التأثير الإيجابي للشغف كثيرة في الفنون  و الأدب .  لكن ألا يمكن  أن يلعب دورا أساسيا في التاريخ البشري بشموليته؟ فقد أكد “هيجل” على هذا الدور فأعطى أمثلة  عن “سيزار” و”نابوليون”  وآخرون حيث عمل هؤلاء العظماء  على تركيز طاقتهم  على شيء واحد ألا وهو موضوع شغفهم وهنا يصبح “الشغف”  محفزا تاريخيا يسمح بانجاز أعمال كبرى خالدة  فتركوا لنا موروثا ثقافيا ومعماريا مهما  انجازات الامبراطور الروماني “ادريان”   Hadrienخير دليل على ما قلنا. فشغفه في بسط سلطته جعلت من امبراطوريته حضارة يضرب بها المثل عبر العصور.

وهنا الشغف يكون مرادفا للمنفعة التي تدحض أو تجمع لصالحها باقي المنافع الثانوية لتركز  على هدف واحد. و تحقق هذه المنفعة بذلك حاجات الفرد وقوته. وهذا كما أكد عليه “هيجل” : “”كل شيء عظيم في هذا العالم وراءه  شغف فبدونه لا ترقى الحضارات””.

حكم ادريان الامبراطور الروماني

وأخيرا وليس آخرا، نستنتج أن الشغف بعيدا كل البعد عن ما هو مرضي أو عن ما هو سلبي ، انه عاطفة  متحركة و مبدعة تقود الى “اللا متناهي” والجمالي والروحي.

  وهذا الشغف  يؤدي أيضا إلى الإبداع التاريخي و يستحق منا إذا الاحتفاء به ووضعه في رتبة هامة في حياة الفرد-الايجابي . فحتى أفلاطون خصص كتابا كاملا حول تقديس ومدح الحب كشغف  في إطار فلسفي رائع في كتابه “الوليمة”.

وهكذا فان معنى “الشغف” يتحول و يتطور تدريجيا لأنه ينتقل من مرحلة عارضة خارجة عن الذات إلى مرحلة تعاش لحظة بلحظة في كلام  الفرد  وأنشطته فتعطي للوجود معنى ومذاقا . فالشغف باعتباره  مصدرا للمعاناة يصبح ارتكازا على ماقلناه مصدرا لسعادة الروح المتطورة بل قل والمبدعة.

*من انجاز الطالب-المفتش شعبة اللغة الفرنسية المهدي تجديد – الرباط.

شاهد أيضاً

فلسفة الحياة …. مداخلة نقدية

علي محمد اليوسف تعريف اولي أراد فلاسفة الحياة نقد الميراث الفلسفي الاوربي لثلاثة قرون (1600م …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *