الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / التشعب البشري الكبير، ترجمة: رشيد الدكالي

التشعب البشري الكبير، ترجمة: رشيد الدكالي

بقلم: Jean-François Dortier

انفصلت السلالة البشرية عن باقي القردة العليا hominidés الأخرى منذ خمس إلى سبع ملايين السنوات.  ويمكن اختزال هذا التطور في أربع مراحل رئيسية تميزت بالإبتكارات الرئيسية.

ما الذي اكتشفناه عن أصولنا، في 150 سنة من البحث في عصور ما قبل التاريخ؟ للقيام بقياس معرفتنا (والالغاز التي لا يزال يتعين القيام بحلها)، دعونا نرجع قرنين من الزمن للوراء، حيث اللحظة التي اتخذ فيها هذا العلم خطواته الأولى. ففي تلك الفترة، أي حوالي 1820-1830، يمكن تلخيص ما نملك من معرفة حول اصولنا في كلمتين: هي لا شيء تقريبا. فالرواية الكنسية السائدة كانت من الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل/ العهدان القديم والجديد): أي آدم، الذي هو أول إنسان قد خلقه الله في اليوم السابع من الخلق من خلال قطعة من طين. وكانت النتيجة قصة عجائبية، حيث كان هناك حديث عن الجنة الأرضية التي ثم طرد البشر منها بعد الخطيئة الاصلية، ولجريمة القتل بين الأشقاء، تم فيها قتل قابيل لهابيل، وثم بعد ذلك طوفان كبير ومغامرات أخرى غير عادية.

إلا أنه، بحلول القرن الثامن عشر، بدأت رؤية جديدة في الظهور لأصول البشرية. لقد اقترح كارل فون ليني Carl Von Linné، في سنة 1758، تصنيفا للأنواع، الإنسان، الذي أعيدت تسميته من جديد بالهومو سابينس، الذي ظهر كنوع من بين الأنواع الأخرى. وبالتالي، فقد تمت إعادة إدخال الإنسان في الكائن الحي. وفي الحقبة نفسها، نشر جون جاك روسو خطابه حول أصل التفاوت (1754) Discours sur l’origine des inégalités. حيث يقترح نظرية لظهور الإنسان، اللغة، الثقافة، القوانين، التي لا تستدعي فكرة الله بقدر ما أن المسألة خضعت لسيناريو تطوري، وأول إنسان ينظر إليه على أنه حيوان متوحش تقريبا، يتوصل تدريجيا للحضارة (لسوء حظه الأكبر). ومع بداية القرن التاسع عشر، تصور عالم الطبيعة لا مارك في فلسفته للحيوان، بوضوح أن الإنسان ولد “رباعيا quadrumane” يعيش في الأشجار. وقد ظهر كتابه في عام 1809، وهو العام الذي ولد فيه تشارلز داروين. ولذلك فإن فكرة تطور الإنسان من الحيوان، كانت حاضرة بقوة ومنتشرة كذلك في الأوساط العلمية، بما في ذلك من أماكن أخرى داخل الكنيسة.

إلا أن هناك شحا على مستوى المعطيات القوية المتاحة لإعطاء دلائل على التطور وبناء سيناريو بديل قوي على الكتاب المقدس.

ويعتبر الدنماركي كريستيان يورغنسن طومسون Christian Jürgensen Thomsen واحدا من المؤسسين الأوائل لعلم ما قبل التاريخ. ففي عام 1830، نشر دليلا للعصور الإسكندنافية، صنف فيه مراحل ما قبل التاريخ إلى ثلاث حقب زمنية: “العصر الحجري l’âge de pierre “، “العصر البرونزي l’âge de bronze ” و”العصر الحديدي l’âge de fer “. وفي الوقت نفسه اكتشف جاك بوشر دي بيرثس Jacques Boucher de Perthes، الذي يعتبر في فرنسا “أبو عصور ما قبل التاريخ”، على ضفاف أنهار السوم Somme العديد من الأدوات الحجرية التي، وفقا له، ثم نحتها من قبل إنسان في فترة “ما قبل الطوفان antédiluvienne”. وسوف تمر عشرون سنة قبل أن يقبل الوسط العلمي بهذه الفكرة.

فماذا نعرف اليوم عن البشر الذين صنعوا هذه الأدوات؟ في عام 1856، أضاف اكتشاف في نياندر Neander، في المانيا، لحفرية لجمجمة ذات خصائص بدائية عنصرا أساسيا في اللغز. وبعد مناظرات صاخبة، سيتم التعرف على إنسان النياندرتال Néandertal كأول شاهد على وجود “إنسان ما قبل التاريخ”.

ستتوالى الإكتشافات الأخرى بعضها البعض مثل جمجمة الإنسان المنتصب Homo erectus من قبل أوجين ديبوا Eugène Dubois سنة 1871 –وهي نفس السنة التي نشر فيها داروين أصل الإنسان The Descent of Man. وسيتم عرض فن ما قبل التاريخ للدراسة (اللوحات الجدارية، فن الأثاث). وستزكي وتنشط النظرية التطورية هذه الإكتشافات التي ظهرت في الوسط العلمي.

لقد أصبحت عصور ما قبل التاريخ والأركيولوجيا، في نهاية القرن التاسع عشر، هي العلوم الرائدة. وسيبدأ الإندفاع نحو البقايا-الأحافير البشرية، والحجارة المنحوتة، والكهوف المزخرفة. سنكتشف، وننبش، ونحفر، ونصنف، ونؤرخ، ونخمن… سيتم تحديد الزمنية (العصر الحجري الأوسط أو العلوي، الحضارة الاشولينية acheuléenne، الموستيرية Moustérien، الجرافيتانية المجدولينية Magdalénien Gravettien). وتدريجيا تم وضع قطع على اللغز الواسع لأصولنا في مكانها…

سلف الإنسان يأتي من سلف مشترك مع القردة العليا (جور gore، الشمبانزي، إنسان الغاب orang-outang) الذين عاشوا منذ أكثر من 7 ملايين سنة. يتميز السلف البشري بالثنائي bipédie (Toumaï والأورورين توجنسيس  Orronin)، وهو ما يستمر مع الاسترالوبيتيكس australopithèques، ثم الهومو القديم (الإنسان المنتصب erectus، الماهر habilis، العامل ergaster) واخيرا بسابنس Sapiens. فالتطور كثيف: بحيث انه مر عبر العديد من الأنواع المنقرضة اليوم.

تاريخ في أربع أزمنة

أين نحن، بعد قرنين من الزمن؟ يمكن وصف تاريخ السلالة البشرية في أربع مراحل رئيسية: 1- زمن يرتبط بالقردة العليا الأوائل (أسلاف مشتركة من القردة العليا والسلف البشري)، 2- زمن الاسترالوبيتيكاس (سيما لوسي والقدم الصغير)، 3- زمن الإنسان القديم (هومو هابليس، هومو إيركتيس، إلخ)، وأخيرا زمن الهومو سابينس وأبناء عمومته النياندرتال Néandertal والدينيزينوفا Denisova  الذين تواجدوا معه.

  1. القردة العليا الأوائل

إن البشر الحاليين هم أبناء عمومة (وليسوا أحفاد) للشامبانزي: نتشارك معهم اسلافا مشتركة عاشت منذ 5 إلى 7 ملايين سنة مشتركة تم العثور عليها في بداية الالفية الثانية. وسيكونون الممثلين الأوائل للسلف البشري. الأول كان هو أورورين Orrorin، وقد اكتشف في كينيا من قبل فريق بقيادة بريجيت سينو Brigitte Senut. وقد مكن عظم فخذه من استنتاج ان Orrorin كان بالفعل ذو قدمين. وفي العام الثاني، في عام 2001، سيتم التوصل لإكتشاف استثنائي آخر أحيا النجم Orrorin: وذلك في صحراء تشاد، عن طريق فريق عالم الحفريات القديمة ميشال برينو Michel Brunet مكتشف جمجمة التوماي Toumaï (إنسان الساحل التشادي Sahelanthropus tchadensis)، وهو من القردة العليا يعود لسبع ملايين سنة. إن الإبداع العظيم للقردة العليا الأوائل في ارتباط مع أقاربهم، أسلاف القردة العليا الحاليين، هو المشي بقدمين.

  • زمن الأوسترالوبيتكاس Australopithèques

 لقد ظهر قبل خمسة ملايين سنة عائلة جديدة من القردة العليا، هم الأوسترالوبيتكاس. وهم يشكلون عائلة كبيرة تتكون من عدة أنواع (Australopithèques amanensis, A. africanus, A. afarensis, A. boseis, A. sediba, والتي وجدت كلها في شرق إفريقيا، من إثيوبيا إلى جنوب إفريقيا). وقد بين التنوع التشريحي anatomique لهذا النوع ان التطور ليس خطيا أو أحادي الإتجاه. حيث أن داخل أعضاء عائلة الأوسترالوبيتكاس تتواجد سمات أكثر قدما، وأخرى أكثر حداثة. وتعتبر لوسي Lucy، المكتشفة سنة 1974 في إثيوبيا، أكثر أنواع الأوسترالوبيتكاس شهرة. ويبلغ طول لوسي، حوالي 1,10 متر، وتزن 25 كيلوغراما وقد كانت تسير على قدمين. ومن المعروف أيضا أن لوسي قد ماتت في عمر 25 عاما، ومنذ عام 2005، أظهرت مراجعة لهيكلها العظمي ان لوسي كانت في الواقع شابا صغيرا. وفي الآونة الأخيرة، انتزع نجم صدارة لوسي لصاحب القدم الصغير Little Foot، وهو أوسترالوبيتكس عاش في جنوب افريقيا في نفس الفترة. ويعتبر حتى الآن الهيكل الأوسترالوبيتكس الأكثر اكتمالا على الإطلاق.

ومنذ فترة طويلة تم افتراض أن الأوسترالوبيتكس يستخدم أدوات مثل الشمبانزي الحالي لكسر المكسرات. ولكن في عام 2015، اكتشفت سونيا أرمند Sonia Harmand وفريقها في جنوب كينيا أدوات حجرية، تسمى “أدوات التشذيب outils taillés”، أي التي من خلالها يتم الكسر العمد للحصول حافة حادة، عمرت بـ 3,3 مليون سنة، وبالتالي فهي اكثر قدما بـ 700000 سنة من تلك المعروفة حتى ذلك الحين.

لقد بين هذا الإكتشاف بان إنتاج الأدوات هو على الأرجح ليس خاصا بجنس الهومو Homo وإنما هو موجود بالفعل عند الأوسترالوبيتكسيين. والحقيقة هي مفاجئة لسلالة القردة العليا التي لا تتجاوز سعتها في الجمجمة 500 سم مكعب، أي أقل بثلاث مرات حجم دماغ إنسان اليوم!

  • الهومو Homo القدماء

ومن ثمة أنجب أحد فروع عائلة الأسترالوبيتكس أول هومو، وهو تطور حدث بالأساس في شرق افريقيا حيث عاش الأسترالوبيتكس. وقد كان ينظر للهومو هابليس، الذي عاش قبل 2,5 مليون سنة، الذي عاش لفترة طويلة على أنه أقدم هومو. ولكن في مارس 2015، تم اكتشاف قطعة من الفك السفلي يعود تاريخها لـ 2,8 مليون سنة في منطقة عفار (إثيوبيا) ترجع لأكثر من 300000 سنة ولادة جنس الهومو. وبالتالي، فإن الهومو هابيليس (الإنسان الماهر) ليس هو أول إنسان وليس هو أول من يصنع الأدوات (التي من خلالها أطلق عليه اسمه).

وكما هو الحال بالنسبة للأسترالوبيتكس، فإن عائلة الهومو الأولى هي متنوعة للغاية. وأحد أسباب هذا التنوع هو تشتتها الجغرافي. لقد غادر بالفعل الهومو المهد الأفريقي واتجه لآسيا ثم أوروبا عن طريق التفرق فيما بينهم (هومو إركتوس Homo erectus، هومو إرجاستر Homo ergaster، هومو رودلفينسيس Homo rudolfensis، هومو هايدلبرغينسيس Homo heidelbergensis، هومو أنتسيسور Homo antecessor، هومو غوركيكسوس Homo gorqicus). وتتشارك الهومو القديمة في بعض السمات المشتركة، مثل حجم الجمجمة، التي تتراوح ما بين 550 و700 سم مكعب، وصغر الأنياب وفكوك متطورة تشير إلى اتباع نظام غذائي إحيائي. وكلها ليست قصيرة الطول، كما يعتقد كثيرا. لقد كان يافع توركانا، وهو هومو إرجاستر عاش قبل 1,8 مليون سنة، وقد كان بطول 1,62 متر في سن 12 عندما مات! وربما كان يصل إلى 1,90 م كشخص بالغ.

لقد قام الهومو القدماء بصنع الأدوات الحجرية باستخدام تقنية Oldaway، حيث يتوقف الأمر على كسر الحجر للحصول على زاوية حادة. وقد توالت طفرة تقنية، منذ 1,5 مليون سنة، مع ظهور biface (الفأس الحجري)؛ وهي شكل بيضوي منقوش من كلا الجانبين، وهي أداة متطورة يتطلب تصنيعها قدرات تخطيط معينة (وذلك للحصول على الحجرة المناسبة) وتمثيل دقيق وموحد للشكل المطلوب تحقيقه. واختراع النار من قبل الهومو القديم هو الآخر اكتشاف عظيم لأمانه. وثم كذلك العثور على آثار مستوقد عمره 1,4 مليون عام في افريقيا، ولكن ليس من المؤكد فيما إذا كان متعمدا. ومن ناحية أخرى، نحن على يقين من أن النار تم تدجينها منذ حوالي 8000000 سنة في الشرق الأوسط، وهذا الإتقان يتطلب، مرة أخرى، قدرات معرفية عالية التطور.

لقد حقق الهومو القديم، في مليونين من السنوات، تطورا كثيرا. وتزايد حجم جمجمته إلى أكثر من 1000 سم مكعب. وفي العصر الحجري القديم الأعلى (أي حوالي 300000 سنة)، امتلكوا أدوات متطورة بشكل متزايد، يحصلون عليها من خلال التشكيل (كالفأس الحجري le biface) أو من خلال تقطيع الصفائح (تقنية ” Levallois”)؛ وقد صنعوا الرماح، التي تشهد لهم منذ 500000 سنة). وهذا بالتالي عندما سياتي الوافد الجديد: الهومو سابينس.

الولادتين الاثنتين للسابينس

تطور الإنسان العاقل لغزا لما قبل التاريخ: ألا وهو فارق الزمن بين تطوره الثقافي. إن السابنس الأوائل، ما بين 100000 إلى 3000000 سنة، هم “حديثين تشريحيا” (فحجم الجمجمة والمورفولوجيا العامة قريبة جدا لنا) لكن ينبغي الإنتظار 100000 سنة حتى تظهر العلامات الأولى للأنشطة الرمزية مع المقابر، و40000 سنة حتى يبرز في مجالات عدة من العالم فن الكهوف الذي اعتبر لمدة طويلة علامة على ظهور الفكر الرمزي. فلماذا هذا الفرق الزمني بين التطور التشريحي والتطور الثقافي؟ فحتى عتبة سنة 2000 ، افترض علماء ما قبل التاريخ أن الثورة المعرفية وقعت حوالي -40000 (ويفسر هذا من قبل البعض من خلال الإبتكارات الثقافية، ومن قبل البعض الآخر بسبب الطفرة الجينية).

لقد عمل السابينس على شق طريقه عبر خطوة حاسمة: هي الإبتكار المعاصر للغة، والثقافات الرمزية، والفن، والأديان…

هنا مرة أخرى، غيرت الإكتشافات الخيرة اللعبة. ففي أوائل عام 2000، ستشهد العديد من الإكتشافات على الأنشطة الرمزية قبل ظهور العصر الحجري القديم الأعلى (4000-). وفي كهف بولمبوس Blombos (جنوب أفريقيا) ثم العثور على صدف مثقوبة (بمثابة قلادة) ثم رصدها في مكان آخر في أفريقيا. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أدلة أيضا على أن إنسان نياندرتال كان فنانا، ومما لا شك فيه أنه مارس الطقوس في قاع الكهوف، كما يتضح من الإكتشاف الإستثنائي لكهف برونكويل Bruniquel.

ترجمة: رشيد الدكالي

مقال مأخوذ من مجلة:

Jean-François Dortier,”La grand bifurcation humaine“, Sciences Humaines,N°309, Décembre 2018,pp38-41.

شاهد أيضاً

من التاريخ السياقي إلى التاريخ كحاضر أبدي

في نَعتهِ للفلسفة بوصفها ''نزعة تاريخيّة مُطلقة'' تمحْور اهتمام الفيلسوف الإيطالي المعاصر بندتو كروتشهBenedetto Croce على شرح عبارة ''فلسفة التاريخ'' في سياقاتها الزمنيّة التي وردتْ فيها، ليتولّى لاحقاً إضفاء مدلولات جديدة عليها تتنكّر لمضامينها القديمة كتلك التي جاءت في كتب فولتير Voltaire، لتنتهي تحليلاته في نهاية المطاف إلى وضع مُعادلة بين الفلسفة والتاريخ، مُلغيا بذلك كلّ ثُنائية ممكنة بشأن موضوعين يُفترضُ أنّهما يختلفان في المضمون وكذلك في المنهج، وقد انتهتْ تحليلات كروتشه إلى تأسيس فلسفة وتاريخ جديدين تنتصر فيها إرادة الإنسان في الواقع بعيداً عن كل تعال أو مفارقة. يَسْتجلـي هذا المقال الخطاب التاريخي عند كروتشه بوصفه الحاضر الأبديّ كما يحلو لصاحبه أن يطلق عليه، فالقاموس الجديد للمصطلحات يجعل الاهتمام ينتقل من ''التاريخ السياقي'' إلى ''التاريخ كحاضر أبدي''، الأمر الذي يَسْقُط معه التحقيب التاريخي المعتاد الذي يُقسّم الزمان إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فكيف يتمثّل كروتشه قضيّة ''المعاصرة التاريخيّة'' وما هي مسوّغات القول عنده؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *