غابةُ دم

رجاء بكرية روائية وفنانة تشكيلية – حيفا. فلسطين

سطور: رجاء بكريّة

الجليل- حيفا    

. فكّرتُ بملابسها الّتي أصبحت غابة، غابة بعيدة يخاف الزّهر أن يمشي فيها وحيدا. بوسائل الدّفاع الّتي توفّرت غير أظافرها بحوزتها، وهل كانت تكفي لتمزيق وحشٍ استيقظ من سبات سنوات قهر وعطش للفتكِ بأيّ شيء؟ تُرى، كيف يتذكّر الوحش الّذي يعشّش فينا أن يخرج

انذهال

غابةُ دم. هذا ما يسيل من سواحل القرى والمدن العربيّة في فلسطين ال 48 منذ سنوات. فالشّوارع ذاتها نسيت وظيفتها وسلّمتها لأنهار سابت مياهها العادِمة في كلّ مكان، وابتلعت أشكالها الأصليّة.

غابة دم في البلدات المُعترف بها والمُنكرة. المتحضّرة والبدائيّة. الصّغيرة والكبيرة. العالية والمنخفِضة. المثقّفة والأميّة. والغالبيّة العُظمى في سيلِ التّصنيفات الّتي أُطبّقها الآن تمتهن بفنيّة مُلفِتة ثقافة الرّجعيّة. لا تستغربوا فللرّجعيّة أيضا قوانينها وآليّاتها. غابة استحدثنا لها ألوان غريبة، والجديد أنّها تعرفُ كيفَ تُلوِّنُ الشّريان الأورطي بضرب نادر من الفِكر الغابوي السّقيم، والتخلّف الرّوحي، ومعهُ قنوات النّزيف.

 لا أعرف تحديدا ماذا أسمّي المرحلة الّتي نمرّ بها هنا، والآن، لكن يبدو أنّها خطّة مُحكَمةَ النّوايا لإذلالِنا وتدميرِنا بأيدينا، لا نحتاجُ معها أن نستعينَ بأيّ قوى دخيلة، لا مُندسّين، ولا عملاء ولا جواسيس. تربتنا والحمد لله جاهزة للنّتش والنّبشِ والخدشِ. فالطّواقم، كأنّها مدرّبة تماما لتنفيذ خطّة جاهزة لتحطيم الرّجال والنّساء معا. فقتلُ النّساء وخصوصا النّساء على خلفيّات لم نسمع بها من قبل، كالمتتبّعين لها، تحصُدُ أرواحا لا أعداد لها من نساء بريئات. وكلّ يومين أخبارهنّ تتصدّر الصّفحات والمواقع الصّفراء والحمراء والخضراء والرّسميّة. والجاني غالبا هويّته مجهولة، أو يجوز إسقاط حقّ الضحيّة لأنّه كالعادة لم يكن بكامل قواه العقليّة. وذات الأمر يحدثُ مع أحداث القتل اليومي المأساوي الّتي تخبطُ في كلّ بقعة واتّجاه، وتسحبُ معها أرواح شبّان ورجال في عمر الحبق بطريق الخطأ أو التّصويب المتعمّد، وأخبار أيّامنا استحالت لمنشورات سريعة مستهلكة كوجبات الهامبرغر تتخِمُنا بوجَعِها أوّل يوم، وفي اليوم التّالي نجد أنفسنا في كوكب مرّيخ آخر لا نذكرُ من وجع الأمس سوى مسحة غبار نزيلها على عجل بطرفِ بنصر ونمضي. أصبح العنف في حياتنا صرعات تتفرقع في أرواحنا أوّلا وأدمغتنا، وتكاثرت حدّ أنّنا لا نتذكّر أسماء ضحاياها.

ولعلّ ما يدهشني للآن قدرة النّساء على استيعابِ فنون اختطافهنّ من أطرِهنّ المختلفة. لا يوجد ما نتّفق أو نختلف عليه، نحن النّساء، لأنّنا لم نعد نجد متّسَعاً كي تحاور فيه الواحدة الأخرى. تشابكَ الشّجر في الغابة وتداخل. تكاثفَ حدّ أنّهُ يمكن لأيّ امرأة أن تضيعَ أثناء عبورها العفويّ منه، والغريب أنّ الشّجر لم يعد يثمر كما كان يفعل قبل الآن، فالخطايا قد ضربت شجرنا الجميل بلعنةِ العقم ونحن نندّد ونهدّد، وسط غياب رؤيا نافذة تسعى لهندسة الفوضى عبر خطط ملموسة لتأطير واحتواء الجرائم الكثيرة الّتي تُشهِدنا على عجز إمكاناتنا كنساء وقادة. فالشّوارع باتت مصائد ومصائب للخطوة الصّغيرة والكبيرة معا.

صحون طائرة

لا أعرف تماما ماذا يسجّلون في ورق الحزن والغضب حين يعلو منسوب البشاعة والقذارة ولا تجد منفذا فيه لقدميك. ولا أعرف إذا كنّا نفهم جميعا أنّ غابة الدّم الّتي ننزف فيها ومنها خطِرة حدّ أنّ الخطر بات يهابُها، ويخشى أن تنسب إليه. منطقيّا إذاً أن نتساءلَ، متى بدأنا ننحدرُ إلى هذه الهاوية؟ ولماذا لم نملك من مجسّات التنبّه للخطر ما يكفي كي نستنفرَ ونفعّل اليّات التصدّي للظّاهرة قبل وقوعها بسنوات؟

المرعب، بالنّسبة لي، أنّكَ تعثر على ذات الجريمة بصُورِها المشوّهة الكثيرة، في المدرسة الّتي تذهب إليها ويفزّ أحد معلّمي الطّبقة النّبلاء كي يُفرِغَ عقدَهُ فيكِ كامرأة يستسهلُ ليّ كبريائها، والكليّة المحترمة الّتي تذهب كي تبهرَ مستمعيكَ فيها، فيحتفونَ، ثمّ ينكرونَ عليكِ مكافأة لمعانكِ في وجه الجدران لأنّكِ امرأة يمكن لأيّ موظّف حسابات مقموع أن يجد في صوتها الرّقيق المهذّب ذريعة لاستئسادِهِ، ولمعان صوتِهِ الباهت أمام الجدران والورق. يهمّه جدا أن يعثر على مفردات التّقزيم والمسح ليغني روحهَ المُعبّأة بثراء القلّة وامّحاء الأدب. الوقاحة يا سادة لغة الإسفاف المعتبرة  لهذا القرنِ الوَجِع. والإضافة، في المحاضرة, الّتي تذهب إليها كي تعيش من امتيازِ فكرِكَ، فيسقِطونَ حقّكَ تحت أقدامهم، ألستِ امرأة ويجوز معها الإذلال ولو كانت علَما وشرفا لكلّ عناوين الأدب؟ خجَلُكِ سيُحجِمَكِ عن المُطالبة باعتقادهم. لن تقفي أمام قاض غريب وتماحكيهِ في حقّكِ وتفرضين عليه جلسة استثنائيّة تناسب شروطه. لا يعرفون أنّهم دفعوكِ للإستذئاب دفعا، وجعلوكِ متمهّنه مثلهم تماما في المكر. لم يتركوكِ تستعذبين أنوثتكِ على مهل حين تقابليهم. مسحوها الأنوثة لأنّ الشّراسة تستدعي مخالب تردّها. هكذا تلوّنت أطياف الغابة وأسلحتها، وساحت على عجل أو على مهل.

العَيْن البغيضة

لقد علّمتنا الدّولة سياسة انتزاعَ الحقّ بالمجّان، وفي أرقى جامعاتها، الشّارع والمقهى، وضريبة الدّخل، ونكذبُ بشدّة حينَ نقول أنّنا تعلّمنا في “دولة اليهود” أقسى من هذا الدّرس لأنّ آثارهُ شديدة اللّمعانِ في العينين الّتي لا تغفر، والعقول الّتي لا تقتنع، والأكفّ الّتي تضرب والأقدامِ الّتي تخفِش، والمناكب الّتي تصفق. كلّها تكتيكات تبهر العين والذّاكرة، وتُلقي بجودة فنونها في الجمهور الكريم الّذي يمرّ من هذه المنعطفات المُلغّمة بنوايا أكيدة للإشتعال، حتّى بشجر الغابة المُشتعلة ذاتها بالنّار والرّماد.

هكذا نحن تماما. نعيشُ منذ سنوات على إثارة الفزع وأسباب الجريمة، والأصحّ جرائم لا أوّل لخزيها من اخر. هل نقاضي الدّولة، دولة الحريّات، لأنّها تمنح كلّ مواطنيها مراتب شرف كاملة، إلّانا، نحن الّذين تبدأ قوميّاتنا بحرف العَينِ البغيضة كعائلة، وقبيلة، قرية، ومدينة. وما العمل إذا كان الدّرس لا يعلّم إلّا بحدّ السّيف كما جاء في أدبيّات الأخطل والفرزدق وفروسيّات عنترة؟ ليس بسيوفِ الزّهرِ الّتي لابن زيدون وحدها ينتشلُ الأمل قدرهُ من لِيَةِ الغنم. شبِعنا نوايا.

ملابِسُها كانت غابة

كنتُ أفكّر قبل يومين بحادثة القتل الأخيرة الّتي اختطفت صبيّة زهرة من الجشّ، يارا أيّوب، الّتي ناشد الأهل صفحات التّواصل الإجتماعي الكفّ عن بثّ صور ابنتها المغدورة. فكّرتُ بحزن، باللّحظات الأخيرة الّتي عاشتها، وهي تقاومُ وحدها وحشيّة قاتِلها وعطشه غير المبرّر للدّم. فكّرتُ بفزع عينيها، بامّحاءِ صوتها من شدّة الصّراخ وقهقهات قاتلها. بتهدّلِ حنجرتها، بانطفاء بريق وجنتيها، بالتصاقِ شعرها بعرَقِها، وبتسلية القاتل الوَهِرة. فكّرتُ بملابسها الّتي أصبحت غابة، غابة بعيدة يخاف الزّهر أن يمشي فيها وحيدا. بوسائل الدّفاع الّتي توفّرت غير أظافرها بحوزتها، وهل كانت تكفي لتمزيق وحشٍ استيقظ من سبات سنوات قهر وعطش للفتكِ بأيّ شيء؟ تُرى، كيف يتذكّر الوحش الّذي يعشّش فينا أن يخرج، ولماذا أًصبحنا نستلطفُ اصطحابهُ معنا إلى كلّ مكان نذهب إليه؟ ألهذا الحدّ خذلنا أنفسنا حين اعتنقنا التّكنولوجيا حدّ الموتِ؟ فكّرتُ كيف أقنعَ الوحشُ يديهِ بتمزيق ورق شجرة تشبهُ أمّه وأخته، وربّما ابنته الّتي كانت ستولد ذات يوم.

منذ شهور وأنا أخطّط لكتابة مقالة ترفع من معنويّات النّساء، وتدفعهنّ إلى المقاومة، لكنّي أرى أنّ الغابة الّتي بدأتُ بتقطيعِ طلعِها المسموم تتوغّل في كلماتي، وبسرعة السّحر تتوالدُ بين سطوري. لقد خرجت بمعزل عن كلّ الخطط الّتي قرّرتها لها. اشمئزازي من الدّماء الّتي تنزف من مخدّاتنا أغرقتني بالهَول, ظلّت جرسا يرنّ في زوايا الأماكن والوجوه والأصوات. أيّ حُلُمٍ قاتل هذا الّذي باتَ يصادرُ فضاءات السّكينة الّتي لنا؟ لقد أًصبح الضّحكُ من محرّمات المرحلة! كيف سنعيش بعد الآن بأفواه معقّمة بالصّمت؟ منذ طفولتي وأنا أعادي غرف الممرّضات، السّتائر والأسرّة، الأكواب والملاعق المعقّمة. أحبّها برائحة اللّيمون والبرتقال. يصيبني اليود والدّيتول بالتهاب رئويّ حاد. أسعُلُ لأيّام وقد يسقط الفرح منّي وأنا أحاول الإستشفاء من رغباتهِ الصّادقة في إحلال السّلامة. سنصير أعجوبة تماما يُحكى عنها إذا فرّطنا بأسباب الفرح واندفعنا لقتامة المرحلة بكلّ ما يكتنفها من سواد.

كلّ ما أتمنّاهُ ألّا نتحمّس كثيرا للكشف عن وجوه القَتَلة بقدر ما نتحمّس للكشفِ عن وصفة لاجتثاث الوجوه المشوّهة الّتي تمدّ سيقانها وأذرعها فينا. هنا المأساة، أسباب الجريمة تعيشُ فينا وفق شروط صحيّة جداً، وعلينا أن نلجأ لتسميمها من القدمِ حتّى الرّأس حتّى تتسوّل الموت. مطالبون نحن، وفورا أن ندفنِ أنفسنا بعلاجٍ فوريّ اسمه الثّقافة. كان اسمه الثّقافة، ظلّ اسمه الثّقافة، وأعني المسرح والسّينما والموسيقى والأدب.

همسُ وجع

القادة، أصحاب السموّ، مطالبون الآن وعلى عجل بتأسيس خطّة رادعة قطريّة عابرة للقرى والمدن، بل ورصد ميزانيّات لا أعرف من أين سيقتطعونها لمقاومة الإنهيار الحاد للقيم. ليس في نيّتي تصوّر ارتفاع عدد مقاعد القائمة المشتركة لأربعة عشر مقعدا وسط غياب استراتيجيّات بعيدة المدى لاحتواء القذارة ومخلّفات البشاعة، وبكلّ السّبل فالمقاعد الشّاغرة حتما ستحتلّها جرائم جديدة إذا لم نكرسح خطواتها ونسدّ عليها المنافذ وهي تتقدّم من الصّفوف الأماميّة وتتجاوزنا بثقة عاهرة.  

12 سبتمبر, 018


شاهد أيضاً

شعر: إنه العالم

لبنى المرزوقي خلف هذه النافدة تقبع ماكينة كبيرة للعيش انه العالم العالم الذي لا يعلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *