الرئيسية / ترجمة / أزمة القيم بين العدمية والتنمية البشرية، ترجمة نور الدين البودلالي

أزمة القيم بين العدمية والتنمية البشرية، ترجمة نور الدين البودلالي


بريد المترجم fiqreduca@gmail.com


بقلم : DE LASTIC Adélaïde

ترجمة نور الدين البودلالي

(سبق نشر الجزء الأول من هذا المقال في كوة  تحت عنوان: مقاربة فلسفية لمعنى القيم)

رابط الجزء الأول: هنا

2  -الحداثة وأزمة القيم  

 عصر الحداثة هو بامتياز عصر الانتقادات العميقة لنظريات القيم. تجاوزها يعني فهمها واستيعابها.

1.2. نقد العدمية الأخلاقية والقيم الحيوية

يرى نيتشه أن موجة العدمية التي أصابت الحداثة هي أصل الأزمة التي تعرفها القيم حاليا، والتي قضت عليها أو ألغتها. وبالفعل فهذه، ما إن ماتت آلهتها، حتى ضاعت بها السبل، ولم تعد تعرف كيف تتصرف ولا لماذا. فالعدمية (من الأصل اليوناني «nihil»، ومعناها «لا شيء») هي وجهة نظر فلسفية، العالم، وخصوصا الوجود الانساني، بالنسبة إليها ليس له أي معنى، ولا أي هدف، ولا أي حقيقة يمكن استيعابها، ولا أي قيمة. العدمية الأخلاقية، بإنكارها حقيقة القيم لا تعترف بها تماما كواقع، وأصبح بمقدورها إثارة الشعور بالغرور بأي شيء، وخنق الرغبة، والتشاؤمية، والاكتئاب. ومع ذلك فهذا الطرح مثير للاهتمام لكونه يسمح بصقل نظرية القيم من «كلامه –الطرح- التافه وسخافته»  (Schiffter 2008)؛ إنه يفسح المجال أمام فلسفة مصاغة «بضرب المطرقة» كما يحبذ نيتشه قوله. ولأنه ادعى ذلك أو لأنه تجاوزه، قدم هذا الأخير مساهمة كبيرة لهذه النظرية (Nietzsche 1887). صحيح أن تفسيرات أخرى قد أمكن تقديمها منذ ذلك الحين؛ هذا لا يعدم كون كل تحليل تقدمه العدمية يدخل في إطاره، وذلك لأنه، بعمله على إثبات تجدر العدمية في المثال الميتافيزيقي، سيفتح المجال أمام ما سيشكل جوهر العدمية الحديثة، ومن ثمة أمام إمكانية تجاوزه.

يعكس إعلان نيتشه أن «الله قد مات» فكرة كون الأساس الميتافيزيقي لنظامنا القيمي سيؤول إلى الضياع. وتنطوي هذه الأطروحة على خلل شامل لمنظومة قيمنا. الإله هو من سمى الكائن وهو الضامن لكينونته ولنظام قيم الفلسفة الغربية. وتتزامن العدمية، حسب نيتشه، مع سوء التفسير الذي يفسد كل القيم لكونها، في رأيه، استندت في بناءها على فكرة الله (Anscombes 1958).

يتم التخلص من العدمية بالضبط حينما نجعل قيمة الشيء مرهونة بواقعة عدم وجود أي حقيقة تماثل أو لا تماثل بالقطع هذه القيم، وإنما بأحد مظاهر قوة خالق القيم، كتبسيط يفيد في الحياة. قدر الانسان التحول إلى الانسان الأمثل بمجرد اكتشافِه، على ضوء العدمية، أن لا جوهر مسبق له وأن تحديد كينونته تطفو بالضرورة من ارادته الخالصة إلى القوة الخالقة. عندها رسخ نيتشه القيمة في الحياة نفسها. حياة عليها أن تكون ديونوزية مليئة بدافع إبداعي لا يغرقها في كآبة عبثية. إننا أمام المزيد من التسويف، من الهروب إلى عوالم دينية، من الازدواجية أخلاقية؛ فقد تم الرد على العدمية بواسطة التعبير القويم للأصالة الإنسانية التي تتحمل مسؤولية إراداتها، المتوافقة في إطار هذه القوة مع قيم الحياة.

بالنسبة لنيتشه هناك إذن إمكانية لتجاوز العدمية من خلال التأكيد بقوة على الحياة، القيمة المثلى التي يستمد منها كل القيم. وعليه فالقوة، والغنى، والجمال، والأنانية، والأصالة وكل ما هو إيجابي (ويرتبط به ما هو سلبي المرعب)، هي كلها قيم تساهم في إعادة بناء نظام من القيم وتبشر بتوافق القيم الحيوية والقيم الأخلاقية. والحق أنه لن يكون هناك وجود لأي قيمة إلا مع الحياة، ومن خلال الحياة ومن أجل الحياة، طالما أنها تتحقق هي نفسها على الوجه الصحيح.

سيكون مثيرا للاهتمام مقارنة هذه الرؤية الخاصة بالقيم الأخلاقية المرتبطة بالقيم الحيوية بالنظرية الأكسيولوجية التي بلورها جوناس في كتابه مبدأ المسؤولية (Jonas 1979). صحيح أن إحداث تقارب بين نيتشه وجوناس قد يبدو محفوفا بالمخاطر على اعتبار اختلاف الافتراضات القيمية التي يدافعان عنها، إن لم نقل تناقضهما. ومع ذلك، فجوناس يُقيم جزئيا مبدأ المسؤولية على واقعة أن هناك وجود. فهو يرى أنه طالما أن هناك وجود، هناك أيضا مسؤولية مرتبطة به. إن الحياة بالنسبة إليه تعني وجوب الوجود الحامي لها، ويعزز كل ما يسمح بالحفاظ عليها؛ وجوب الوجود الذي يأخذ مكانه في الآفاق المستقبلية. وبهذا يُموْضع هذا المؤلف كل القيم في نفس المنظور الوجودي الذي قال به نيتشه. كما أنه يدفع إلى البرهنة على أن الطبيعة تعزز مجموعة من القيم بشكل مسبق. ثم إننا نجد الفكرة القائلة أن الحياة (والحفاظ عليها) تتضمن في ذاتها قيما حاضرة لدى أرسطو (من خلال مفهوم الغائية) ولدى الكثير من الحكماء القدامى والشرقيين. إنها لا تعني بالنسبة لنا السقوط في وهم شخصنةِ طبيعةٍ مرغوبٍ فيها ومحددةٍ أخلاقيا بالنسبة للإنسان، فهي ستكون محرجة من وجهة نظر أخلاقية مادام الوعي الأخلاقي هو إنساني حصريا. والحق أنه يمكننا أن نختار العيش بقيم تعاكس الحياة. وعلى كل حال يبدو أن اختيار الحياة نفسه يعني وجود قيم، إذ العيش يفرض الاختيار وتتم الاختيارات بحسب الرغبة، والحاجات، والأفضليات الأخلاقية التي تعتمد على وجود مجموعة من القيم. و لا تبدو العدمية قادرة على الصمود، إذا ما ووجهت، على مستوى الممارسة العملية، بالحياة. 

2.2. التوفيق بين النسبية وموضوعية القيم وفق منظور التنمية البشرية    

يبدو، من وجهة نظر معينة، أن مجتمعنا، وكما أعلن ذلك نيتشه، قد أبتلي بالعدمية. ما يسمى بال«مجتمع الاستهلاكي»، هي تسمية لم تأت على الأرجح من قبيل الصدفة. أين يكمن الاندفاع الحيوي الفوق انساني عندما يكاد ينعدم الوعي بالحاجيات الحقيقية، وبالرغبات الدفينة، وبالإشباعات وأن المستهلك لم يعد يعرف لما يشتري ولا يدرك كيف يتخلص من هذه الرغبة؟

المؤكد، على ما يبدو، أن تقدير القيم تطرأ عليه تغييرات. «ليس لنا نفس القيم»، إنها تتغير من ثقافة إلى أخرى، من مرحلة تاريخية إلى أخرى، من عائلة إلى أخرى بل وحتى من شخص إلى آخر. من البين أن منظومات القيم هي من البناءات المركبة يختلف حجمها في المكان والزمان. لا يمكن أن ننسب لها أساسا ميتافيزيقيا، على الرغم من أن تحليل بودون يسمح بالاعتقاد أن تأسيس القيم سيكون من الممكن إقامتها على العقلانية القيمية، على دلائل تستند إلى الممارسة الفضلى في سياق معين.

من ناحية أخرى، إن ما ورثناه من حكم قديمة أو شرقية ومن حكم نيتشه يقودنا إلى الاعتقاد أن هناك من القيم بقدر مساهمتها في الحياة وقوة التعبير لديها. فهذه القيم، وإن استطاعت التعبير بطرق مختلفة، فهي ذات ديمومة في الزمان والمكان يجعلانها تتطلع للكونية. والبحث القيمي سيركز على طريقة تعبيرها، وعلى سطوعها من أجل تنميةٍ أفضل للبشرية.

مع دوركهايم يمكننا التوفيق بين نوع من موضوعية القيم ونسبيتها (Durkheim 1924). هذا الأخير يرى، بالفعل، أن هناك موضوعيةً للقيم تبرز من خلال ملاحظة حياة مجتمعٍ مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن قاعدةً أخلاقية، يتم تبنيها اليوم، يمكن التخلي عنها غدا، بداعي أن الحالة الاجتماعية قد تطورت، وفقدت كل سبب وجودها. لذلك أشار سيليستان بوغلي بعد الحرب العالمية الأولى: «إن الحاجة إلى التجديد، وإعادة التأهيل، وضرورة التنقية التي استشعرها كثير من جنود الحرب العالمية، قد عبر عنها البعض، مَن تذكروا ثقافتهم الفلسفية، بقولهم: «علينا مراجعة القيم»» (Bouglé 1922, p.12).

إذا كان الرفع من مستوى الحياة لا يتم، بالنسبة لجميع الحقب، بواسطة نفس القيم ما دامت هذه جزء من السياق المجتمعي، فإننا نرغب أن تكون التقنية، وقد غيرت أسلوبنا في الحياة، قد غيرت علاقتنا بالعالم. الوسائل الجديدة ستفسح المجال أمام قيم جديدة ومن ثمة أمام تحليل جديد لمعنى التنمية البشرية. النظام العالمي الذي أقامه التطور المشترك للإنسان، والطبيعة والتقنية، يحث على ممارسات جديدة تستدعي ارتقاءً في نظم القيم. لقد أصبح الفعل الإنساني موضع تساؤل في زمن التقنية هذا: «إننا اليوم، إذن، في عصر التقنية، وبهذا الاصطلاح الأخير، لابد أننا نقصد أكثر من مجموعة العمليات الميكانيكية الهادفة إلى جعل العالم أكثر رفاهية. يتعلق الأمر بنوع من العلاقة بالعالم يُعتبر فيه هذا مجالا يجب تغييره، كخزان يأخذ منه الانسان ما ينفعه وفي نفس الآن كعوامل خارجية تتيح له إمكانية تكوين نفسه كإنسان.» (Méda 1995, p.154–155). أسئلة جديدة تطرح على الفعل التقني الإنساني؛ أسئلة مرتبطة بقضايا ذات صبغة بيولوجية، سياسية، إعلامية، قانونية، اجتماعية، اقتصادية، وبيئوية. «فبعد مرحلة عرفت فيه الوسائل تغييرا بسبب التقانة، والصناعة، دخل عالمنا (الما بعد) حداثي تغييرا غير مادي، عرف نقلة في المجال القيمي»؛ هذه الكلمات التي ألقاها ميشيل بيوش، فيلسوف التقانة، خلال ندوة في موضوع التقانات الجديدة، القيم الجديدة والغايات الجديدة (2008) (Puech 2008b)، تبرز التساؤلات المطروحة حول الفعل الإنساني من قبل النظام العالمي الجديد. هذا يستدعي في الواقع تطورا في أنظمة القيم التي نريد مقاربة ميولاتها. قبل ذلك، وبما أننا نفهم أن معنى القيم ليس له وجود قبلي، وإنما هو ذاك الذي نعطيه لها، فإننا نسعى إلى إدراك كيف تتلاءم قيمنا مع سيرة حياتنا، على المستوى الفردي وعلى المستوى الإنساني.

… يتبع


نورالدين البودلالي، مجاز من شعبة الفلسفة… تخصص علم النفس من كلية الآدىب والعلوم الإنسانية محمد بن عبدالله بفاس سنة 1984؛ أشتغل بوزارة التربية والتعليم.
مهتم بالبحث في المجال التربوي، تحريرا وترجمة، وقد نشر لي مقالات عديدة بمجلات كفكر ونقد وعلوم التربية والشعلة وبجريدة الاتحاد الاشتراكي، ثم بموقع إكسير؛ لي أيضا كتابان مترجمان لم ينشرا بعد الأول علم التفس السوفياتي والثاني قضايا في علوم التربية لدوفولاي.    

مقال مأخوذ من: https://ccfd-terresolidaire.org/IMG/pdf/valeurs-delastic.pdf

المراجع

Anscombes, 1958. Modern Moral Philosophy. Philosophy, Vol. 33(N° 124), p.1-19.

Boudon, R., 1999. Le sens des valeurs, Paris: Presses universitaires de France.

Bouglé, C., 1922. Leçons de sociologie sur l’évolution des valeurs, Chicoutimi: J.-M.

    Tremblay, 2003. Available

    at:http://classiques.uqac.ca/classiques/bougle_celestin/lecons_socio_valeurs/leco

    ns_socio.html [Consulté septembre 15, 2011].

Dumouchel, P., 2002. « Émotion et perception : étude critique de Tappolet,

Christine,Émotions et valeursPresses Universitaires de France, 2000.

     Philosophiques, 29(2), p.371-377.

Durkheim, E., 1924. Sociologie et philosophie, Puf, 2004.

Harribey, J.-M., 2005. La richesse au-delà de la valeur. Revue du MAUSS, 26, p.349.

     Insee, 2011. Mesurer les facteurs psychosociaux de risque au travail pour les

     maîtriser.

Jonas, H., 1979. Le principe responsabilité Les éditions du Cerf., 1990.

Kant, E., 1788. Critique de la raison pratique Puf., 2003.

Méda, D., 2008. Au-delà du PIB : Pour une autre mesure de la richesse, Flammarion.

Méda, D., 1995. Le travail une valeur en voie de disparition Aubier.,

Nietzsche, F., 1887. Généalogie de la morale, Le Livre de Poche, 2000.

Ogien, R. & Tappolet, Christine, 2008. Les concepts de l’éthique, Faut-il être

      conséquentialiste ? Hermann.,

Puech, M., 2008a. Homo Sapiens Technologicus. Philosophie de la technologie

     contemporaine, philosophie de la sagesse contemporaine, Editions le

Pommier.

Puech, M., 2008b. Nouvelles technologies, nouvelles valeurs, nouvelles finalités.

     Available at: http://fundraising.publicistechnology.com/images/stories/docs/conf-        michel-puech.pdf [Consulté mai 22,

   2011].

Ricoeur, P., 1990. Soi-même comme un autre Seuil., 1996.

Ricoeur, P., 1985. Temps et récit, tome 3 Seuil., 1991.

Scheler, M., 1913. Le formalisme en éthique et l’éthique matériale des valeurs: essai

    nouveau pour fonder un personnalisme éthique, Paris: Gallimard, 1991.

Schiffter, F., 2008. Le bluff éthique, Flammarion.

Sen, A., 1999. L’Economie est une science morale La Découverte.,

    13

Serres, M., 2011. Petite poucette. Dans Académie française, Séance solennelle «    Les nouveaux défis de l’éducation ».

Tappolet, C., 2000. Emotions et valeurs, Presses universitaires de France – PUF.

Weber, M., 1921. Economie et société, tome 1 : Les Catégories de la sociologie

     Nouvelle Pocket., 2003.

Yunus, M., 2008. Vers un nouveau capitalisme Jean-Claude Lattès.,

شاهد أيضاً

ترجمة: تأملات كانط حول التربية*

في كتابه "تأملات في التربية" كتب كانط قائلا: «هناك الكثير من البذور في الإنسان ومهمتنا تطوير الاستعدادات الطبيعية بطريقة تناسبية، والعمل على إبراز الإنسانية انطلاقا من بذورها، والتأكد من بلوغ الإنسان مقصده. الحيوانات تحقق بنفسها مبتغاها حتى دون أن تعرفه.وحده الإنسان يُجدّ لبلوغه ولا يمكن لهذا أن يتم ما لم يكن لديه تصور عن وجهته.»([ii] p. 76 ).يشتمل هذا النص على ملاحظة أساسية: إن تطور الانسان غير محدد غريزيا بشكل قبلي، بحيث أن المدرسة تتحمل بالضرورة مسؤولية تنمية الفرد، والنوع كذلك. هذا هو الاختلاف النوعي بين الانسان والحيوان؛ فإذا ما هيأت الطبيعة كل الظروف مسبقا للحيوان، فالإنسانعليه أن يتحمل مسؤولية نفسه، ويوجه مشروعه النمائي الخاص وفق فكرة معينة يُحْدثها عن نفسه، فكرة الإنسانية. إن الطابع الغريزي للتطور الحيواني يرفض أي توجه بحسب مسلك مفاهيمي، حيث يحيل تفتح التاريخ البشري الإنسانَ على الإنسان، وإلى تأمل في الغاية من تاريخه. لذا من الأهمية بمكان معرفة ماهية الإنسان، و ماينبغيأنيكون عليه توجهه التاريخي. وهذا التاريخ، الذي يميز الانسان (إذ الإنسان هو الحيوان التاريخي الوحيد)، عليه أن يسترشد بتصور ما. هنا تكمن صعوبة المهمة التربوية: ما هو المفهوم القادر على تحديد قواعدها ومبادئها؟ بصدد هذه النقطة، لم يكن كانط واهما، إذ يقول: «بالنسبة إلينا، لم نتوصل بعد إلى استجلاء هذا المفهوم»([iii] p. 76). ومع ذلك فمن الضروري تحديد مضمونه، وإلا سيتم الحكم على الممارسة التربوية بالتجريبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *