الرئيسية / ترجمة / العيش كفيلسوف بقلم كاثرين هلبيرن

العيش كفيلسوف بقلم كاثرين هلبيرن

ترجمة يوسف اسحيردة

كانت الفلسفة عند القدماء بمثابة نمط للعيش أولا، وليس بناء نظريا فحسب. هذه النظرة إلى الفلسفة، ظلت دائما تحافظ على وجاهتها. بعيدا عن الحشو الكلامي والوصفات المعدة سلفا، تجد الفلسفة طريقها في الربط بين الفكر والحياة المعاشة.

أطنان من الكتب التي تملأ المكتبات، تخصص جامعي يعتمد على نصوص من التراث الفلسفي، أساتذة إعلاميون يتقنون فن الكلام…، هذا ما تعنيه الفلسفة اليوم بالنسبة للكثيرين. وهي وضعية ليست بالجديدة تماما. ” في أيامنا هذه، يوجد أساتذة فلسفة لكن لا يوجد فلاسفة”، هكذا علق دافيد تورو على الأمر في القرن التاسع عشر.

لكن الوضعية لم تكن دائما هكذا. في العصور القديمة، كان المرء يعتنق الفلسفة بنفس الطريقة التي يعتنق بها الدين. ويدخل إلى مدرسة تلقن فن الحياة أولا، قبل أن تلقن الفكر والمعرفة. فقد كان هدف أكثر النظريات تجريدا، هو تحسين الفهم حتى يتحسن التصرف. لم يكن مسعاها هو بناء أنساق فلسفية. كان هم المدارس الفلسفية القديمة، هو مد التلميذ بشيء آخر غير الفهم الفكري للعالم. هذا النمط من العيش والتفكير، لا يجد تعبيره إلا في صورة جماعية بحضور معلمين وتلامذة. المدارس الفلسفية القديمة، سواء كانت فيتاغورية أو رواقية أو أبيقورية، كانت تشكل طوائف يتم داخلها تعلم نمط محدد من العيش، والحصول على صداقات حية، مع فرصة اختيار المتعلم لمرشد روحي يرافقه طيلة مساره التدريبي. إذا هي حياة فلسفية بعيدة كل البعد عن الحياة التي يحياها اليوم دارس الفلسفة في مقاعد الجامعة. على أننا مدينون لكل من بيير هادو وميشال فوكو، على إحيائهما لهذا النظرة القديمة للفلسفة باعتبارها، أولا وقبل كل شيء، فنا للعيش. وبتالي فقد كانت وسيلة للزهد (الاقتصار على الضروريات) وفرصة لبناء الذات. لا يقتصر الأمر هنا على التفكير كفيلسوف، بل العيش مثله. ولهذا، لم يكن الفلاسفة آنذاك في حاجة إلى الكتابة، كما تشهد على ذلك أسماء كسقراط، وديوجين الكلبي.

— أن تعيش وفق أفكارك —

طرح سؤال الفلسفة كنمط للعيش، يحمل بين طياته تساؤلا نقديا في غاية الأهمية : ماذا حدث للفلسفة؟ هل ظلت الطريق؟ هل نسيت المهم والأهم تحت تأثير بناءات نظرية موغلة في التجريد والمجانية؟ هذا ما يشير إليه بيير هادو في كتابه ” ما هي الفلسفة القديمة؟” (1995): ” بوسع أي خطاب أن يحمل بعدا إجرائيا، في حالة ما إذا استطاع خلق مفعول لدى المستمع أو القارئ. فيما يخص نمط العيش، يمكنه أن يكون، لا نظريا طبعا، وإنما تأمليا. (….) الخطاب الفلسفي جزء لا يتجزأ من نمط العيش.” وبالتالي فالخطاب ليس حقيقة مستقلة، وغير مؤطرة، ليست نصا يسبح غير مبال في سماء الأفكار.

تطوير الذات يحتاج، بالإضافة إلى الوقت، إلى الممارسة . من هنا أهمية التمرينات الروحية التي ينصح بها، على الخصوص، بيير هادو، والتي تضم الممارسات الإجرائية، وهي ممارسات روحية وجسدية تهم تطوير الفرد قصد تسهيل ولوجه إلى الحقيقة. التأمل، النظام الغذائي، الحوار….كلها أساليب هدفها التحسن روحيا و تطوير الذات، ليس فقط من أجل محاربة التوتر والبقاء بصحة جيدة، كما يمكن للمرء أن يفعل اليوم، ولكن من أجل العيش في انسجام مع أفكاره. هذه التمرينات الروحية لا تخص الفلسفة وحدها. التاريخ يوضح أنه مع العصر القديم المتأخر وبداية القرون الوسطى، ستقوم الديانة المسيحية، في أوروبا، باستعارة هذه الممارسات الخاصة بالفلسفة القديمة.

هذه النظرة إلى الفلسفة كفن للعيش وليس فقط كمجرد نظرية، ليست خاصية غربية خالصة. في الشرق أيضا، ظهر مفكرون وتلتهم مدارس، بحثوا بدورهم عن الطريق الأمثل نحو الحكمة. الأمر يتعلق هنا، وبدون شك، بحاجة كونية ملحة أخذت صيغا مختلفة. وإذا ما أضفنا توقيت ظهور هذه الأفكار، باعتبارها ظهرت في نفس الفترة من التاريخ، فالأمر يصبح أكثر إزعاجا. هذا الوضع هو الذي دفع كارل جاسبر إلى الحديث عن “حقبة مفصلية”. فهو يشير إلى أنه في محيط سنة 500 قبل الميلاد ( في المجمل على طول الفترة الممتدة من سنة 800 قبل الميلاد إلى سنة 200 قبل الميلاد) قد تم وضع “الأسس الروحية للبشرية” في الهند عن طريق بوذا، في بلاد الفرس عن طريق زرادشت، في الصين عن طريق كونفيسيوس ولاوتسي، في اليونان عن طريق فيتاغور، هرقلطيس، برمنيدس وأفلاطون، في فلسطين عن طريق الأنبياء…” جدة هذه الفترة، تكمن في بداية وعي الإنسان بالوجود في كليته، بنفسه وبقصوره. فقد اختبر مدى ضعفه ومحدودية خياراته اتجاه عالم يتجاوزه. بدأ يطرح أسئلة مهمة ومصيرية. وفي مواجهة فجوة العدم، أخذ يطمح إلى إنقاذ نفسه وخلاصها (..) فخلال هذه الأزمنة أخذت تتبلور أهم أنماط التفكير التي لا زلنا نفكر بواسطتها إلى حدود الساعة.”

طرق الحكمة متعددة ومتشعبة، لكنها تجيب كلها على نفس الأسئلة التي ما انفكت تطرحها البشرية: معنى الحياة، الموت، الحرية، الخير والشر، الخلاص….وبالتالي فليس من حقنا أن نتفاجأ حين نعلم بأن إعادة الاعتبار للفلسفة كنمط للعيش وليس فقط كنظرية، سواء في الغرب أو خارجه، يمر أساسا عبر العودة إلى العصر القديم.

لنأخذ على سبيل المثال مونتيين الذي تشبع بالأفكار الرواقية والأبيقورية، أو شوبنهاور الذي يدين بالكثير للبوذية، أو نيتشه الذي قرأ للفلاسفة الإغريق، أو فوكو الذي عاد، في أواخر حياته، إلى العصور القديمة، قصد التفكير في موضوع “الانهمام بالذات”.

— الفلسفة كفن للعيش أو كطريقة للسعادة—

هل يجب النظر إلى الفلسفة كنمط للعيش باعتبارها تيارا قائما بذاته في الفلسفة؟ أو باعتبارها الثابت الذي يخترق تاريخ الفلسفة، لكن بدرجات متفاوتة؟ على كل حال، فتاريخ الفلسفة يظهر لنا بعضا من فترات الضمور (أي ضمور الحس الوجودي والحياتي في الفلسفة) : السكولائية القروسطية وولعها بالتنظير، العصر الذهبي للعقلانية مع ديكارت الذي اعتمد على العلوم من أجل إفساح مجال أوسع للمعارف العقلانية على حساب الفلسفة كنمط للعيش، أوج الأنساق الفلسفية الكبرى مع كانط وهيجل خلال القرنين 18 و19…غير أن المدقق في تاريخ الفلسفة، قد يتحفظ على هذا الطرح. لنأخذ حالة الفلسفة القروسطية. يمكن القول بأن الفلسفة المسيحية هي من شغلت، بطريقة ما، مكان الفلسفات القديمة. فهي من ستقترح أفقا جديدا للحياة. وستذهب إلى حد استعارة التمرينات الروحية من الفلسفات القديمة، لكن، هذه المرة، من أجل تثبيت الإيمان المسيحي. فيما يخص الفلسفة السكولائية، فستختص بالمجال النظري. ورغم ذلك، فجوليوس دمنيسك سينبه في كتابه ” الفلسفة، نظرية أم نمط للعيش؟” إلى ضرورة تجنب الاختزالات السريعة : ” حتى في سكولائية القرن 13 لم يكن هناك إجماع تام حول اقتصار الفلسفة على المجال النظري”. فقد بقيت مكونا أخلاقيا أساسيا سيزداد قوة مع القرنين الموالين. بالإضافة إلى أن اعتبار ديكارت هو المنظر الوحيد الذي داس بقدميه الإرث الفلسفي القديم، يظل أيضا محط اعتراض، فليس من قبيل الصدفة أن يسمي أحد أهم نصوصه ب “تأملات ميتافيزيقية”. كانط نفسه الذي يعتبر فيلسوفا نسقيا بامتياز، لم ينكر البعد الحياتي في الفلسفة باعتبارها طريقة للعيش، فهو يقول : ” الفلاسفة القدماء الإغريق مثل زينون، أبيقور، سقراط….ظلوا أكثر وفاء للصورة الحقيقية التي يجب أن يكون عليها الفيلسوف، مقارنة بما وقع في الأزمنة الحديثة”.

— مهمة الفلسفة لا تنحصر في البحث عن السعادة—

لا تشكل السعادة غاية الحياة البشرية حسب معظم الفلسفات. هذا ما يشهد عليه كانط الذي يعتبر معنى الحياة كامنا في أداء الواجب الأخلاقي وفعل الخير. روجي بول دورتيي ينتفض بدوره في وجه التصور التسكيني للفلسفة باعتبارها وصفة للسعادة، فهو يمثل، بالنسبة له، توجها جديدا مثيرا للقلق. تجدر الإشارة إلى أن المنافسة تظل شرسة في سوفق السعادة بين أطباء النفس وأخصائيي التغذية والحركات الرياضية……..إلا أن الفلسفة ليست مهيأة لكي تصير منتجا استهلاكيا في سوق ممتازة لبيع رغد العيش. التفكير في نمط معين للعيش، في وضعنا في العالم، في علاقتنا مع الآخرين، في علاقتنا بالجسد….لا ينحصر فقط في بحث عن السعادة. بعيدا عن الاجترار المعرفي والوصفات المعدة سلفا من أجل حياة سعيدة، تجد الفلسفة سبيلها في التوليف بين الأفكار والحياة المعاشة.

من يجسد اليوم أكثر من غيره هذا التصور الفلسفي ؟ ربما مفكرو البيئة ( إيفان إليتش) أو المدافعون عن الحيوانات (بيتر سينجر)، فهم يؤثرون من خلال أفكارهم وخياراتهم النظرية، على نمط عيش ووجود العالم بأسره. مسألة تناغم الفكر مع ممارساته تظل مفصلية هنا، فغالبا ما يتلو هذه الأفكار تأسيس تجمعات لا تختلف كثيرا عن بعض المدارس الفلسفية القديمة. وعلى كل حال، تبقى هذه مجرد نماذج بسيطة، فالطرق التي تؤدي إلى الحكمة لا حصر لها.

Sciences Humaines, Les grands Dossiers n°43, La philosophie un art de vivre

شاهد أيضاً

جسور الفلاسفة

فتحي المسكيني فتحي المسكيني في سنة 2006 نشر الفيلسوف الفرنسي ميشال سار كتابا عنوانه «فنّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *