الرئيسية / ترجمة / دريدا، الصفح.. والجرح الفلسطيني العضال

دريدا، الصفح.. والجرح الفلسطيني العضال

عزالدين بوركة

(شاعر وباحث مغربي)

إذا كان جانكلفيتش يرفض “الصفح” باعتباره لا يرقى إلى الحد الذي يسمح بمحو ونسيان وتجاوز “جرائم ضد الإنسانية” وردّ الاعتبار لضحايا هذه الجرائم (بالخصوص جرائم المحرقة النازية)، فبالمقابل يقف جاك دريدا في الطرف النقيض والمخالف بالكامل لموقف جانكليفيتش، وذلك حينما يأخذ هذا المفهوم إلى المشرحة التفكيكية ويقابله مع مفاهيم تكاد تكون مشابهة له مثل: العفو والمغفرة والمصالحة والتسامح…

في كتابه “الصفح، ما لا يقبل الصفح وما لا يتقادم” (1) يضعنا جاك دريدا إزاء تشريح مفاهيمي لمفهوم الصفح pardonner، حيث يفكك هذا المفهوم ابتداء من مصدره اللاتيني وصولا إلى الفرنسية، مرورا بعلاقته بالهبة والعطاء (العطية) don et donner، معتمدا على رؤية الفيلسوف الفرنسي جانكلفيتش الذي يذهب إلى اعتبار أن الصفح مهمة غير قابلة التحقق، لأننا غير قادرين على إعمال الصفح في وجه ما لا يقبل التكفير وفي هذه الحالة المجزرة النازية التي حدثت في حق اليهود، أو ما يصطلح عليه تاريخيا وإعلاميا بـ”الهولوكوست”. ويصرّ دريدا عن عزل “الصفح” عن مؤسسات الدولة، ما يجرد هذا المفهوم عن أي سياق سياسي، لأن الدولة باعتبارها كيانا غُفلا “ليس لها الحق، ولا القدرة، أن تمنح الصّفح ولن يكون لخطوتها هذه أيّ معنى”، يقول دريدا. هذا العزل قوامه أن الصفح “لا يمت بصلة للحكم، وليست له علاقة بالفضاء العمومي والسياسي”.

يشهد العالم اليوم حروبا طاحنات ومجازر في حق شعوب لا حول ولا قوة لها ومعزولة من السلاح للدفاع عن نفسها، في وجه بطش دول وجماعات. بل تكاد القضية الفلسطينية من أقدم وأفظع أنواع الاحتلال والاعتداء على شعب بأكمله، الذي أقيمت في حقه مجازر عدة لأزيد من 70 سنة، من قبل دولة الاحتلال الصهيونية. الأمر الذي يقودنا إلى ضرورة معالجة مفهوم الصفح في ظل هذه القضية العربية الكبرى، وخاصة وأن أهم فيلسوفين عالجا هذا المفهوم وأدخلاه إلى مشارح الفلسفة والتحليل والتفكيك، جانكلفيتش ودريدا، هما من أصول يهودية، يعالجان قضية مست العمق اليهودي وغيرت الخريطة العالمية، وجعلت دولا وشعوبا تتعاطف مع القضية اليهودية في وجه المجازر النازية.

فهل يستقيم الصفح وهذه الحالة؟ هل يمكن للفلسطينيين أن يصفحوا يوما عن المستعمر اليهودي؟ وأليس التاريخ يعيد نفسه، بصيغة مغايرة نسبيا؟ وأليس ضحية الأمس هو جاني اليوم؟ فكيف سنرى الصفح من هذه الزاوية؟

يفكّك دريدا في هذا النص أطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح في كتابيه “الصفح” و”ما لا يتقادم” إشكالية الصفح بحدّة يتعصّب فيها للانتقام، على خلفية فظائع المحرقة النازية، ما جعله يرى الوعي الألماني كلّه مذنبًا وشقيًّا. من جهتها فالفيلسوفة اليهودية حنة أرندت، وإن لا ترى في الصفحة امكانية ارتقائه إلى حد محو كل الجرائم التي تمس الإنسانية، لأنه لا يقابلها قانونيا، إلا أنها لا ترفضه كحل لا مناص منه للقضاء على شرور العالم، إلا أن التفاهة، تفاهة الشر بالتحديد، حينما يتم محاكمة شعب كامل أو شخص بعينه بتهمة جرائم ارتكبها نظام استولى على الحكم في فترة معينة، وتستشهد على ذلك بالقضية الأكثر شهرة في القرن 20 والتي سميت ب”محاكمة آيخمان”، إذ يصير عند أرندت أن الصَّفْح لفظ متلازم “للعقاب” دون أن نستنتج مع ذلك وجود بعد قانوني بالضرورة.. هذه ثلاثة أصوات تنحدر من “العرق اليهودي” تقف في نقط تقاطع وتباين من هذا المفهوم الذي يكاد يكون شائكا وعصيا عن القبض.

عملية تحقيق الصفح في كل الحالات تكاد تكون معقدة إلى مستحيلة، لأنه شأن خاص بالضحية، ما يجعله مستحيلا على حدّ تعبير دريدا، فـ”ليس علينا أن نصفح، بل ليس هناك صفح أبدا -هذا إذا كان أصلا موجودا- إلاّ حيث نقف أمام ما لا يقبل الصّفح. معنى هذا أن الصّفح، يجب أن يعلن عن نفسه، كما لو كان المستحيل نفسه”. إلا أن من هذه الاستحال يصير الصفح ممكنا، إذ هو تحقيق للمستحيل، وتمكين للاممكن، فهو لا يتحقق إلا بموجب وجود “ما لا يقبل الصفح” ويتعذر الصفح عنه، فأي أمر يقبل الصفح لا يحتاج لاعمال الصفح، لأن في طياته امكانية الصفح متوفرة، بينما الصفح باعتباره مفهوما إنسانيا راقيا وساميا فهو يأتي باعتباره تحقيقا للمستحيل وللا-ممكن im-possible. ويشترط دريدا اللانسيان ليتحقق الصفح، فغاية هذا “الفعل النبيل” لا تتمثل في النسيان. فلكي نحقق الصفح يلزمنا أن نخلّد تلك اللحظات المأساوية والقاتمة، يجب إعمال الذاكرة، فـ”نعم للصفح ولا للنسيان” كما أعلن نيلسون مانديلا حال انتصار ثورة العبيد وتحقيق الديمقراطية!. فالتخلي عن الذاكرة كما يعلن إدغار موران، هو جريمة جهنمية في حق الصفح.

يصير بالتالي الصفح موقفا ساميا ونبيلا، يقدمه الضحية كهبة للجاني، فيحضر بالتالي الصفح باعتباره هبة ويصير الضحية متعاليا عن الجاني لأنه يقدم له شيئا بلا مقابل، أمرا خالدا في الزمن وتتوارثه الأجيال القادمة. إنه موقف يقف في طرف النقيض لموقف جانكلفيتش الذي يتعصب للانتقام.

بين ثنائية الرفض والقبول للصفح وقف فيلسوفان ينحدران من “العرق اليهودي”، في ذات الموقف تجد أطرافا عربية وفلسطينية اليوم نفسها أمام استحالة قبول الصفح وامكانية قبوله، بل إن الزمن أعاد نفسه بصيغة جديدة حيث صار الضحية جانيا، وخُلق ضحية جديد (الشعب الفلسطيني) على أنقاض أرواح ضحايا سابقون.

هنا وجب التأكيد أن مفهوم الصفح عند دريدا يحضر باعتباره أعلى من العفو والمسامحة والتصالح… إلا أنه لا يترتب عن طي الصفحة ونسيان الماضي، بل وجب تخليد تلك الأحداث في الذاكرة وعدم نسيانها حتى يكتمل الصفح. فالجرائم الإسرائيلية التي تحدث في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، يصير لزاما عدم تناسيها ونسيانها وتجاهلها، بل لابد من حفظها في ذاكرة الأجيال القادمة، بالمقابل وجب منح الصفح امكانية التحقق في المستقبل، بشرط تقدم “الجاني” بطلب الصفح، ولا يقتصر طلبه على مرتكب الفعل الاجرامي بل يظل سائر المفعول على طول الزمن، إذ يصير ارثا تتناقله الأجيال فيما بينها، أجيال الجاني وأجيال الضحية. فما اقترفته الدولة الأمريكية في حق الشعب الهندي الأحمر، تخلده المتاحف التي أنشأتها هذه الدولة عينها، بل ليس ببعيد عن البيت الأبيض يقع متحف الهنود الحمر ليشهد على جرائم الولايات المتحدة في حق الشعب الأصلي، ويشهد على منح الصفح وطلبه. فمفهوم الصَّفْح، من حيث إنه مفهوم استثنائي يأتي ليقابل تلك الجرائم التي ارتُكبت باسم الإنسان، وفي حقّه، تلك الفظائع والشناعات التي تتجاوز حدود الإنسانية وتطال المجال ما فوق الإنساني وتصل إلى حد الشّرّ الجذري والمطلق، والتي لا يمكنها أن تستقيم والفكرة الساذجة عن الصَّفْح بما هو توافق سياسي أو قانوني أو تشريعي؛ إن هذه الفظائع تدخل في باب ما لا يقبل التكفير، وما لا يقبل جَبْر الضَّرَر، وما لا يمكن مَحوه، والعضال، وما لا رجعة فيه، وما لا يُنسى، وما لا يُلغى أو يُنقَض، إنها تتجاوز الحدّ النهائي والأخير. وما أقامته إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني تقع في باب ما لا يقبل جبر ضرره وما لا يمكن محوه وما لا رجعة فيه، بل العضال وما لا ينسى.

في موقف آخر رأى دريدا في إسرائيل كحقيقة لم تعد “قابلة للنسف”، فبرغم أن تأسيسها يظل بالنسبة إليه غير خال من أسئلة موجعة -لكونه كان مناهضا للصهيونية- لكنه رأى أن من الأفضل -كما جاء في كتابه تاريخ الكذب- “مع مراعاة كل شيء ولمصلحة أكبر عدد من الناس حتى الفلسطينيين، بما في ذلك الدول الأخرى في المنطقة، اعتبار ذلك التأسيس ــ رغم العنف الذي نشأ عليه في البدايات ــ كيانًا لا يمكن الرجوع عنه من الآن فصاعدًا، بشرط قيام علاقات مع دولة فلسطينية تتمتع بجميع حقوقها بأدق ما تعنيه كلمة دولة”. فـ”كذبة اسرائيل” التي باتت “حقيقة” وضعت فلاسفة في موقف حرج بين قبول قيام الدولة ورفض الانتهاكات وجرائم ضد الإنسانية التي تقوم بها في حق الشعب الفلسطيني. في جهة أخرى تقف أصوات يمينية ويسارية ضد اعتبار “اسرائيل” دولة، لكونها قامت فوق مجازر و”محارق” أقيمت في حق الشعب الفلسطيني منذ الانتداب البريطاني وصولا إلى يومنا هذا وما يشهده هذا الشعب من انتكاسات ودمار. فيبقى سؤال “الصفح” معلقا إلى حين!

  • جاك دريدا، الصفح…، دار المتوسط، ايطاليا 2017، ترجمة نور الدين عبد الرحيم ومصطفى العارف.
  • من أرشيف الكاتب:

شاهد أيضاً

مستويات اللغة في رواية “عين خفشة”

د. رياض كامل ملخص تعالج رواية “عين خفشة” الجراح والآلام التي خلّفتها “النكبة” في نفوس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *