الرئيسية / منتخبات / تغطية / الطّهرانية في الأدب

الطّهرانية في الأدب


رسالةٌ إلى كاتِب “برج الميزان[1]

يا كاتب “برج الميزان” أينما كنت، تحياتي العطِرة لك

وبعد،

من بابِ الاحترام والتّقدير أولاً، ومن بابِ الواجبِ ثانياً، ومن بابِ اللّياقة ثالثاً، أشكرك على عملك المومأ إليه فَوق، والذي –إضافة استمتاعي بقراءتِهِ- شجعني على الاستمرار في فعلَي القراءة الكتابة، بل جعلهما شغفا لي.

لكن، يا سيدي الكاتب، لستُ أتفق مع كثيرٍ من الأشياء التي جاءت في نصك، والتي يمكن إجمالُها في العنوان الآتي: الوصايا على القارئ، أو الطّهرانية الزائدة.

الطّهرانية الزّائدة

لمَ سيدي الكاتب تلك الموعظة في نصك؟ من قال لك إننا في حاجةٍ إليها؟ لقد أَتْخَمَنَا بها مشاييخُ الفضائيات. نحن نريد كتابةً عن غيرِ المألوف، عن العجائب،  عن الإثارة، عن العبث، عن الفوضى، الخ.

سيدي الكاتب، كيف لنجاة (البطلة) التي “درست في الغَرب وتشبعت بثقافته[2]” أن تجعل منها محافظةً كما قلتَ عنها؟ ومن أعطاكَ الحق لتذكرنا “أن التّدخين مضرٌّ بالصحة[3]“؟ أليس التدخين عادةُ كبار الكُتَّاب؟ هل تُحَلِّلهُ على أنفسكِم، أنتم مَعْشر الكُتّاب، وتُحَرمهُ علينا نحن القراء؟ لمَ هذه الأبوية سيدي الكاتب؟ ثم، يا صاحب “برج الميزان”، ما أهميةُ الصحة والعيش في هذا البلد المُهْضَمَةُ فيه حقوقنا؟

تأمل معي سيدي الكاتب، تقول على لسان البطل عبد الحق: “مررنا على البيت، لكننا لم نفضل الدخول إليه…”! إنك تمعن هنا، تمَامَ الإمعان، في “العفة” أو التَّعفف؟ لمَ لا تقُلْ، بذل الذي قلت، على الأقل، “مررنا على البيت…” ودعنا، نحن القراء، نتخيل. أو دعْ عنكَ عن ذكر البيتِ أصلا. سيدي الكاتب، أليس الأدب في مبعدٍ عن هذه الطّهرانية؟ كيف لغرامِ أو عشقِ كاتبٍ وفنانٍ لمُتبحرةٍ في الأدب الفرنسي أن يكون عفيفاَ كما تقول –على لسان عبد الحق- في هذه الجملة : “كنا مغرمين ببعضنا البعض كثيرا، وكان الغرام عفيفا يأخذ شكل صداقة عميقة[4]“؟

اسمح لي سيدي الكاتب، وداعُ الحبيبين لا يكون بالدموع وكفى. لا أبدا. لستُ أتفق مع عبد الحق حينما يقول لنا في آخر النص: “ودعتني [نجاة] بدمعتين[5]“. أين العناق؟ أين القبل؟ أين …؟

الوصايا على القارئ

سيدي الكاتب، ألم يقتل “رولان بارت” المؤلِّف؟ فلِمَ أحييته في نصك؟ لمَ جعلته، من حينٍ لآخر، يتدخل –ولو بكيفية غير مباشرة- لكي يوجه قراءتنا؟ لا حظ معي سيدي الكاتب، لقد قلتَ لنا، منذ بداية النص في الفِقرة المُعنونة ب”استهلال”: “لا تصدقوا وما ورد فيها [الرواية]، فهي مجرد حلم حَلُم بها شخص مولع بالقراءة والكتابة[6]“. ثم جئتَ لاحقا وقلت: “حاولت أن أكون صادقا فيما أكتب. لكن الصدق هنا يبقى صدقا فنيا بالضرورة، فهو يخضع لمقتضيات السرد الروائي ولمتطباته […] فمهما تشابهت المصائر هنا، فهي لا صلة لها بالحقيقة[7]“. يا سيدي، ما شأنك أنت فيما نصدق ولا نصدق؟! لمَ لا تدعنا ننظر إلى الحقيقة التي نريد نحن وليس بالضرورة الحقيقة التي تريدها لنا أنت من وراء نصك؟ لِمَ تدع التعليق لنا، وتترك الكتابة لك؟

تعلم سيدي الكاتب؟ لقد أعجبني مشهد خروج الراوي، أي البطل عبد الحق، وصديقه فريد من المدرسة وولوجهما إلى المقهى ل”شرب قهوة سوداء وتدخين بعض السجائر[8]“، لكن أغضبني، نعم أغضبني، استدراك الراوي –بتوجيهٍ منكَ طبعاً- حينما قال إنه لم يكن هنالك تدخين ولا قهوة سوداء، وأن ذلك “فقط من متطلبات السرد الروائي”[9]. بالله عليك، دعنا، نحن القراء، نصل إلى ذلك بأنفسنا.

اسمح لي أن أصفك، سيدي الكاتب، ب”المستبد”. تريد أن تكون الكاتب والقارئ المُعَلِّق والناقد!

صدقا، أنا غاضبٌ منك سيدي الكاتب. نعم، أنا كذلك، لأنك كتبتَ نصا عن عاشقين لكنه خالٍ من القُبل والعناق…ولا قبلة واحدة توجد في النص سيدي الكاتب..!

لقد كنتَ جدياً أكثر من اللّازم.

تعلم سيدي الكاتب، سأخبر “ديونيسيوس” و”أفروديت” عن نصك هذا، وربما يطردونك من جنة العشاق.

القارئ محمد بدازي

الدار البيضاء في: 12/01/2019


[1]  نور الدين محقق، برج الميزان، منشورات سليكي أخوين-طنجة، ط ،1 يوليوز 2017.

[2]  ص 5.

[3]  ص37.

[4]  ص 76.

[5]  ص 79.

[6]  ص 4.

[7]  ص 27.

[8]  ص 40.

[9]  ص 41.

شاهد أيضاً

الاحتفاء باليوم العالمي للفلسفة: الشباب رهان المستقبل*

متابعة: رشيد المشهور** نظمت مؤسسة ثانوية عبد العزيز مزيان بلفقيه التأهيلية ندوة تربوية فلسفية احتفاء …

4 تعليقات

  1. مريم الجنيوي

    أتفق مع الناقد ؛ الكتابة عن المألوف مملة ، والسرد الأدبي فني بالضرورة ؛ يعتمد الخيال ، ويفتح المجال لتعدد التأويل .

  2. شكرا مريم.. إنما كاتب النص ليس ناقدا، بل مجرد قارئ/مهتم بالأدب. طبعا، لقولي مرجعية وهي التوجه الذي بدأته الرواية العالمية المعاصرة (ما بعد الرواية البالزاكية الكلاسيكية على حد تعبير نطالي ساروت)، والتي عرفت تغيرا جذريا في بناء النص الروائي.
    شكراً.

  3. الوصاية الأدبية شأنها شأن الوصاية الفكرية، كلتاهما تعطلان نشاط العقل، تحد من قدرته على نفخ الروح في النص، تقتل الحس النقدي وتجهز على مخيلة القارئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *