الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / أنعيش أزمة قيم أم نعيش قيما جديدة؟

أنعيش أزمة قيم أم نعيش قيما جديدة؟


بقلم:  ذ  المهدي تجديد*

تعتبر القيم بصفة عامة  وليدة  عادات  وتقاليد المجتمعات . فيمكننا أن نتعرف على مجتمع ما من خلال قيمه المأخوذة أساسا من قوانينه و من تشريعاته ومن منظوره للحرية.

وقد أدى العصر الرقمي الذي نعيش فيه إلى تجاوز بعض القيم المتعارف عليها    كقيم الجمال والحب والتسامح .لقد أصبحنا نلحظ انتشار قيم الدول السائدة  اقتصاديا وماديا في جل دول العالم فهي أضحت كموضة ملزمة الإتباع لمسايرة موجات التحرر والتقدم  -كما يقال -ومن هنا نشأت ما بات يسمى بأزمة القيم بين من يتشبث بالقيم الموروثة وبين  من يتبنى القيم الجديدة .

فماهي الأسباب  العميقة التي أدت إلي ظهور ما يسمى بأزمة القيم ؟ وماهي تمظهراتها؟ وماهي نتائجها  ؟ ألا يمكن التحدث عن ظهور معاني جديدة للقيم؟

ومن أجل لم شمل هذه التساؤلات سوف نتطرق لهذا الموضوع على ضوء الإشكالية التالية : إلى أي حد يمكن اعتبار بداية القرن 21 بداية أزمات قيم تمس بالتحديد القيم الإنسانية بكل تجلياتها ؟

يعيش الإنسان كباقي مكونات الطبيعة فترات تشوبها مشاكل وأزمات تقوم بقلب موازين حياته. والأزمة قد تولد بدورها أزمة أو أزمات أخرى حسب تطور الإنسان تماما كتطور الطبيعة، فهي في تطور دائم وفي أزمات متوالية.

        لقد انطلقنا من هذا المنطلق لكي نتعامل مع أزمة القيم كمفهوم عادي تفرضه الطبيعة أو قانون الحياة بصفة عامة. والقيم كخاصية إنسانية تميز الفرد كما تميز الجماعات حسب التوزيع الجغرافي و الديني والسياسي والاقتصادي و تعرف الأزمة هي أيضا أزمات بتطور وتغير هذا التوزيع. فلا يمكن الحديث عن أزمة القيم دون ربطها بالسياق العام التي تتطور فيه .

ولا يمكن التحدث عن هذا القرن دون ربطه بالقرن02 فهو بالنسبة لنا فترة انتقالية تمتد من سنوات الثمانينات، حيث أثر الهاجس السياسي- المادي الذي قسم اقتصاديا العالم إلى ثلاث جهات إلى” دول متقدمة”، دول “في طور التقدم “و أخرى” متخلفة”.

فأصبح الفرد الغني أو ذو  الدخل المتوسط  يتأثر غالبا ببعض القيم الجديدة الموروثة من الرأسمالية كالموضة مثلا. وأصبح يسعى إلى ماهو مادي -استهلاكي مطلِّقا بذلك  عاداته وتقاليده وعلاقاته الإنسانية المبنية أساسا على قيم بلده. أما في حالة الفرد الفقير وخصوصا المنتمي إلى الدول الفقيرة أو السائرة في التطور فهو يعيش حالات من الدونية  والاقصائية يتقاسمها مع أفراد المجتمع الذي يعيش فيه والتي قد تجعله يعيد النظر في حياته و في مجتمعه .

وفي كلتا الحالتين ألا يمكن التحدث هنا عن تصارع القيم في هذه الحقبة ؟ نعم، فتصارع القيم – كما أكد على ذلك ماكس فيبر Max Weber-(في كتابه سوسيولوجية الاديان)هي نتيجة للتصارع نحو التسلح ونحو فرض السلطة السياسية والمالية التي كانت  ولازالت  هم دول العالم .

فبالنسبة لهذه المنظومات البرجماتية-المادية مفهوم الشخص  هو مغيب في الحسابات السياسية والمالية، وكما أكد عليه نفس الفيلسوف السابق، فان  السياسة الاقتصادية غريبة عن الأخلاق والقيم. وهنا تنشأ  أزمة القيم :  أ يتشبع الفرد بقيم جديدة أو  يبقى وفيا لقيمه ولقيم بلده ؟ 

وتتطور أزمة القيم بتطور حال المجتمع  فهي أصبحت تتخذ منحى آخر. حيث ساعد في ذلك انتشار ما يعرف  بالعالم الرقمي و عبره شبكات التواصل الاجتماعي، فأصبح الكل يؤثر في الكل والكل يؤثر في الفرد وخصوصا أصبح الفرد يؤثر بشكل غير مسبوق في الكل ” فتغريدة واحدة” عبر  تويتر “Twitter” أو منشور واحد لفرد قد يؤدي إلى تغيير سلوك جيل كما يحدث مثلا  في” الدين”، و في ” السياسة”.

 وبهذا أصبحت القيم في نظرنا كونية لا دين لها ولا عادات لها. فهي متحولة وموحدة وعالمية، فحتى المعرفة كيفما كان نوعها  أصبحت تتم عبر المحرك العالمي “جوجل” !

وهنا يطرح السؤال : ألا يخلق هذا التطور في القيم أزمات تمس ماهو أخلاقي، وجمالي،و ديني …؟

وكما قلنا سالفا يعيش الفرد فوق هذه البسيطة فترة مُسيّسة على عدة أصعدة وخصوصا على المستوى القيمي. فلمسايرة السياسة الاقتصادية الرامية إلى الحفاظ على الكيان المادي لدولة ما تعتمد هذه الاخيرة  على سياسة الاستبداد والسلطة، حيث يجد الفرد نفسه مندفعا للعصيان ضد هذه السياسة القمعية فهو وفي هذا النسق مستعد لطمس قيمه الوطنية ولنهج طريق العصيان. والعصيان يبدأ في غالب الأحيان في وقتنا هذا من عالم افتراضي حامله الشبكة العنكبوتية،فيتحول العصيان إلى ثورة جماعية يشترك فيها كل الأفراد التي تبحث عن استقلال مادي ومعنوي مما يؤدي إلى الاصطدام بالسلطة وخير دليل على هذا ما شاهدناه أثناء الثورات العربية وما نشهده  الان  من انتفاضات في فرنسا. وهنا قد يعاد النظر في القيم الوطنية القابلة للتحول بتحول الظروف السياسية.

هذا بالإضافة إلى تأثر القيم المجتمعية بتيارات  “فيسبوكية” غريبة  داعية إلى دفن القيم الموروثة كالقيم الدينية . فهناك شبكات ومجموعات داعية إلى الإلحاد أو إلى تغيير الأديان وأخرى أصبحت تدعو إلى الهجرة وترك الوطن لأنه أصبح  لا يضمن العيش الكريم.

 ومن هنا يستنتج كل متفحص أن المجتمع في وقتنا الراهن يعيش أزمة هوية تخفي أو تحارب قيمه الأولية وتجعله ينساق وراء موجات التغيير غامضة المعالم، حيث صارت المجتمعات متشابهة لها نفس الهواجس ونفس المتطلبات، بل قل ونفس الثورات !

وأصبح  الفرد في ظل أزمة القيم أو في ظل تحول القيم بدون هوية فقيمه وثقافته أصبحت مرتكزة أساسا على المصادر الرقمية، فهو يتأثر بها،ويشحن بها، مما قد يؤدي به إلى التشدد في آرائه في الدين، في السياسة، وفي الأخلاق…  ” فالفرد نت” قد يدمر بسهولة قيمه المتعارف عليها، وذلك بشكل علني أو فردي.

وكختام لما تم سرده فلابد من الاعتراف بهذا الواقع الحالي وذلك بالمرور إلى ” الفعل” وهذا الفعل يتلخص في رأينا في فعل ” التربية” بمحاولة الجواب أولا على السؤال:  هل نحب أطفالنا ؟ وذلك لكي لا نتخلى عنهم في هذا العالم. ويجب بالتالي  أن نفكر جادا في طريقة تربية اطفالنا، حيث لا نتركهم  لحالهم  دون نزع خاصية التفرد لديهم، كما أكدت عليه حنا أرندت في كتابها ” أزمة الثقافة”. إنها الطريقة الوحيدة والمهمة الوحيدة ” لتجديد عالمنا المشترك” كما قالت نفس الفيلسوفة حيث  يجب أن نربي النشء على ما سيكون في المستقبل، وليس على ماهو كائن مستفيدين بذلك مما خلفته الثقافة الرقمية الحالية.فمن هنا تأتي مسألة إعادة النظر في التربية وفي التعامل مع هذا الواقع الجديد، واعتبار هذه الفترة كفترة إرساء لقيم جديدة متحولة يجب التحكم فيها والتعايش معها لصالحنا.

المراجع المذكورة

“” سوسيولوجية الاديان ” ل   Max Weberماكس فييبر (Sociologie des Religions) .

” أزمة الثقافة”  ل حنا أرندت (La crise de la culture) Hannah Arendt .

*من انجاز الطالب-المفتش شعبة اللغة الفرنسية المهدي تجديد – الرباط.

شاهد أيضاً

لعنةُ الإرهابِ: الفلسفة والأرواح الشريرة!!

سامي عبد العال سامي عبد العال في تاريخ الرُعب– إذا أَمْكَّنَ التأرِيخ له- لا يُخلصنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *