الرئيسية / منتخبات / عامة / المجتمع الحساني وسوسيولوجيا تراب البيضان

المجتمع الحساني وسوسيولوجيا تراب البيضان

 المجال الجغرافي والسوسيو اقتصادي لمجتمع الصحراء (1)الجزء الأول

منعم الامساكي

أستاذ وباحث، تطوان – المغرب

2019

يعتبر مجتمع الصحراء من المجتمعات الممتدة في فضاء واسع جدا بمنطقة شمال إفريقيا عموما والجنوب المغربي على وجه التحديد، وهو مجال معروف بخصوصية طبيعية وثقافية  يمتاز بها عن باقي أنماط المجتمعات. إلا أنه قبل الخوض في الحديث عن هذه الأنماط المعيشية التي ينفرد بها مجتمع الصحراء لابد من الحديث عن الرقعة الجغرافية أو الإطار المجالي الذي ينتمي إليه مجتمع الصحراء ضمن الخريطة المغربية أو المجتمع المغربي ككل.

إن مجموعة كبيرة من الباحثين في ميدان البداوة والمجتمع الصحراوي عموما بالمغرب يكادون يتفقون على أن الحدود المجالية لهذا المجتمع (مجتمع الصحراء) لم تكن مطروحة في السابق[1]، ذلك أن الصحراء عبارة عن  أرض واسعة جدا يجوبها الرحال جيئة وذهابا بحثا عن الكلأ والماء بالدرجة الأولى بحيث لم يكن في عرف الرحل ما يمكن تسميته بصحراء المغرب وصحراء الجزائر وصحراء موريتانيا… بل الصحراء واحدة و المجال واحد والجغرافيا واحدة، ولا وجود لحدود سياسية أو جغرافية لهذا المجتمع إلا عندما تبدأ المدن أو شواطئ البحر، هذين المعطيين هما الوحيدان اللذان كانا يشكلان في السابق حدودا للمجتمع الصحراوي. ومن هذا المنطلق كان الإنسان البدوي الصحراوي في هذه المنطقة لا يعترف بانتماء محدد لدولة محددة، فتجده تارة بأرض المغرب وتارة أخرى بالشمال الموريتاني وقد تجده بالغرب الجزائري دون أن يطرح له مشكل العبور بين الشمال والجنوب والشرق والغرب أدنى مشكل في عملية تنقله في طلب الكلأ والماء.

غير أنه وبعد أن رُسمت حدود الدول الكائنة بشمال إفريقيا (المغرب – تونس – الجزائر – موريتانيا – ليبيا…) أصبح مشكل الهوية مطروحا لدى البدو الرحل، إذ صار لزاما على كل فرد حمل بطاقة تعريف وطنية تجعل منه منتميا لهذا البلد أو ذاك[2].

ومع رسم الحدود المجالية لدول شمال إفريقيا سيصبح بالإمكان الحديث عن صحراء مغربية ذات حدود مجالية شمالا وجنوبا وشرقا وغربا. فالمجال الصحراوي المغربي يمتد من وادي نون شمالا إلى وادي الذهب جنوبا مرورا عبر الساقية الحمراء[3].

يتميز هذا المجال الفسيح بخصائص جغرافية ومناخية محددة تسمه بميسم خاص، حيث يعرف مناخا جافا وحارا، إلى جانب ندرة أسباب الحياة بهذا المجال من ماء وكلأ ومراعي[4].

هذا الغطاء الإيكولوجي سيفرض على سكانه نمطا فريدا وخاصا للعيش، أو لنقل، لمواجهة تحديات الطبيعة لضمان البقاء في مضمار الحياة.

–       البدو الرحل:

إن الخصائص السوسيوإيكولوجية التي تحدثنا عنها سابقا جعلت من سكان هذه المنطقة (منطقة الصحراء) يتميزون بنمط عيش فريد، إذ يعتمدون على الترحال والتنقل بين ردهات الصحراء الطويلة والواسعة، وهو ترحال له هدف أساسي يتجلى في البحث عن مصادر الطعام ثم التنقيب عن المياه ومنابعها، إلى جانب العثور على واحات وفضاءات تتميز بالخضرة والعشب لرعي الإبل والمواشي[5].

وسكان هذه المنطقة يسمون بدوا، وتجدر الإشارة هنا إلى مدلول كلمة بدو في اللسان العربي، فحسب ابن منظور[6] “البدو والبَداوة و البِداوة خلاف الحضر، والنسب إليه بدوي، والحاضرة القوم الذين يحضرون المياه وينزلون عليها في حمراء القيظ، فإذا برد الزمان ظعنوا عن أعداد المياه وبدوا طلبا للقرب من الكلأ، فالقوم حينئذ بادية بعدما كانوا حاضرة، هي مباديهم جمع مبدى، وهي المناجع ضد المحاضرة، ويقال لهذه المواضع التي يبتدي إليها البادون بادية أيضا”[7]. من هذا التعريف يمكن تسجيل ملاحظة مهمة تتمثل في كون البادية تقع في مقابل الحاضرة أي المدن والقرى والريف، وسميت كذلك حسب ابن منظور لأن أهلها “حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار”[8].

وهو نفس التعريف الذي قدمه صاحب المقدمة بقوله: “البدو هم مقتصرون على الضروري في أحوالهم، العاجزون عما فوقه، وأن الحضر المعنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم. ولا شك أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه”[9]. والبدو هم رحالة لا قرار ولا استقرار لهم. دائمو التنقل بحثا عن كسبهم المعيشي، ومنه تشتق كلمة ترحال التي يعرفها المعجم الفرنسي “لاروس” بأنها : “نمط عيش يتميز بتنقل المجموعات البشرية قصد ضمان البقاء”[10]. وعليه فإن هذه التعريفات المختلفة سواء المتعلق بالبدو أو البداوة تثير قضية أساسية هي أن نمط عيش سكان المناطق الصحراوية متنقلون لا مستقرون ودائمو الترحال، وأن مصدر قوتهم متوقف على هذا التحرك في المجال، إلى جانب ارتباط معيشهم بالرعي لا الفلاحة لأن هذه الأخيرة تتطلب أرضا خصبة كما تتطلب استقرارا للزراعة فيها.

إلا أن الباحث محمد دحمان يرى بأن هناك أصنافا للبداوة لم تذكرها كثير من المراجع والمصادر والوثائق المتحدثة عن هذا النمط من الحياة كبداوة الجمع والالتقاط بداوة الصيد، بداوة الرعي، ثم بداوة الزراعة البدائية، وكلها مرتبطة بالترحال وعدم الاستقرار في مكان ثابت طوال العام[11]. كما أنه يؤكد على أن البداوة في المصادر العربية ارتبطت أساسا بالعرب والمناطق العربية الصحراوية، إلا أنه يرى أن الواقع هو أن البداوة ليست وقفا على الصحراء، وبالتالي ليست وقفا على العرب. إذ أن كل صحراء تهيئ لحياة البداوة، ولكن ليس كل حياة بداوة هي حياة صحراء[12].

وأصل كلمة ترحال Nomadisme/Nomade اغريقي nemo بمعنى وزع؛ أي قدم جزءا من المرعى لقطيع من الماشية، أو Nomas أي أرعى، بمعنى الذي يغير المرعى الذي ينتقل على طريقة القطعان. والنتيجة هي أن السلوك الترحالي بهذا المعنى يعبر عن نمط عيش لا عن إثميات أو شعوب[13].

هكذا، إذن، تبين أن نمط البداوة هو نمط يهم بالأساس الترحال والنجعة طلبا للرزق في أماكن متفرقة ومتعددة يقتصر فيها الاستقرار على مدى وفرة خصائص الحياة من ماء وكلأ ومرعى للماشية، أو بشكل عام مدى توفر الأمن الاجتماعي والطبيعي الذي يمكن أن يزخر بها مكان معين أو آخر.

–       أشكال الترحال :

فكما أن هناك أنماطا من البداوة فإن هناك أيضا أشكالا من الترحال عرضها مجموعة من الباحثين الفرنسيين من خلال دراستهم لمجتمع الصحراء في شكل مونوغرافيات وفي مجالات مختلفة حول هذه المنطقة وساكنتها من أمثال : كابوتري ودولاكروا وغيرهما، حيث يجمل Robert Capot Rey الترحال في 6 أشكال هي :

  1. الأشكال القديمة للترحال : تعتمد على القنص والقطف لضمان أسباب عيشها.
  2. الرحل الصيادين: ذلك أن منطقة الساحل الأطلسي تشكل أغنى مناطق العالم وفرة للسمك. فظهرت بهذه المنطقة مجموعات بشرية تدعى “إيمراكن” بموريتانيا والجنوب المغربي وتحديدا بوادي الذهب ظهرت قبائل أيضا تدعى “الشناكلة” وهذه مجموعات تستغل هذا المورد الهام لتوفير غذائها.
  3. الترحال الرعوي : إذا كانت الزراعة تتطلب أرضا خصبة واستقرارا بجانب هذه الأرض لفلحها وزرعها، وهي الشروط التي لم تكن متوفرة بهذه المنطقة (منطقة الصحراء)، فإن النشاط الرعوي كان هو العامل السوسيو اقتصادي الذي يعتمد عليه هؤلاء الرحل في كسب معيشهم، وهو كما يعتبره مجموعة من الباحثين أساس الهجرات والتنقلات. ومن هذه الموارد (المواشي والقطعان) يستخرجون منها غذاء أساسه الحليب والجبن وكذلك حلية يلبسونها من الصوف والجلد والوبر ثم يستخدمونها في مآرب أخرى كصنع الخيام والأواني.
  4. القوافل : وهي التنقلات التجارية التي تخضع المنتوجات لمنطق المبادلات التجارية، وهذه التنقلات تضم عددا كبيرا من الناس والمواشي. ثم إن هؤلاء الرحل يمارسون التجارة عبر ثلاثة أنواع أو أساليب : كناقلين للبضائع، ومكترين لنوقهم وجمالهم، وكحماة للمسافرين وللبضائع، ثم كممارسين للمقايضة مقابل البضائع الواردة من خارج مجتمعهم.
  5. الزراعة العرضية : الزراعة في المجتمع الصحراوي نادرة جدا بقدر ندرة المياه، إلا أن هذه الندرة لا يمكن أن نستثنيها من هذا المجتمع على الرغم من قلتها. وتعرف هذه الزراعة غرسا بالمحراث بعض الحبوب كالزرع أو الشعير في الساقية الحمراء.
  6. مسكن الرحل : يتخذ الرحل من الخيام سكنا لهم، لكونها تسهل في عملية جمعها إذا ما أذن بالرحيل، وليس لهم منازل أو دورا نظرا لغياب زراعة منتظمة[14].

وعليه، فالترحال يهم بالدرجة الأولى البحث عن أسباب الحياة والمناخ الذي يسمح بزراعة مؤقتة، إلى جانب توفر فضاءات -على قلتها- لرعي الماشية. وهكذا، وبهذه الخصائص، يتميز مجال الصحراء بدينامية دائمة فرضتها قساوة الطبيعة واستجاب لها سكان المنطقة بثقافة فريدة ونمط عيش خاص ميزهم وميز هذه المنطقة على باقي المناطق الأخرى في العالم.


[1]  :  د. محمد شرايمي، محاضرات حول البداوة والاستقرار، جامعة عبد المالك السعدي كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، موسم 2012 – 2013.

[2]  :  سنعود في فصل لاحق للتحديد بالتفصيل عن عملية الاستقرار التي سيعرفها مجتمع ترحالي بامتياز.

[3]   :  د. محمد شرايمي وآخرون،  تنمية مجتمع الصحراء  :  بين سياسة الدولة وإمكانات المجتمع المحلي، أبحاث ودراسات حول الصحراء، طوب بريس، ط.1، الرباط،  2009،  ص :  98.     

[4]  :  محمد دحمان، الترحال والاستقرار بمنطقتي الساقية الحمراء ووادي الذهب، مطبعة كوثر برانت، الرباط، 2006، ص :  28.

[5]  :  نفس المرجع السابق،  ص : 40.

[6]  :  ابن منظور،  صاحب معجم لسان العرب المشهور.

[7]  :  ابن منظور الافريقي المصري،  لسان العرب،  المجلد 11،  دار صادر،  بيروت،  لبنان،  ب.ت،  ص : 67.

[8]  :  نفس المرجع السابق،  ص : 167.

[9]  :  عبد الرحمان بن خلدون، المقدمة، تقديم وتحقيق  :  عبد الواحد وافي، دار نهضة، مصر، القاهرة، ب.ت، ص :  473 .

[10]   : LA ROUSSE , Tomel , Libraire Larousse , Paris , 1965.

[11]  :  محمد دحمان، الترحال والاستقرار بمنطقتي الساقية الحمراء ووادي الذهب، مرجع سابق، ص : 21.

[12]  :  نفس المرجع السابق، ص  :  21.

[13]  :  نفس المرجع السابق، ص  :  21.

[14]   : Robert Capot Rey , l’Afrique blanche française  :  Le Sahara Français , P.U.F , Paris , 1953.

 أورده محمد دحمان في كتابه الترحال والاستقرار، مرجع سابق، ص :  42-43.                                                                        

شاهد أيضاً

قواعد فلسفية للعقل الواعي..!

بقلم/ يونس عاشور لا تركض نحو المجهول الكلي المخفي حول بنايات مهجورة.. ثمةَ فرق بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *