الرئيسية / ترجمة / الجماليات المعاصرة والتكنولوجيات الجديدة

الجماليات المعاصرة والتكنولوجيات الجديدة

 

تأليف: مارك جيمنيز
ترجمة: كمال بومنير

إذا لم توجد نظرية شاملة لاستعمال الحاسوب لأغراض جمالية، فهل يمكن أن توجد هذه النظرية في ظل التطور السريع الذي تعرفه التكنولوجيات؟ أول ما نلاحظه في هذا الصدد هو ظهور إسهامات كثيرة في السنوات الأخيرة توجهت كلها نحو البحث في هذا المجال. لقد تساءل فرانك بوبر Frank Popper في أواخر الستينيات عن طبيعة العـلاقة القائمة بين السبرنيات Cybernétique والإبداع الفني والجمالي . والحقُ أنه كان قد أخذ بعين الاعتبار التقدم السريع الذي تحقق في مجال الذاكرة الالكترونية. ضمن هذا السياق يقول فرانك بوبر في كتابه الموسوم ﺑـــ “الفن والفعل والمشاركة”: “إن العلاقة الموجودة بين التقنية والفكر السبراني هي حاليا محكومة بإمكانية اختصار عدد العمليات الأولية للإبداع بغية إعطاء الفنانين- في زمن محدود جدا- جملة من الكلمات ضمن العديد من الإمكانيات، لكن دون أن تحل المشكلات الجمالية التي تنطوي على إستراتيجية الإبداع على المدى الطويل، وما يخص الأهداف الفنية المعقدة المرتبطة بتاريخ الفنان نفسه”. ومنذ تلك الفترة سجل بوبر بحق الفارق بين الإمكانيات التقنية والمشاريع الفنية، وقد يكون لهذا الفارق معنيان: فإما أن تحرز الآلات تقدما وتعرف العملية الإبداعية تقهقرا، أو أن يحلم الفنانون بمشاريع لا تستطيع أن تحققها التكنولوجيات. والحقُ إن الأجوبة التي قدمها بوبر أصبحت اليوم تحدّد –من دون شك-رهان التفاعلات بين الفن والحاسوب.ضمن هذا السياق يقول بوبر:” هناك إجابة تبحث في ترتيبات معالجة الخبر لغرض فني ،وأخرى للبحث عن مطابقة الأنساق الفنية والسبرانية، في حين أن الإجابة الثالثة تخص ضرورة ترتيب الاتصال عن بعد بواسطة الحاسوب، وهذا ما ۥيسمى عموما بالفن، والحالُ أنّ الدور المنوط به يكمن بالأساس في إعادة تحديد معارفنا الجمالية”. ومن هذه الناحية، تحاول الأبحاث الحالية لبوبر – وهذا في إطار دمج الفن في التكنولوجيات الجديدة- وضع شروط التفكير الجمالي، بحيث تظهر مختلف أشكال المشاركة والتفاعل بين الفنّان والمجتمع، و بين المتلقي والمبدع. وإنه ليمكن القول بأنّ هذا الانشغال يجعل الحاسوب في خدمة “فن جماعي” وهذا ما قد نجده أيضا لدى مجموعة من المفكرين الذين اهتموا بالتمييز بين العقل الالكتروني كأداة أو آلة راقية، والحاسوب كمنتج أو موّلد لبيئة جديدة بالنظر إلى شروط الوجود الحالية.غير أنه من الضروري أن نشير إلى أنّ الثقافة السبرانية Cyberculture أصبحت- والحقُ يقال- تتطور بصورة مستقلة من خلال قواعدها الخاصة التي قد تفلت بدورها من كل رقابة مؤسساتية وسياسية، وبذلك فقد سمحت لبعض الفنانين ومن بينهم روا أسكوت Roy Ascott بصياغة- بكيفية أصيلة-المشاكل المستقبلية التي تطرحها فنون التفاعل.في هذا السياق يقول أسكوت:” لم يعد هذا التعير يتوقف على معرفة ما إذا كان للفن مكانة في عالم تم فيه مزج وسائل المعلوماتية بوسائل الاتصال، أو بالأحرى إن كان بإمكانه نقل المفاهيم الجديدة للهوية الفردية إلى درجات جديدة من الوعي ومفاهيم جديدة للجماعة”. هذا وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المنظرين أصبحوا يدرسون الأعمال الفنية بالاعتماد على الوسائل الإلكترونية الجديدة، خصوصا الصور الفيـديوغرافية Vidéographique ، ويمكن أن نشير هنا على سبيل المثال إلى أعمال إدموند كوشو Edmond Couchot وبيل فيولا Bill Viola . لقد اعتمد هؤلاء المنظروّن على تجميع إمكانيات لم يسبق لها مثيل بين الإبداع والمشاهد من جهة، وبين الفن والعلم من جهة أخرى. لقد أصبحت مسألة إعادة تحديد دور الفنان في المجتمع موضوع نقاش في الفكر المعاصر.ولهذا أصبح من الممكن أن يتملك الفنانون التقدم العلمي والتقني إذا كانوا يبتغون تكوين فضاءات متفاعلة وشبكات غنية لا تعد ولا تحصى. 
لقد عرضت الفيلسوفة آن كوكلين (Anne Cauquelin) – في كتابها الموسوم ﺑــ “دراسة موجزة في الفن المعاص” – أطروحة تقول فيها إنّ اعتماد الفن المعاصر على تكنولوجيات الاتصال قد شوش على الفنون الجميلة التقليدية، ولم يعد تابعا للجمالية الكلاسيكية. لهذا السبب أصبح يؤثر على عدة “مواقع فنية ” Sites artistiques كتلك التي نجدها في شبكات الانترنيت. وفي هذا السياق تقول كوكلين:”إن الموقع المادي أصبح يتمثل اليوم في الشبكة (..) أما الموقع المفهومي فهو أنموذج Paradigme الاتصال في الزمن الفعلي و المتفاعل بين مستعملي الموقع. غير أنّ هذا سيؤدي إلى قبول تدخل هذه العناصر المكونة واختفاء العمل الفني كموضوع ملموس، محصور ومحدود قصد تحقيق عملية لازالت في طور الانجاز ضمن سياق اختفاء المؤلف الفريد لصالح كوكبة من المتدخلين الذين يكون حضورهم الفيزيائي غير ضروري بالنظر إلى أولئك الذين يبعدون بآلاف من الكيلومترات. وبذلك يتم التخلي عن الإمكانيات المتميزة للفاعلين”.
ومن هذا يمكن أن نخلص إلى أنّ الفن المعاصر ” التكنولوجي”، وهو فن أصبح يخترع قواعده الخاصة، لا يمكن أن يندثر في محيط الاتصال، بل وعلى العكس من ذلك، سيرفض أن يمتص في الكلية الثقافية بسبب “ترحاله”. كذلك فإنّ أن كل الفرضيات المتعلقة بمستقبل الفن التكنولوجي، مهما كانت أهميتها، سترتكز على الوضع الحالي للتقنيات الإعلامية والمعلوماتية. وعلى هذا الأساس ستبقى الاستراتجيات المذكورة مرتبطة بالتطور العلمي والتقني، وخاصة بالكيفية التي تندمج بها في المحيط الاجتماعي. لقد أصبح تحيين عناصر الماضي و”استحضارها” أمرا ممكنا، وهذا بفضل الإلكترونيك والبرمجة الإعلامية. انطلاقا من هذا يمكننا القول باختصار شديد، إن ذاكرات العقل الالكتروني قد حلت محل ذاكرتنا. هذا، وقد تقال أشياء كثيرة ومبتذلة بخصوص محاسن ومخاطر هذا التغيير الذي حدث، فهل نحن أمام مستقبل مثالي أم شيء فظيع ؟ في الحقيقة إن الأمر هنا لا يتعلق ببديل تقني ولا بآمال وهمية أو استيهام ولكن بعلاقة أصبحت معكوسة ومقلوبة رأسا على عقب مع التراث فيما يخص نقل المعرفة. ولقد حذّر فلتر بنيامين Walter Benjamin في الثلاثينيات من القرن العشرين من مخاطر إفقار التجربة المعيشة Experience vécue التي نتجت عن تعميم وسائل الإعلام والاتصال. ففي الوقت الذي ازدادت فيه إمكانية أن يعرف عدد كبير من الناس ما الذي يجري في العالم في وقت قياسي، قلّت فيه بالمقابل نقل الحكايات،وهذا على حساب المضامين الحقيقية للتجربة الحسية المعيشة.وقد ذهب بنيامين إلى حد القول بما أسماه “أفول التجربة” بسبب تأثير مختلف وسائل الإعلام والوسائط التي أصبحت قناعا يخفي الحياة الحقيقية. هذا، و يطرح اليوم التحالف القائم بين الثقافة والفن و التكنولوجيات الجديدة مشكلا أساسيا على المستوى الفلسفي يتحدد من خلال التساؤل التالي: ألاۥيعتبر إنشاء الخيالات الواقعية أو الوقائع الخيالية تغييرا للواقع نفسه وبالتالي لوضع الإنسان ؟ وإذا سلمنا بأن التقنيات الحالية في وضع الصور الافتراضية قد تؤدي إلى نوع من الحساسية المفرطة ألا يمكن أن ينتج عن ذلك ظهور “خصومات” مع ملكاتنا الإدراكية وسلوكياتنا الجمالية والمعرفية المألوفة؟ 
لقد كانت مخاطر التكنولوجيا الإعلامية والثقافة السبرانية موضوع أبحاث بول فيريليو Paul Virilio التي يمكن اعتبارها حقا نداء لمقاومة العالم السبراني .لذلك كان لزاما علينا تحقّيق التوازن بين المثالية التكنولوجية التي أصبحت تنتج الطوباويات المتحمسة أحيانا وما يسمى بالتكنوفوبيا Technophobie النسقية.

Marc Jimenez, L’esthétique contemporaine :Tendances et enjeux, Paris,Klincksieck,2004, pp 68-70.

شاهد أيضاً

ترجمة: العودة إلى الفلسفات القديمة

لوك فيري ترجمة يوسف اسحيردة نشهد اليوم عودة قوية لكل من علم النفس الايجابي ونظريات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *