الرئيسية / منشورات / مجلات / وهم الانتماء

وهم الانتماء


عهود الناصري

إن أخطر العوائق التي قد تصيب العقل البشري هو وهم الانتماء، والذي يعد من أهم الأسباب التي تحجب عن الإنسان الرؤية بشكل أكثر وضوحا فيحرم نفسه من مهارة رؤية كل المبادئ والعقائد العامة من زوايا مختلفة، الانتماء بكل أشكاله السياسي، الديني، اللغوي، الثقافي، الإيديولوجي…. تكبّل العقل وتمنع عنه إمكانية التقدم أو التحرر الفكري، هي حدود ترسم فتكبح جماح الخيال…

هذا الحس الانتمائي البعيد عن تقبل الاختلاف، دائما ما يخلق نتائج خطيرة على الشخص المخالف، لكن أقبحها ما يقع تحت ذريعة الانتصار لهذا الدين أو ذاك، لذلك لا تستغرب إذا ألحق لفظ التطرف بالدين أو داعش بالإسلام، وما هذا إلا نتاج لقمع التساؤلات، فنكون أمام نتيجتين إما إلحاد وتمرد عن هذا الدين ككل أو تشدد وانغلاق وتطرف، وكأنه على الجميع صم أدانهم وإتباع خطوات القدامى الميامين، ما إن يتفوه أحد بجملة ينهيها بعلامة استفهام وتساءل حتى يصنف في لائحة المغضوب عليهم.

لطالما تساءلنا لم الصيغة الاستفهامية مرفوضة البتة في مجتمعاتنا، جرب أن تتساءل عن قيم العدالة والكرامة والعيش الكريم …ستجد أن أصابع الاتهام حول البلطجة والتخريب موجهة لك، أما إن كنت محظوظا قليلا فسيكون مصيرك التجاهل …

جرب أن تتساءل حول أمور دينية حتى تنعث بأقبح الصفات، إن السؤال هو أولى خطوات التفكير العقلاني وكثيرا ما نغفل جانب العقل والذي سيزيد من اطمئنان القلب. أ ولم يقل الله تعالى في كتابه الكريم في الآية 143 من سورة الأعراف على لسان موسى” رب أرني أنظر إليك” وقال سبحانه في الآية 260من سورة البقرة “رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي”

فهاهو القرآن يتضمن صيغا استفهامية حول مسألة الإيمان، لنصادف ونتصادم بعدها مع أشخاص ينبذون السؤال ويعتبرونه سلاح الفلسفة والتي لا تعني عندهم سوى الجحود، لذلك لا تعجب أبدا من داعشي حقير يقتلع رؤوس البشر وهو يصيح بعبارة “الله أكبر”

إن القمع الذي تواجهه تساؤلاتنا منذ الصغر ستؤذي بنا لا محالة لهكذا نتائج. صيغة الأمر والوجوب هي الصيغة المتجدرة فينا في كل مناحي حياتنا، الأبوين يقولان لا تسأل هذا عيب، اخجل، المدرس لا تسأل احفظ، السياسي لا تسأل اخضع، رجل الدين لا تسأل صلي، إذن وها قد ربينا وتشبعنا بالجاهز واكتفينا به،  فما حاجتنا بعد لطرح السؤال، ليصبح الامتثال والخضوع سمة الفرد الصالح.

 إن للحقيقة طريق شاق ومضني، عالم من الشموخ لن يصل إليه إلا ذوي القلوب السليمة، وأولى خطواتها هي النضج الفكري الذي يبتدئ باعتبار أن كل حقائق العالم نسبية، الإيمان بأن الوجود تحكمه النسبية والتغير وأن كل أفكار الإنسانية ومعتقداتها لا تملك الحقيقة المطلقة، إذا ما اتبعنا هذا المنهج الفكري سنكون حققنا الحوار والتسامح بدل الدوغمائية

 والكراهية وهذا أمر ليس بالهين بل يتطلب إدراكا ومعرفة بالمعيقات والاكراهات النفسية والأنطولوجية التي فرضت على الذات أولا منذ أزمنة قديمة، وبالتالي التخلي على ثقافة الانتماء العمياء أو الترفع عن الاخر المخالف ونفيه.

فإذا كان الانتماء هو الارتباط الوثيق والحقيقي بموضوع ما، بالوطن أو بالدين أو بالمجتمع، أو باللغة….فهذا يعني أنه من أهم العوامل التي تساعد على بناء المجتمعات،  ولا يخفى على أحد أن الدول تعمل جاهدة على إرساء ثقافة الانتماء لدى الأجيال القادمة، انطلاقا من التربية الأسرية من صغرهم، ثم التربية المدرسية، والتربية الدينية، كل هذا من أجل تسهيل عملية إدماج الأفراد داخل المجتمع، تحت ذريعة تأسيس الهوية، فتصبح كل من مؤسسات الدين أو المدرسة أو الإعلام أو الأسرة آلة إيديولوجية في يد الدولة، وهو ما قاله الفيلسوف الفرنسي لويس التوسير، لإخضاع المحكومين والسيطرة على عقولهم لتفشيلها وإسكات صوت الحق فيها. الشيء الذي أدى إلى تفريغ تلك المؤسسات من مضمونها الحقيقي فبدل أن تنتج لنا المدرسة المواطن الصالح تنتج الخاضع، والأمر ذاته بالنسبة لمؤسسة الدين فبالإضافة إلى تفريغ الدين من محتواه النبيل، خلق لنا نوع من التناقض بين تعاليم الدين السمحة وبين خطابات ومواعظ تخديرية تبشر الفقراء بالنعيم في الآخرة رغم جحيم الدنيا، وتنتقد كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، في الحين الذي تخرس الألسنة عن أفعال الطغاة والحكام المترفين.

لقد صار لزاما على الجميع، خصوصا جيل الشباب، أن يقف وقفة نقدية مع الذات، من أجل البدء بصيرورة تنوير ثقافية عميقة للذات نفسها تهدم بها المعابد القديمة، وأن يأخذ بزمام المبادرة نحو التغيير الحقيقي. التسامح والحوار والانفتاح، مفاهيم تتطلب تحررا فكريا، وتشكيكا في كل المسلمات، أن تنطلق بعيدا عن عوالمنا الضيقة في ظل شساعة وتنوع طرق المعرفة والتي لا تتطلب من تأشيرة سوى طرد كل رقيب على العقل. إذا ما أردنا أن نصل إلى نتيجة كهاته وجب علينا أن نعلن ثورة فكرية بحق، لكن نحن، للأسف، من يشهد تاريخنا بالفشل في جميع الثورات مازلنا نأمل ونصبو إلى خلق هذا التغيير يوما…

شاهد أيضاً

مقاربة فلسفية لمعنى القيم

يشمل اصطلاح القيمة في الفلسفة، وبالخصوص في الأخلاق، على حقيقة هي، على الأرجح، تخالف تلك التي نلحظها في المجال الاقتصادي. لذا فبعد تِبيان المجال الذي يغطيه هذا المفهوم، سنعالج مسألة أسس القيم. بعض عناصر الإجابة على السؤال الجوهري، تنسحب على تفسير وضعية «أزمة القيم»، وتعطي إمكانية بلورة خطاب صارم عن القيم ذات العلاقة بمفهوم التنمية، كما تتبناه المؤسسات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *