الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / ” أشكال الظلم الاجتماعي وطرق علاجه”

” أشكال الظلم الاجتماعي وطرق علاجه”

تأليف: نانسي فريزر
ترجمة وتقديم: كمال بومنير

نانسي فريزر Nancy Fraser فيلسوفة أمريكية معاصرة (ولدت عام 1947). تعتبر من أهم ممثلي الجيل الثالث للنظرية النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية. تأثرت أثناء مسارها الفكري والسياسي بالعديد من الفلاسفة (أدورنو، فوكو، هابرماس على وجه الخصوص). انصب اهتمامها الفلسفي على القضايا السياسية والاجتماعية، وخاصة القضايا المتعلقة بالفضاء العمومي، العدالة الاجتماعية، الحركات النسائية ضمن سياقات العولمة، الاعتراف، وإعادة التوزيع الثروات والخيرات، وغيرها من القضايا المطروحة في عالمنا المعاصر ،وهذا ما يظهر في أعمالها وكتاباتها المتنوعة. من أهم أعمالها يمكن أن نذكر: “إعادة تقويم الحركة النسائية الفرنسية” (1992)، “الخيال الراديكالي: بين إعادة التوزيع والاعتراف” (2003)، “إعادة توزيع أو اعتراف: مناظرة فلسفية-سياسية” (2003)، “ما العدالة الاجتماعية: الاعتراف وإعادة التوزيع” (2005)، “السيطرة والتحرّر: نحو تجديد النقد الاجتماعي (حوار مع لوك بولتنسكي)” 2014. 


النص:
اعتقد أنه يجب أن نميّز بين مفهومين للظلم Injustice ؛ المفهوم الأول متعلقٌ بالظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي ينتج عن البنية الاقتصادية السائدة في المجتمع. والحالُ أنّ هذا الظلم يمكن أن يتخذ أشكال الاستغلال (حينما يتم الاستيلاء على ثمرات عمل المرء) أوالتهميش الاقتصادي (حينما يتم تقييد المرء بأعمال شاقة أو حينما لا يتقاضى أجرة كافية أو لا يحصل على وظيفة ما). معلومٌ أنّ منظري فكرة المساواة كانوا قد حاولوا، منذ عهد طويل، مفهمة طبيعة هذه المظالم الاقتصادية؛ ضمن هذا السياق، يمكن أن نشير على الخصوص إلى نظرية الاستغلال الاقتصادي لكارل ماركس Karl Marx ونظرية العدالة كإنصاف في اختيار المبادئ التي تحكم عملية توزيع “الخيرات الأوليّة” لجون راولس John Rawls [..]. أما المفهوم الثاني للظلم فهو ذو طابع ثقافي أو رمزي. هذا، ولابد من الإشارة هنا إلى أنّ هذا الظلم ناتجٌ عن النماذج الاجتماعية للتمثّل والتأويل والتواصل، بحيث يأخذ أشكال السيطرة الثقافية (حينما يكون المرءُ موضوعا لنماذج التأويل والتواصل الخاصة بثقافة أخرى غريبة أو معادية لثقافته) وعدم الاعتراف( حينما يصبح المرءُ غير مرئي Invisible على المستوى الاجتماعي بسبب الممارسات التسلطية للتمثّل والتواصل أو التأويل النابعة من ثقافته) أو الاحتقار ( حينما يصبح المرءُ عرضة للاحتقار بسبب التمثلات الثقافية المقولبة Stéréotypique أو أثناء تفاعلاته اليومية[..] 
وإذا كان الأمر كذلك، تستدعي الضرورة التمييز بين نوعين من العلاج فيما يخص هذين النمطين من الظلم؛ الأول هو ما أسميه ﺑــ “علاج الظلم الاقتصادي” الذي يتم من خلال إعادة بنينة المنظومة الاقتصادية وإعادة توزيع المداخيل وتنظيم تقسيم العمل وإخضاع قرارات الاستثمار للرقابة الديمقراطية أو لما يسمى بتحويل البنيات الاقتصادية الأساسية. ومع ذلك، ورغم اختلاف أشكال هذا العلاج فإنني أردها بالجملة إلى ما أسميه “إعادة التوزيع” Redistribution.أما “علاج الظلم الثقافي” فهو يتم في رأيي عبر عملية التغيير الثقافي أو الرمزي. والحالُ أنّ هذا التغيير يمكن أن يتم من خلال إعادة تقويم الهويات المحتقرة وعبر الإنتاج الثقافي الذي يميّز بعض الجماعات، ويمكن أن يأخذ أيضا شكلا آخر من خلال الاعتراف La reconnaissance وهذا ما سيتم –بطبيعة الحال- عبر تقويم ما يسمى بالتنوع الثقافي. ولكن ومع ذلك، حتى وإن غطت هذه الحلول منظومة واسعة من الإمكانيات فإنني أردها بصفة عامة إلى مقولة “الاعتراف”. علاوة على ذلك، يمكن أن تكون هذه الحلول أكثر جذرية حينما تسبب اضطرابا عاما في النماذج الاجتماعية للتمثّل والتأويل والتواصل بالمعنى الذي يغيّر حقا رؤيتنا لذواتنا. ومع ذلك، حتى وإن وظفت هذه الطرق العلاجية عدة إمكانيات فإنني سأستند إليها عبر مقولة الاعتراف. ضمن هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنّ التمييز بين العلاج الذي يتم من خلال إعادة التوزيع والعلاج الذي يتم من خلال الاعتراف هو مجرد تمييز تحليلي. والحقُ أنّ العلاجات والحلول التي تتم ضمن إعادة التوزيع يمكن أن تكون متضمنة في الاعتراف نفسه؛ يمكن أن نشير هنا على سبيل المثال إلى أنّ بعض المدافعين عن مبدأ إعادة التوزيع الاقتصادي المتساوي كانوا قد أسسوا مطالبهم على مبدأ “تساوي القيمة الأخلاقية للأشخاص”، مقاربين بذلك مسألة إعادة التوزيع الاقتصادي كتعبير عن الاعتراف. علاوة على ذلك من المفيد أن نشير إلى أنّ العلاجات والحلول التي تتم من خلال الاعتراف تفترض أحيانا تحقيق مطلب إعادة التوزيع الاقتصادي. لذلك، يمكننا أن نشير -على سبيل المثال- إلى أنّ بعض المدافعين عن الاعتراف بالتعددية الثقافية كانوا قد أسسوا مطالبهم –كما هو معلوم- على إعادة التوزيع العادل ﻟ “الخير الأولي” الذي يعد من دون شك أساس “اكتمال البنية الثقافية”، مقاربين بذلك الاعتراف الثقافي كشكل من أشكال إعادة التوزيع.

Nancy Fraser. Qu’est-ce que la justice sociale ? Reconnaissance et redistribution .Traduit par Estelle Ferrarese, (Paris, éditions la Découverte, 2005) pp 16-19.

شاهد أيضاً

العيش كفيلسوف بقلم كاثرين هلبيرن

كانت الفلسفة عند القدماء بمثابة نمط للعيش أولا، وليس بناء نظريا فحسب. هذه النظرة إلى الفلسفة، ظلت دائما تحافظ على وجاهتها. بعيدا عن الحشو الكلامي والوصفات المعدة سلفا، تجد الفلسفة طريقها في الربط بين الفكر والحياة المعاشة.