الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / توماس هوبز: من الحقّ إلى الدولة: أو في التأسيس الطبيعي للجسم السياسي

توماس هوبز: من الحقّ إلى الدولة: أو في التأسيس الطبيعي للجسم السياسي

 

الحسين أخدوش*

“إنّ عدم الإيمان بالقوّة مثل عدم الإيمان بالجاذبية.” توماس هوبز

ملخّص الورقة:

تسلّط هذه الورقة الضوء على الجانب السياسي من فلسفة الفيلسوف توماس هوبز في القرن السابع عشر. وقد اعتمدنا في قراءة هذا الجانب من فلسفته على مقاربة تحليلية تنهض على أهمية ربط أفكار وتصورات هذا الفيلسوف بخصوص قضايا السياسة والاجتماع المدني بمميّزات عصره نظريا وليس واقعيا، إيمانا منّا بأهمية المقاربة الابستيمولوجية الخالصة التي تردّ الفكر والتصورات إلى اعتبارات معرفية وسياقات نظرية خالصة. وانطلاقا من هذه القناعة النظرية، حاولنا تفسير لماذا اشتغل هوبز بالسياسة من زاوية نظر مخالفة للسابقين عليه (أفلاطون، أرسطو)، حيث ربطها بالفيزياء وبالمعرفة العلمية وليس بالأخلاق والفضائل كما فعل الكلاسيكيون قبله. وقد علّلنا هذا التحول الابستمولوجي الذي أنجزه هوبز بانخراطه المعرفي والمنهجي في النقاش النظري الذي تبلور في سياق نشأة براديغم الذات المفكرة التي تعتبر الطبيعة موضوعا للتمثل الفكري من طرف الإنسان.

كلمات مفتاحية: الحق الطبيعي، الطبيعة الإنسانية، مفهوم الطبيعة، التعاقد، السلطة، السياسة…

Abstract:

This paper is an attempt to shed the light on the political side of  Thomas Hobbes philosophy. That’s why we relied on an analytical approach to proceed our study based on the importance of literally relating the thoughts and the perceptions of this philosopher about politics with the characteristics of his era. Bearing in mind the importance of the purely epistemological approach in research, We have decided to analyze the thoughts of this philosopher in relation to the evoluting paradigm of physics in the seventeenth century; We tried, therefore, to explain why was Hobbes preoccupied with politics from a different perspective than Aristotle and Plato, a perspective based on natural and physical considerations. We attributed this epistemological shift of Hobbes to his cognitive engagement in the ongoing debate about the concept of physics, epistemology, politics and the human nature. All of which we are going to investigate in our research paper.

Key words:

The concept of physics, the paradigm, epistemology, the human nature, natural right, the political.

تقديم الموضوع

يعتبر توماس هوبز[1] أبرز المفكرين المحدثين المهتمين بمفهوم الدولة المدنية والحق الطبيعي «Droit Naturel»في مطلع الفلسفة السياسية الحديثة لبداية القرن السابع عشر. فبينما كان سعي فلاسفة القرن السابع عشر متوجّها نحو تأسيس نظرية فلسفية للمعرفة، تتماشى والمستجدات العلمية والنظرية التي تمخضت عن الثورة الكوبرنيكية، ذهب جهد هؤلاء عصرئذ إلى بحث كيفية إصلاح العقل وتجديد منهجه، وذلك حتى يواكب مستجدات الثورة النظرية والمنهجية لتلك الفترة التاريخية، مثلما فعل الفيلسوف ديكارت.[2]

غير أنّه، وفي غمرة هذا البحث النظري والمنهجي المبذول من طرف مفكري هذه الفترة التاريخية، قام هوبز بِصَرْفِ فكره إلى أمور السياسة والاجتماع خلافا لما كان يحظى بالأولوية في ذلك الزمان من أمر العلم الفيزيائي والمعرفة العقلية. لقد قام صاحبنا بذلك دون الخروج عن براديغم النزعة الطبيعية الآلية السائدة في أوساط فلاسفة القرن السابع عشر حينذاك، فلم يستطع، من جهته،أن يقاوم تأثير نموذجية علم الفيزياء الناشئ على مقاربته للقضايا الأخلاقية والسياسية خاصة، وللاجتماع البشري بصفة عامة.

كان هوبز يعتبر الدولة جسما حيث يمكن إخضاعها لنفس الطريقة التي نتعامل بها مع باقي الأجسام الفيزيائية الأخرى حين دراستها. لذلك أخضع دراسة مسائل السياسة لهذا التوجه الفلسفي الجديد القائم على النزعة الطبيعية الآلية. وقد تجسّد ذلك لديه بشكل واضح حين اعتبر أنّه بفهمنا للطبيعة البشرية بصورة آلية، نكون عند ذلك قد استطعنا أن نغيّرها ونتغلب عليها باستخدامنا للمنهج العقلاني، تماما مثلما فعل ديكارت في دراسته النظرية لانفعالات النفس لدى الإنسان.[3]

وهكذا، عمل هوبز، في ظل هذا المناخ الفكري المتّسم بغلبة المنهج العقلاني، على تأسيس فلسفة سياسية انطلاقا من أسس ودعائم النزعة الآلية الناشئة في مطلع القرن السابع عشر. ونوّد بهذه المناسبة أن نسائل طريقته الخاصّة في معالجة فكرة الحق وعلاقتها بمفهوم الدولة انطلاقا من طرح سؤال: كيف حدّد هذا الأخير مفهومه للحق الطبيعي؟ ثم نسبر لماذا أخضع تعريفه لخلفيات الفلسفة الطبيعية الناشئة في فترته عصره؟ وما علاقة ذلك بتصوراته الفلسفية للدولة والمجتمع والإنسان؟ ثمّ بعد ذلك، نتساءل عن القيمة الفلسفية لمفهومي الحق والدولة عنده؟ وما حدود هذا التأسيس النظري للدولة باعتبارها جسما سياسيا؟

لمقاربة هذه التساؤلات، ننطلق بداية من فكرة بسط معالم فلسفة هوبز نظريا ومنهجيا، حتى نتمكّن من إبراز طبيعة تصوراته الخاصّة للسياسة والاجتماع المدني. ثمّ بعد ذلك، ننتقل، في خطوة ثانية، إلى تحديد مفهومه للحق الطبيعي، وكيف أسّس له من خلال فرضية حالة الطبيعة. لنمرّ، في خطوة ثالثة، إلى إبراز مدى ترابط تصوراته عن الطبيعة الإنسانية مع تحديده لمفهوم الحق، ثم كيف أفضى عنده ذلك إلى تأسيس مفهوم الدولة كهيئة سياسية / مدنية ضرورية لتجاوز طور حالة الطبيعة إلى حالة المدنية القائمة على القوانين العقلية.

  1. تصوّر هوبز للفلسفة بصفة عامة

تنبع أهمية الاهتمام بتصورات هوبز النظرية والعملية لمفهوم الحق، في اعتقادنا الخاص، من الدور التأسيسي الذي قام به في إطار الفكر الفلسفي الحديث لصالح السياسة والاجتماع المدني. فقد كان من أبرز الفلاسفة السباقين لتأسيس الفلسفة السياسية الحديثة، وذلك بالنظر إلى ما أحدثته أفكاره المدنية وتصوراته الأخلاقية من نقاش فكري وسياسي حاد سواء داخل الأوساط الدينية أو السياسية في فجر الحداثة السياسية الأوربية، وكذا بين فئة المثقفين والفلاسفة، بخصوص جملة من التصورات النظرية والعملية حول التعاقد وتأسيس الدولة والمجتمع السياسي الحديث.لقد تجسّد ذلك بوضوح أثناء نزاعه مع أساتذة أوكسفورد، في أواسط القرن السابع عشر، بخصوص مجموعة من الأفكار والمفاهيم السياسية والأخلاقية التي أعلن عنها في كتاب “الليفيتان” بشكل خاص.[4]

أمّا بخصوص معاصرته لعلماء عصره، وعلى رأسهم غاليلي (Galilée)، ديكارت (Descartes) ومرسين (Mersenne)، وكذا الفيلسوف ذي النزعة الحسية غاسندي (Gassendi)؛ فقد كان السبب المباشر في تأثّره بالنقاش النظري الدائر آنذاك حول مجموعة من المسائل، نذكر منها بالخصوص: المنهج، المعرفة، العلم، والطبيعة وكذا الإنسان. لقد تأثر صاحبنا إذاً أيّما تأثر بأزمة ظهور مفهومي: الأنا المفكر (الإنسان) باعتبارها ذاتا مفكرة، في مقابل مفهوم الطبيعة أو العالم الذي تمثلته الأفكار العلمية الجديدة بوصفه موضوعا للتفكير والدراسة والتأمّل، مما جعله يتصور السياسة والأخلاق على شاكلة نموذجية هذه المعرفة العلمية الناشئة.[5]

ولمّا كان لعصر هوبز تأثيره الواضح على تصوراته الفلسفية التي تناول فيها بعض الإشكالات الفلسفية المطروحة آنذاك؛ فقد عكست مؤلفاته المختلفة تلك النقاشات المميزّة لعصره.[6] ذلك ما نصادفه في كتابه “في الجسم” مثلا، حيث يفسّر حركة الجسم تفسيرا ماديا فيزيائيا، وأيضا في كتابه “المواطن” حيث بيّن كيف تتأثر حركة البدن بالشهوة وبالانفعالات الأخرى. ثم جمع هذه الكتب وغيرها في كتاب واحد سماه: “عناصر الفلسفة”، وضع فيه تصوره العام للفلسفة القاضي بالنظر إلى الطبيعة البشرية وفق منهج البحث العلمي الطبيعي والعقلاني.[7] فما هي معالم هذا التصوّر الجديد الذي دعا إليه هوبز في هذا الكتاب؟

بداية، يمكن للقارئ الحصيف أن يسجّل بسرعة أنّ اهتمام هوبز بالفلسفة بشكل عام لم يكن أبدا انشغالا ميتافيزيقيا وانطولوجيا، كما هو الشأن لدى فلاسفة عصره أمثال ديكارت واسبينوزا، بل كان اهتماما سياسيا بنفس علمي طغت عليه النزعة الآلية التي برزت في عصره، وذلك ما عكسه تقسيمه للفلسفة إلى أقسام ثلاثة رئيسة:[8]

– قسم أوّل، خصّه للفلسفة الطبيعية، وألّف فيه كتابا بعنوان “في الجسم”، تناول فيه الموضوعات المادية الفيزيائية باعتبارها أجساما تتحدّد وفق كيفيات مخصوصة.

– وقسم ثانٍ، خصّه للفلسفة الأخلاقية والسياسية، حيث ألف فيه كتابه المعنون “في الإنسان”، تناول فيه الإنسان باعتباره فردا مواطنا داخل جماعة سياسية تسمى الجسم السياسي أو الدولة.[9]

– ثمّ قسم ثالث، خصّه بكتاب يحمل عنوان “في المواطن”،[10] تناول فيه الفلسفة السياسية، وكذا طبيعة الهيئة السياسية (الدولة)، كيف هي، وما طبيعة نظامها السياسي؟

وتوزّعت باقي أعماله الأخرى وفق هذه الأقسام الرئيسية، بحيث نجده في كتب أخرى عديدة مثل: “عناصر القانون” و”الطبيعة الإنسانية” و”في الهيئة السياسية”، وأيضا في “الليفيتان”، يتحدث فيها كلّها بإسهاب وتفصيل عن تصوراته للسلطة والسيادة والدولة والحق، والقانون وما إلى ذلك من المفاهيم السياسية والأخلاقية الأخرى.[11]

إجمالا يمكن تصنيف فكر هوبز بناء على تفصيلاته وتنظيراته إلى قسمين رئيسيين: قسم يمثل الفكر النظري الفلسفي العام، حيث يتناول نظرية المعرفة وطرق تحصيلها، وفيه يعتبر الفلسفة معرفة بالمقولات والظواهر يتم تحصيلها بالعقل. ثم قسم ثان يتناول فيه الفكر السياسي والأخلاقي المدني، بحيث يدرس فيه طبيعة الدولة وكذا شكل تنظيم المجتمع السياسي.[12]

لكن تبقى الخلفية التي تناول بها هذين القسمين هي نفسها لا تتغيّر، بحيث تعتمد نفس الرؤية المادية الفيزيائية[13] الخالصة التي قارب بها مختلف الموضوعات، انسجاما مع هدف فلسفته العقلانية ذات الخلفية الآلية والمادية المتمثل في دراسة الأجسام التي يمكن أن نتصور كيفية تولّدها بشكل فيزيائي ميكانيكي بحت، بحيث يمكن مقارنتها بأجسام أخرى عن طريق النظر فيها إن تحليلا  أو تركيبا[14].

هكذا غدت الفلسفة مع هذا الفيلسوف نوعا من التنظير والبحث العقلي الذي يتناول كل شيء على أنّه خاضع لقوانين المادة الملموسة، حتى ولو كان ذلك انفعالات النفس وأحاسيس الإنسان الشعورية والعاطفية، تعميما منه للنظرة الميكانيكية للطبيعة[15]على كلّ مجالات الحياة الإنسانية المدنية.[16]

انطلاقا من هذا المنظور المادي للمعرفة وللطبيعة عامة وللطبيعة لإنسانية منها خاصة؛ أسّس هوبز السياسة تأسيسا طبيعيا تجاوز بها منظور الفلسفة الكلاسيكية القائم على اعتبار الفضيلة الأخلاقية أساس الفعل السياسي. ثمّ جعل علم السياسة محكوما برؤية مادية آلية تسمح بتناول استعدادات الناس الأخلاقية ومسالكهم المدنية تماما مثلما يتناول علم الفيزياء حركة الأجسام الطبيعية الجامدة وفق تصوّر آلي خالص.[17]

ولقد نهج هوبز في سبيل تكريس هذا المنظور طريقة البحث الفيزيائي الناشئة في عصره، حيث عمد إلى إخضاع الموضوع الأخلاقي والسياسي للتحليل الميكانيكي، مستندا في ذلك إلى تعميم المنهج الفيزيائي الناجح في تناول موضوعات المعرفة. هكذا، استطاع أن يردّ علم السياسة / الاجتماع المدني ليكون خاضعا للتحليل الفيزيائي، وذلك بالنظر إلى كلّ من: الدولة والمواطن، باعتبارهما نوعين من الأجسام التي ينبغي أن يُنظر إليهما بشكل فيزيائي إلي أثناء تحليلهما. [18]

لكن إذا كان الأمر كذلك، فكيف صاغ هوبز تصوره المادي / الآلي ذاك للسياسة، ومن خلالها لكلّ من الحق والدولة والمواطن؟ وما الأسس النظرية والمنهجية التي أقام عليها مفهومه للحق، ثمّ الدولة باعتبارها نموذج تطبيق مبادئ الفلسفة الطبيعية على الموضوعات السياسية؟

  1. تصوّر هوبز لفكرة الحق الطبيعي

لقد برز انشغال الفيلسوف توماس هوبز بالفكر المدني السياسي والأخلاقي، بشكل أكبر، في كتابه الأساسي “الليفيتان”.[19] وضع في هذا المؤلّف أُسُس تصوره للمجتمع السياسي باعتباره جسما سياسيا «Corps politique»، وذلك بناء على فرضية حالة الطبيعة[20]المستعارة من فكرة المحافظة على النفس باعتبارها مصلحة إنسانية عليا ملحّة لاستمرارية الحياة الاجتماعية. سمحت هذه الفرضية لهوبز أن يعتبر ظاهرة التعاقد السياسي بين البشر رهينة إدراكهم الجمعي لحقيقة وضعهم الطبيعي المريب، نظرا لما يفرضه عليهم من ضرورة التقنين والتنظيم والانتظام بوضع القوانين والاتفاقات السياسية القادرة على تأسيس وترسيخ تعاقدات سياسية تنظّم حقوقهم الطبيعية في العيش بسلام.[21]

بهذا الخصوص،يمكن لنا أن نتساءل، أولاّ، عن مميّزات الرؤية التي حدّد بها هوبز مفهومه للحق الطبيعي [22] «Jus Naturale» بناء على فرضية حالة الطبيعة هذه؟ ثم، ثانيا، كيف جعل من الحق الطبيعي أساسا نظريا لتأسيس مفهوم التعاقد السياسي؟

ينطلق هوبز في الفصل الثالث عشر من كتاب “الليفيتان”، حين الحديث عن الوضع البشري، من فرضية تدّعي بأن وجود الناس من دون هيئة سياسية أو قانونية تمثلهم وتنظّمهم (الدولة)، إنّما يجعلهم يعيشون على أهوائهم وطبائعهم الفطرية، بذلك يصبح كل واحد منهم عدوا للآخر، حيث لا يثق به ولا يأمن شرّه. فوفقا لهذا الوضع البدائي،تغدو حياة هؤلاء البشر مجالا مفتوحا لاستعراض القوة الباطشة عند الأقوياء، والخداع والمكر والتحايل بالنسبة للضعفاء.[23]

أمّا ما يفسر الوضع المفجع لهؤلاء، في ظلّ هذه الحالة، فهو هذا الشيء الذي يقبع في صميم طبيعتهم البشرية والتي لا يحيدون عنها قيد أنملة؛ أي حرية كل واحد منهم في القيام بما يأمره به ضميره الشخصي كما يتجسّد ذلك في الحق الطبيعي الذي يتمتع به كل واحد منهم.[24] يظهر هذا الأمر في «حرية كل واحد في استخدام قدرته الخاصة كما يحلو له للحفاظ على طبيعته وحياته الخاصة؛ وكنتيجة لذلك يفعل كل ما يعتبره وسيلة مثلى للحفاظ على هذه الغاية بحسب حكمه وعقله الخاصين»[25].

أصبح الناس بموجب هذا الحق الطبيعي متساوين في رغبتهم في المحافظة على أنفسهم، وكذا في القيام بكل ما يراه كل واحد منهم مناسبا لذلك. لذا أصبحت الكلمة الأولى للمصلحة الفردية، حيث غدت حياة هؤلاء مجالا للحرب الدائمة فيما بينهم.[26] والبيّن أنّ هذا الوضع المريب والخطير يوقظ في الناس الإحساس بأنه ليس من مصلحة أيّ واحد منهم أن يعيش خائفا باستمرار. فالخوف في ظل حالة الطبيعة ينجم عنه حرب الكل ضد الكل « Bellum omnium contra omnes ».[27]

لذا يدفع هذا الإحساس بالخطر الداهم هؤلاء الناس إلى البحث عن حل أمثل لهم جميعا؛ وهكذا ينتهي بهم الأمر، بموجب عقلهم ووجدانهم البشري، إلى أن يقتنعوا بأن مخرجهم الوحيد لتجنب هذا المأزق، هو سنُّ جملة من القوانين التي يمكن أن تحكمهم جميعا، وذلك في إطار هيئة واحدة قادرة على أن تزيل خوفهم ورعبهم من الموت، فتنظم صراعاتهم الشخصية بما يسمح لكل واحد منهم بأن يحافظ على نفسه من دون خوف[28].

بهذا المعنى يدفع الحق الطبيعي الناس إلى أن يدركوا أهمية تعاقدهم السياسي عن طريق هيئة تعلو عليهم، بحيث يخوّل لها لوحدها أن تنظم اجتماعهم وحياتهم السياسية في شكل جسم سياسي منظم وقوي وقادر على حماية واستمرارية تعاقدهم هذا.

يتحقق تعاقد هؤلاء الأفراد أول ما يتنازلون عن حريتهم الطبيعية المطلقة تلك، لصالح تأسيس مجتمع مدني يلزم فيه كل واحد من الجمهور نفسه، عن طريق هذا العقد، بما يلي: [29]

أولاً، أن لا يخرج أحد منهم على الهيئة العليا الحاكمة أو الشخص الممثّل لها، وذلك بالعمل على تحقيق القوانين الأساسية للالتزام بالسلم والقاضية بالسعي إلى الأمن والمحافظة عليه.

ثانيا، أن يريد كل واحد، بالموازاة مع الآخرين، الحفاظ على سلامته البدنية والدفاع عن النفس الضروريين له، فيتنازل بموجب ذلك كل واحد منهم عن حقه في كل شيء، ويقنع بنفس القدر من الحرية الذي يسمح به هو للآخرين تجاه نفسه.

ثالثا، وأخيرا، أن يلتزم كل هؤلاء بتنفيذ هذا التعاقد والعمل على حفظه.

يعتبر هوبز هذه القوانين الثلاثة أساسية وضرورية لاستمرار العقد المبرم بين الناس، غير أنّه يضيف إليها قوانين أخرى لكي تُسندها فتكون بالنسبة إليها مثل المبادئ الأخلاقية التي يتوجّب عل كل واحد أن يحترمها، مثل: ممارسة الإخلاص، الاعتراف بالجميل والمساواة، ثم الحشمة والتأدب، النزاهة والإنصاف، تجنب الوقاحة وترك الكبرياء والعجرفة.[30]

إنّ الغرض من هذه القوانين الأخلاقية الإضافية أن تساعد على إنجاز هذا التعاقد المبرم بين كل الناس، وذلك وفقا لقاعدة أخلاقية أساسية، ينبني مبدأها على القاعدة الأخلاقية التالية: يجب عليك دائما أن لا تعامل الناس بما لا تحب أن يعاملوك به.[31]

ولكي يصبح التعاقد ساريا وتكون القوانين المترتبة عليه فعّالة، كان ولابد أيضا من إرادة عامة تمثّل الجميع وتعبّر عنه؛ بحيث تصبح بمثابة سلطة سياسية واحدة موحّدة تكون فوق الجميع وتعبر عن إرادة الجميع، فتتولى مهمة فرض نفسها عليهم وتجبرهم على الامتثال للقوانين الطبيعية.[32]يسمي هوبز هذه العملية بانتقال حقوق المجموع إلى الفرد الواحد أو الهيئة القليلة العدد، تلك التي ستتولى حكمهم والسيادة عليه ممن حيث هي ثمرة تعاقدهم السياسي.[33]

ممّا يعنيه ذلك، أنه لمّا تخلى الجميع عن حقوقهم الطبيعية المطلقة ما خلا الفرد / العاهل أو الهيئة التي ستحكمهم، فإن حقوق هؤلاء تذهب جميعها إلى تلك الهيئة أو ذاك الشخص الواحد فيصبح أقوى منهم جميعا، فيكون بموجب ذلك من أوجب واجباته تحقيق الأمن لهم وفرض السلم بينهم. إنّه الحاكم المطلق عليهم، حيث تقوم سلطته تلك على تخلي باقي الأفراد له عن حقوقهم الفردية المطلقة، لتقع عليه وحده مهمة تحقيق الغاية التي من أجلها تخلوا له عن حقوقهم الطبيعية،والتي تتلخص أساسا في السلام والأمن.[34]

لقد وضع هوبز مهمة الحاكم القوي (العاهل) في القدرة على تجسيد الإرادة الجماعية لرعاياه الذين تنازلوا له عن حقوقهم الطبيعية مقابل تصريف أمورهم بما يكفل لهم سلامهم وحفظ أمنهم. بموجب ذلك، يصبح تعاقد هؤلاء سياسيا وقانونيا موقعا بين ثلاثة أطراف، وهي: الطرف الأول وهو المتعاقد الفردي (المواطن) أي كل مواطن على حدة، ثم الطرف المتعدد المتمثل في الجماعة من خلال كل أفراد المجتمع (الشعب)، وأخيرا الطرف الواحد الذي لا يدخل في العقد إلا أنه ينتفع به دون أن يتنازل هو عن حقه الطبيعي (العاهل).[35]

ومن شروط هذا التعاقد المبرم بين الأطراف الثلاثة، بحسب هوبز، أنه يُلزم الأفراد /  الأعضاء بمقتضاه القانوني والسياسي، وهو غير قابل  للفسخ، غير أنه لا يلزم الحاكم بأي شيء سوى توفير الأمن والسلام لهؤلاء الرعايا (الأفراد).[36] يجعل هذا النوع من التعاقد المجتمع المدني خاضعا لهيمنة حاكم واحد أو هيئة حاكمة قليلة العدد خضوعا مطلقا، بحيث لا يمكن مجادلته أو مناقشته في صحة القوانين أو القرارات التي يتخذها. ففي مثل هذا التعاقد يكون الخضوع المطلق للحاكم المستبد هو الشرط الأساسي الوحيد الذي يجعله قائما[37].

قد يفُسّر هذا التصور بالاستبداد والطغيان المشروع باسم القانون، رغم أنّه لا يتكلم فقط عن حاكم واحد، بل يتحدّث أيضا عن هيئة حاكمة قد تكون برلمانية أو تنفيذية. وذلك ما يمكن أن تفضي إليه طريقة هذا النوع من الحكم حين تدبير شؤون الرعايا، الشيء الذي دعا إلى انتقاد هوبز في هذه المسألة تحديدا؛ من طرف فلاسفة الأنوار خاصة منهم روسو وفولتير.[38] فهل يعني ذلك أن هذا الأخير قد كان منظرا للاستبداد باسم العقل؟

  1. من فكرة الحق إلى فلسفة السياسة

أسهمت تصورات هوبز للطبيعة الإنسانية في تجاوز المنظور القروسطي العتيق للسياسة والأخلاق معا، حيث عمد إلى ربط الانشغال بالسياسيات بالمقتضيات النظرية والمنهجية للمعرفة الفيزيائية الناشئة، وخصوصا بالطبيعة الإنسانية التي نظر إليها في زمنه على أنّها طبيعة عقلية وفكرية بالأساس.[39]

وقد فتح صاحبنا، بهذه المجاوزة، نقاشا فلسفيا جديدا بصدد مجموعة من المفاهيم الأخلاقية والسياسية التي كانت حكرا على الأوساط الدينية والأرستقراطية لعصره مثل: الحق، القانون، المجتمع، الحكومة، العدالة الخ. غير أنّ العودة إلى تصوراته بهذا الخصوص لا تكمن أهميّتها فيما تتيحه من فهم للحياة المدنية الاجتماعية والسياسية فقط؛ وإنّما أيضا في ما تكشف عنه من دلالات وأبعاد تاريخية وابيستمولوجية أفضت إلى تبلور نقاشات نظرية فلسفية حديثة حول الإنسان باعتباره فردا واعيا داخل مجتمعه.

كان ذلك من إفرازات الثورة الكوبرنيكية التي أدّت إلى قيام مفهوم الذات المفكرة الواعية بذاتها وبالعالم الذي توجد فيه، والتي صاغ الفيلسوف ديكارت إطارها الفلسفي الجديد ضدّا على أنقاض البراديغم الأرسطي المتهاوي أمام قوة العلم الجديد الناشئ في القرن السابع عشر.[40] وقد استخلص هوبز مترتّبات هذا المستجد النظري والمنهجي سياسيا وأخلاقيا، حيث عمل على بحث وضعية الإنسان الحديث المدنية والاجتماعية من خلال ضع ركائز فلسفة سياسية جديدة تقوم، لأول مرة، على أسس آلية علمية صرفة. [41]

عمد هوبز، لأجل القيام بهذه المهمة النظرية، إلى تجاوز فكرة استنباط القوانين الطبيعية من العقل، ثم ذهب بعيدا، على خلاف ذلك، إلى ما هو أكثر أصالة في الناس وفي معظم الأوقات؛ أي إلى تلك الانفعالات الطبيعية الموجودة لديهم، والتي تفرض عليهم التصرف وفقا لها في أغلب الأوقات، بل تشكّل طبيعتهم الخاصة.

لذا أولى اهتمامه لدراسة هذه الانفعالات مكتشفا أن الجذور الحقيقية للسلوك البشري تكمن في هذه الميولات المشكلة للطبيعة الإنسانية التي تتوجّب دراستها، واكتشاف عناصرها الأولى والبسيطة التي ستنحل على ضوئها القوانين السياسية. وهكذا اهتم بالطبيعة البشرية التي “طالما تعتبر ضرورية لاكتشاف العناصر الأولية والبسيطة التي تسمح بأن تعالج على ضوئها بعض القواعد والقوانين السياسية، وهي المهمّة التي واجهتني” يقول هوبز.[42]

بهذا الفهم غدت فكرة “حالة الطبيعة”، المستمدة من تصورات هوبز حول انفعالات الإنسان،منطلقا نظريا معالجة المشكلة السيكولوجية القديمة المتمثلة فيما إذا كان الإنسان بطبعه كائنا سياسيا واجتماعيا. فلمّا حدّدت الفلسفة السياسية الكلاسيكية الإنسان بكونه حيوانا عاقلا وسياسيا، فقد وقعت في خطإ شنيع حيث يلزم عن هذا القول أنّ يكون بمقدور جميع البشر العيش في إطار حياة مدنية سابقة وأصلية،حتى من دون تعاقدات أو عهود مبرمة فيما بينهم.[43]

وبما أنّ حالة الطبيعة تفرض القول بأن الكائن البشري لم يكن بطبعه كائنا سياسيا ولا اجتماعيا، حيث من المفترض أن تكون المجتمعات البشرية قد مرّت من الحالة الفوضوية قبل المرحلة الاجتماعية والسياسية،[44]فإنّ للمسألة التاريخية أهمية كبرى من أجل فهم وضعية التعاقد الجديدة المترتّبة عن تجاوز تلك المرحلة الأولى.

ليست حالة الطبيعية المقصودة عند حديث هوبز عن الحق الطبيعي، في واقع الأمر، إلاّ فترة تاريخية مفترضة نظريا ومنهجيا لتحليل الدوافع والانفعالات التي يراها هذا الأخير مسئولة عن البحث عن تأسيس حالة المجتمع المدني اللازمة لتجاوز تلك الحالة المريبة. لذا فالدوافع الطبيعية (الغرائز والأهواء) ميكانيزمات طبيعية تقبع في انفعالات النفس، حيث يسمح تحليلها وتفسيرها بالوقوف على منبع الشعور بالحاجة إلى المجتمع المدني (الحكومة)، أي تلك الطبيعة البشرية العدوانية المتأصّلة في البشر.

لذا كان مقصود هوبز من فرضية حالة الطبيعة تلك، أن يبحث الميول الطبيعية الموجودة في أعماق الإنسان، والتي يجب الانطلاق منها لبحث المسائل السياسية والأخلاقية لدى الإنسان.[45]انطلاقا من ذلك، أولى هوبز بحث الطبيعة البشرية أهمية قصوى، إذ اعتبر معرفتها واكتشاف حقيقتها مسألة ضرورية لبناء فكرة ناضجة وواضحة حول عناصر الحق الطبيعي بشكل خاص، وكذا السياسة بشكل عام. لذا، نجده يصرّح بأنّه “لكي نشكّل فكرة واضحة عن عناصر الحق الطبيعي وعن السياسة، فإنّه من المهم معرفة طبيعة الإنسان، ومعرفة ماذا يعني الجسم السياسي وماذا نعني بالقانون.”[46]

ولأجل هذه المهمة صاغ هوبز فكرته عن “الإنسان الطبيعي” كفرض عقلي، بل وكأنموذج معرفي يمكن أن تقاس به تلك الإضافات الأخلاقية والمدنية التي ستنضاف إلى الحالة الطبيعية الأولى.[47] ويمكننا أن نعتبر هذا المسلك في تحليل هذا الفرض العقلي بمثابة أنموذج “الفراغ” النظري المحض الذي ينبغي أن يؤدي في مجال الأنثروبولوجيا ما كان يؤديه أنموذج “الفراغ” في مجال الفيزياء الحديثة حين البرهنة على حركة الأجسام التي تسقط في وسط فارغ.[48]

لقد كان بحث هوبز النظري والمنهجي في أمر الطبيعة الإنسانية، وتحديدا في الانفعالات والميول النفسية، محاولة للنفاذ إلى خصوصيات طبيعة الإنسان في ما قبل المدنية والاجتماع البشري، وهي عملية افتراض منهجي ونظري ضروري لكي نفهم بشكل عميق فكرة الحق الطبيعي كما يريد أن يؤسّس له.

إذاً؛ فأهم ما يمكن استخلاصه من هذا الافتراض، هو ذلك النزوع النظري القوّي الذي طالما نصادفه لدى هذا الفيلسوف تجاه تأسيس “فيزياء للطبيعة الإنسانية”[49] تختصّ بدراسة سلوكيات الإنسان من منظور مدني سياسي عقلاني، بحيث تسمح في ذات الوقت بفهم موضوعي للكيفية التي تؤدي بها تلك الانفعالات الشعورية والميول الطبيعية الموجودة في أعماق النفس البشرية إلى حمل الناس على التنازع والمنافسة والتحارب فيما بينهم، وكذلك، في نفس الوقت، إلى الاتفاقات والتعاقدات التي تقيهم الانقراض الجماعي المهدّد لبقائهم.[50]

أفضى تحليل الطبيعة الإنسانية لدى هوبز بهذا الشكل إلى استخلاص نتيجة نظرية ومنهجية معا، تقول بحتمية قيام التعاقد السياسي بين البشر لأجل استمرارهم في الحياة. لذلك فإنّ عملية التنازل عن الحق الطبيعي المطلق،هو ما يسمح بفسح المجال لقيام الهيئة السياسية التي ستتولى تسيير أمور الناس وتدبيرها تفاديا للفناء الجماعي.[51]

ولعلّ من الدلالات العميقة لهذه النتيجة أن تَحَدَّدَ وجود الإنسان لا على أنّه حيوان سياسي بطبعه، كما كانت السياسة المدنية الكلاسيكية تقول بذلك سابقا؛ بل أساسا على أنّه كائن طبيعي حرّ[52] قادر على تأسيس حياة مدنية مشتركة بينه وبين غيره، نتيجة خوفه من الضرر الكبير الذي قد يلحقه جرّاء تمسّكه الأناني بحقه الطبيعي المطلق.

ولئن كان الاجتماع الإنساني، مدنيا وأخلاقيا، يشترط بداية تنازل كلّ أفراده طواعية عن حريتهم المطلقة التي هي حق طبيعي لهم لصالح إنشاء جسم مدني بينهم يكون بديلا عن حالتهم الطبيعية الأولى؛ فإنّ الفكرة السياسية التي سيبني ليهما هوبز مفهومه لهذا الجسم (الدولة)، بناءا على هذا التنازل الطوعي، هي حتمية التعاقد الذي يفرض عليهم ضرورة أن يمنحوا كل قوتهم لشخص واحد (الملك) أو لمجلس من النواب يكون بإمكانه اختزال إرادتهم، عن طريق التصويت بالأغلبية، إلى إرادة واحدة.

يعني ذلك، أنّ تعيين شخص واحد، أو مجلس نواب واحد، إنّما يحمل شخصية كلّ واحد منهم على أن يعترف أنّه، نفسه، صاحب كل تلك الأفعال التي يقوم بها ( أو يتسبب في عملها حامل هذه الشخصية) في الشؤون ذات العلاقة بالسلام والأمن العامّين. يلزم عن هذا الأمر أن يلغي جميع الناس إرادتهم أمام إرادة الحاكم، كما يلزم إسقاط أحكامهم الفردية أمام حكمه.

يمثل هذا أكثر من الاتفاق والوئام؛ بل إنّه ما يشكّل وحدتهم الحقيقية متمثلة في شخص واحد. إنّها وحدة تنتج عن اتفاق كل شخص مع الشخص الآخر، بالشكل الذي يمكن للواحد أن يقول للآخر: أخول لهذا الشخص أو لذاك المجلس، وأتنازل له عن حقي في حكم نفسي، وذلك شريطة أن تتنازل عن حقك له وأن تصادق على أعماله مثلي.

عندما يتم هذا الاتفاق بهذا الشكل، فإن الجمهور الذي اتحد في شخص واحد يسمى المجتمع أو الدولة باللاتينية  «Civitas» الشيء الذي يخلق التنين أو ما سيسمّيه هوبز بالوحش الكبير، أو بعبارة أخرى تدل على صيغة المبالغة: هذا الإله الفاني الذي نكون نحن المواطنون مدينين له بسلامنا وأمننا. هكذا تولد الدولة من رحم تعاقد الجمهور مع الحاكم الأسمى للمحافظة على السلم. فكيف يلزم عن ذلك تسييرها وتوليتها أمورهم المدنية وشؤونهم السياسية؟

  1. من فلسفة السياسة إلى مفهوم الدولة المدنية

بناء على التفويض الذي قدّمه المواطنون للشخص أو الهيئة الحاكمة بموجب الإذعان للعقد المبرم، يتعيّن على الحاكم أن يستعمل القوة الكبيرة التي مُنح إياها من طرف الجمهور أعضاء الدولة. لذلك يكون بمكنته وحده باعتباره من يملك الحقّ، عمليا ونظريا، التلويح بالقوّة من أجل السلام في الداخل، أو التهديد بالحرب من أجل الدعم المتبادل ضد الأعداء من الخارج.

تقوم طبيعة الدولة المدنية وفقا للتحليل السابق على احتكار السلطة والعنف. لذا، تعدّ قوة السلطة في نظرية هوبز المبرّر الأوحد لشرعية الحكم، ولا مجال لأي إدعاء بشرعية أخرى بدون القوة. إنّ الحكومة القوية أساس وجود المجتمع والدولة، من حيث إنها تقوم على خدمة الأفراد بما تؤمنه لهم من أمن وسلام، وبما توفّره من حماية لأرواحهم وممتلكاتهم. ذلك هو المبرّر الرئيس لقيام الدولة، وكذا لوجود الحكومات.

ونتيجة لذلك، يعرّف هوبز الدولة بأنّها “شخصية واحدة، تنتج عن الاتفاقيات المتبادلة التي صادق كل فرد من الجمهور على أعمالها، لكي يتسنى لها استخدام قوتهم ووسائلهم جميعا من أجل السلام والأمن العامين”.[53]

يكشف هذا التعريف عن كون الدولة تجسيدا لسلطة مطلقة، وهي سلطة الحاكم. بينما يصير المواطنون، في مقابله ذلك، مجرّد رعايا عليهم أن يتنازلوا، بموجب التعاقد السابق، عن أيّ حقّ أو حريّة قد تلحق ضرراً بالأمن العام. فالشخص الحاكم، أو الهيئة الحاكمة، هنا، سلطة مستبدَّة غير مقيّدة بأيّ التزام سوى ضمان السلام والأمن. وبفضل ذلك أَمْكَنَ للنّاس أن ينتقلوا من حياة الطبيعة المتوحّشة إلى حياة المجتمع السياسي المتّسمة بالأمن والاستقرار والخضوع للسلطة العليا.[54]

يظهر من هذا التصوّر أنّ نظريّة هوبز في الدولة قد اختصرت المجتمع المدني (الجسم السياسي) كلّه في حاكم مطلق أو هيئة مستبدّة، في حين تجاهلت حقوق باقي الأفراد بجعلها كامل السلطة بيد جهة واحدة ووحيدة (الحاكم / الهيئة الحاكمة). ويقف هوبز، هنا، في تعارض بيّن مع تصوّر أرسطو السياسي الذي كان لا يؤمن بنظام الحكم المطلق أيّاً كانت صفات الحاكم، فكان لا يثق بحكم الفرد الواحد حتّى في حالة كانت السلطة السياسية بيد الفيلسوف، مادام أنّ القانون هو الضامن الوحيد لنظام الحكم الصالح، حسب معتقده في السياسة.

البيّن أنّ الدولة في مفهوم هوبز ليست سوى نتيجة رغبة الأفراد في البقاء للتمتع بالأمن والطمأنينة والسلام؛ ومن ثمّ فهي مجرّد ثمرة للإرادة النابعة من مصلحة الفرد الخاصة. إنها نتاج الفن والحيلة والإرادة الإنسانية التي تقوم على إدراك الفرد لمصالحه الخاصّة والعامّة بمعزل عن الحروب والخوف والشرور الدائمة.

الواقع أنّ هوبز قد عمل بهذه الطريقة على تأسيس أطروحته السياسية والأخلاقية في الاجتماع المدني، وذلك انطلاقا من معتقده النظري القاضي بضرورة التأسيس العقلاني للحق والقانون والدولة، أو قل، للسياسة بصفة عامة”.[55] لذا، كان بناء الدولة الحديثة بالنسبة إلى فلسفة هذا الأخير يسير وفق معقولية الحاجة إلى تخطّي الطبيعة البدائية للكائنات البشرية المُهَدِّدَةِ لكيانهم الفردي والجماعي بالخراب والدمار. ولّد هذا المعتقد الفلسفي ضرورة إبداع نموذج مدني أخلاقي تعاقدي بديل لحالة الطبيعة، بحيث تحكمه قوانين العقل الوضعية بدلا من الغرائز القابعة في الطبيعة العدوانية للبشر وما تفرزه أنانيتهم المحدودة.[56]

ولئن كان على هذا الأخير تأسيس أطروحة سياسية أخلاقية في الاجتماع المدني، تفهم الفعل السياسي على أنّه قوّة مطبّقة على جسم سياسي، فقد حصل ذلك بفضل معتقده النظري القاضي بضرورة التأسيس العقلاني للحق والقانون والدولة انطلاقا من تطبيق مبادئ الفلسفة الطبيعية على الموضوعات السياسية والأخلاقية.[57] وإذا كان هوبز، نفسه، من أنصار الحكم المطلق؛ فإنّه رغم ذلك، يعود إليه الفضل حديثا، في استرداد مصدر هذه السلطة المطلقة للحاكم من إرادة الكنيسة إلى إرادة الشعب؛ بالتالي، لم يعد بإمكان هذا الأخير (الحاكم المطلق) أن يستمدها من الذات الإلهية، مادام الناس، أنفسهم، هم من منح حاكمهم تلك السلطة التماساً للأمن، وفراراً منهم من حالة الطبيعة لما تحمله لهم من قسوة ورعب وقلق وتوتر.

أسّس هذا التصوّر الجديد للدولة (باعتبارها جسما سياسيا)، كما أتى به هوبز مفهوما مدنيا تعاقديا للسلطة الحاكمة في المجتمع. وكان هذا المفهوم بداية لترسيخ فكرة أنّ إنشاء الدولة يلزم عنه تنازل كلّ فرد عن حقّه الطبيعي في أن يتصرّف تبعا لرغباته الخاصّة. لذلك، ومصداقا لهذا التصوّر، أصبحت سلطة القرار، فيما يخصّ تدبير الشأن العام، تُفهم على أنّها بيد السلطة الحاكمة التي هي التعبير الأسمى عن إرادة المجموع.

الواقع أنّ هذا المنظور الهوبزوي قد جعل الدولة فوق الجميع، ممّا جعلها من ثمّ بمثابة وحش كبير/ تنين يحوز القوّة المطلقة على الأفراد أعضاء الجسم السياسي، والذي يهدّدهم بالعقاب الوخيم من العودة إلى حالة الطبيعة. وقد كان بناء الدولة الحديثة بالنسبة إلى فلسفة هذا الأخير يسير وفق معقولية الحاجة إلى تخطّي الطبيعة البدائية للكائنات البشرية المُهَدِّدَةِ لكيانهم الفردي والجماعي بالخراب والدمار.

ولّد هذا المعتقد الاجتماعي والأخلاقي لدى هوبز ضرورة إنشاء نموذج نظري ومنهجي لتحليل الظواهر السياسية والأخلاقية في المجتمع، فكان أن لجأ إلى استخدام المنهج الفيزيائي الآلي لتحليل الرغبات والدوافع الإنسانية الطبيعية والأخلاقية وفهمها وفقا لما يقوله المنهج العلمي الفيزيائي الناشئ في عصره. ولقد كان اعتماده على دافعا الخوف والتنافس محوريا في جعل “حالة الطبيعة” فرضا عقليا صالحا للتدليل على أنّ الذي حمل الناس على التعاقد، والتنازل عن حريّتهم الطبيعة المطلقة (الحق الطبيعي)، هو هذا الخوف الطبيعي الأصيل المنبعث من ميولهم الطبيعية للبحث عن المخرج الآمن من الخطر الداهم الذي تمثّله “حالة حرب الكل ضد الكل”. [58]

تمكّن هوبز في تأويله الفلسفي للكيفية التي تتأسّس بها الدولة، منظورا إليها باعتبارها جسما سياسيا، من تطبيق منهج الفيزياء في السياسة والأخلاق على صنف من الموضوعات المختلفة: المواطن، المجتمع، الرغبات.. الخ؛ وذلك من خلال قراءته العقلانية لدينامية الميول الطبيعية للنفس البشرية. بيد أنّه حتى وإن نجح في تطبيق هذا المنهج على الموضوعات السياسية، عبر محاكاة أنموذجية الفيزياء في توخي الدّقة، إلاّ أنّ ذلك ينطوي على نوع من المجازفة في ذلك العصر، حيث يظهر أنّه من غير الممكن أن يلائم المنهج الالي موضوعات السياسة والأخلاق المتّسمة بكونها مجال السيكولوجيا والمصالح والاعتبارات التاريخية والثقافية بامتياز.

إنّ خلطه بين الوقائع الطبيعية والوقائع التاريخية، دون توخي الحذر من كون الأولى وقائع تجريبية صرفة، بينما الثانية أحداث ثقافية إنسانية، سرعان ما أوقعه في التعميم المخلّ بالمنهج الفيزيائي نفسه. وقد ظهر فيما بعد أنّه ليس صحيحا التعامل مع الواقعة الاجتماعية والسياسية كما لو كانت واقعة فيزيائية ميكانيكية صرفة.[59]

لذا، فرغم كونه يستحق لقب فيلسوف فيزياء الطبيعة البشرية، من حيث كونه استطاع أن يسحب منهج الفيزياء الناشئة على نوع مختلف من الموضوعات (السياسية والأخلاقية) كما لم يسبقه إلى ذلك أحد، إلاّ أنّه يمكن معارضة منهجه ذاك بما سيعرف فيما بعد، خاصة مع كانط، باستقلال مجال السببية الطبيعية (الظواهر الطبيعية) عن مجال الأخلاق باعتباره مجال السببية الغائية بامتياز (الحرية).

غير أنّه، من وجهة نظر ابستيمولوجية صرفة، قد تمكّن من استخلاص النتائج السياسية والاجتماعية للثورة المنهجية والنظرية التي أحدثتها الكوبيرنيكية والديكارتية في مطلع العصر الحديث في أوربا. الواقع أنّ ذلك قد تأتى له عندما تمكّن الفكر العقلاني من تحييد الاعتبارات الدينية والميتافيزيقية في مسألة تعريف الإنسان؛ حيث نظر الفكر الجديد لعصر هوبز إلى الإنسان باعتباره كائنا طبيعيا، يسري عليه ما يسري على باقي الموجودات الأخرى في مملكة الطبيعة.

خاتمـــة عامّة

ليس غريبا أن يؤثر الأنموذج الفيزيائي الناشئ في القرن السابع عشر على مفهوم السياسة في فلسفة توماس هوبز كما عاينا ذلك؛ إذ عايش هذا الأخير لحظة فارقة من لحظات الفكر الغربي المتمثلة في تأسيس الفيزياء الحديثة علميا، وكذا ظهور مفهوم الذات المفكّرة فلسفيا وميتافيزيقيا، كما عاصر كلّ ما أعقب ذلك من نقاشات نظرية ومنهجية حادة وعنيفة أحيانا، خاصة تلك التي كلّ من عالم الفيزياء الحديث غاليلي، وفيلسوف العقل المعاصر له ديكارت.

أمّا إسهام هوبز الأصيل في هذه الفترة التاريخية، فبدوره لا يقلّ أهميّة عن إسهامات مفكري هذه الفترة، حيث استطاع أن يجترح أفقا جديدا للتفكير في موضوعات السياسة والاجتماع على غير ما كان عليه الاشتغال بتلك الموضوعات من ذي قبل. لقد وضع هذا الفيلسوف مفهوم السياسة على طاولة البحث الفلسفي من جديد، لكن هذه المرّة، وعلى خلاف أفلاطون وأرسطو وباقي الكلاسيكيين، تم طرقه من زاوية نظر آلية فيزيائية تنفصل كلّ الانفصال عن الاعتبارات الميتافيزيقية والدينية.

ولئن سبق غروتيوس إلى التنظير لفكرة الحق الطبيعي، إلاّ أنّ هوبز، في مقاربته الفلسفية لهذا المفهوم، بقِيَ أصيلا غير مقلّد لغيره، ولا مكرّر لأحد ممّن سبقوه. لقد توسّل صاحبنا بالمنهجية الآلية الصاعدة في زمانه حين تحليله للظواهر السياسية، وكذا لانفعالات النفس والطبيعة الإنسانية المتوتّرة؛ إلاّ أنّه رغم ذلك بقي وفيًّا لطريقته الجديدة في تحليل ومناقشة الظواهر الاجتماعية والسياسية، سواء من حيث القدرة على الربط بين منهج الفيزياء ومتطلبات تحليل الموضوعات التاريخية والسياسية، أو من حيث طريقة استقراء وتركيب الموضوعات السياسية وربطها بالواقع المعيش للناس.

ولم تكن هذه الطريقة معمولا بها لدى فلاسفة السياسة الكلاسيكيين قبله، إذ ظلّ هؤلاء يتناولون موضوعات السياسة والاجتماع المدني انطلاقا من خلفيات أخلاقية ميتافيزيقية عامة، فيعمدون إلى إسقاطها على الواقع الإنساني إسقاطا عموديا. كان هوبز ضدّ هذه الطريقة نظريا ومنهجيا، وذلك ما عكسته كتبه السياسية بامتياز؛ حيث عاب على القدماء ابتعادهم عن الواقع حتى أنّ هدفهم كان مثاليا وبعيدا جدّا عن الواقع، إذ سنوا قوانين أخلاقية لدول خيالية غير موجودة إلاّ في أفكارهم.

من هذا المنطلق، ركّز هوبز على تشريح الطبيعة البشرية، أولا حتى يتسنى له إبراز ميكانيزمات وميولات هذه الطبيعة التي تستعصي على الفهم ما لم ننظر إليها كما ينظر عالم الفيزياء في موضوعاته، ثم ثانيا ليستخلص من منهجية النظر هذه ما يجعله يؤكّد أن خاصية الاجتماع البشري هي نتيجة ميل طبيعي وعقلي لدى الإنسان لدرء خطر حالة حرب الكل ضد الكل.

وتأتى هذا الأمر من كون توماس هوبز قد أجاد بالفعل استعمال أدوات التحليل الفيزيائي في مقاربته للموضوع السياسي؛ غير أنّ تناقضات هذا التحليل سرعان ما ظهرت للعلن بعدما قام فلاسفة الأنوار بفصل مجال الحرية عن مجال الفيزياء، وبالتالي قيام أنموذج جديد لتعليل الفعل السياسي قوامه مفهوم الشخص ذي الكرامة الأخلاقية، بديلا عن مفهوم الفرد الذي لم يكن إلاّ تجريدا للإنسان الطبيعي في تصوّر هذا الفيلسوف.

 

المصادر والمراجع

  • باللغة العربية
  • ارنست كاسيرر: الدولة والأسطورة، ترجمة أحمد حمدى محمود، المكتبة العربية، والهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1975.
  • إميل برييه: تاريخ الفلسفة، القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، الطبعة الثانية، دار الطليعة، بيروت، 1993.
  • بيير فرانسوا مورو: هوبز: فلسفة، علم، دين، ترجمة أسامة الحاج، ط الأولى، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1993.
  • توماس هوبز: الليفيتان، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، الطبعة الأولى، منشورات كلمة ودار الفارابي، بيروت، 2011.
  • جون جاك روسو: أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم، منشورات اللجنة اللبنانية، بيروت، 1972.
  • حنة ارندت: في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، الطبعة الأولى، دار الساقي، بيروت، 1992.
  • سالم يفوت: الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، سنة 1990.
  • عبد الرحمان بدوي: الموسوعة الفلسفية، الطبعة الأولى، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1984.
  • عبد الرحمن بدوي: فلسفة القانون والسياسة. الطبعة الأولى، وكالات المطبوعات في دولة الكويت، توزيع دار القلم في بيروت سنة 1979.
  • ليو شتراوش وجوزيف كروبسي: تاريخ الفكر السياسي، ترجمة محمود سيد أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005.
  • المراجع باللغة الفرنسية:
  • Alain de Libera : Archéologie du sujet ; éd Vrin. Paris, 2010.
  • Elisabeth Clément et autres : La philosophie de A à Z. Hatier, Paris 2000.
  • Ernest Cassirer : La philosophie des lumières, tr Pierre Quillet, éd Fayard, Paris, 1966.
  • Jaques Chamberland : Le cantus chez Hobbes, thèse de doctorat en philosophie, in Université de Montréal, Avril, 1999.
  • Hans Blumenberg: La légitimité des temps modernes; traduction de l’allemand  par: Marc Sagnol, J. Louis Schlegel et Denis Trierweiler ; éd Gallimard, 1999.
  • Soraya Nour Sckell: La justice cosmopolitique, thèse de Doctorat, Université Paris ouest Nanterre ; 13 décembre 2012.
  • Thibault Jean François : entre intériorité et extériorité: l’aporie constitutive de la pensée politique moderne; les presses de l’université laval, 2009.
  • Thomas Hobbes: De La Nature humaine, tr de l’anglais : baron D’Holbach, éd Dar Alharf, 2007.
  • Thomas Hobbes: Léviathan, tr  Gérard Mairet ; éd Gallimard, F. essais, 2000.
  • Thomas Hobbes: Léviathan, Chapitres 13 à 17, traduit de l’anglais par Gérard Mairet; dossier et notes réalisés par Benoît Schneckenburger; lecture d’image par Christine Cadot, folioplus. Philosophie: 17ème siècle (Paris: Gallimard, 2007).
  • Thomas Hobbes : Le citoyen, tr samuel Sorbière, 1642, éd électronique, à Chicoutimi, Québec. 10 mars 2002.
  • المعاجم:
  • Dictionnaire de philosophie, Christian Godin, Paris, Fayard, 2004.
  • Dictionnaire de philosophie, Noëlla Baraquin, Paris, Armand-Colin, 2007.
  • المقالات العلمية:
  • François Dugré: Fictions anciennes et modernes du politiques; Tangence, N 63, 2000.
  • المواقع الالكترونية:
  • http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k5859181w/f13
  • http://id.erudit.org/iderudit/008181ar

*  باحث في الفلسفة من المملكة المغربية

هوامش:

[1] Thomas Hobbes –  (1588م إلى 1679م) فيلسوف إنجليزي حديث درس بجامعة Oxford حيث تخرّج منها، كانت اهتماماته موزعة بين دراسة اللغات القديمة، والفلسفة والعلم الحديثين. عاصر كلا من “ديكارت” و”غاليلي” الذين أثرا في عصره. نشر القسمين الأساسين من مذهبه الفلسفي عن “الجسم” و “الإنسان” بين عام 1655م و 1658م. لكن يبقى كتاب  « the Leviathan » الذي ظهر في لندن أول مرة سنة 1651م وهو أهم مؤلف له في مجال الفكر السياسي. وقد ترجم إلى العربية عدّة ترجمات؛ غير أنّنا اقتصرنا على ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، الطبعة الأولى، نشرة كلمة ودار الفارابي للطبع والنشر، بيروت، 2011.

[2] المعروف أن أبحاث الفيلسوف ديكارت (1596م إلى 1650م) في هذه الفترة  كانت كلها تتمحور حول العلم الجديد الذي بدأ يتشكل فيها؛ أي الفيزياء كعلم يبحث عن تأسيس جديد وفق تلك المعطيات النظرية للثورة الفلكية التي أحدثتها أبحاث كل من: Copernicus و Kepler ثم Galilée في دراسة قوانين الحركة. فقد كتب ديكارت كتاب العالم « Le monde » سنة 1633 وخصّصه للدفاع عن الرؤية العلمية للعالم بعيدا عن التصورات التقليدية الأرسطية والكنسية، غير أنّه لم ينشره في وقته خوفا من اضطهاد الكنيسة. ثم ألف أيضا كتاب: مقال في المنهج « Discours de la méthode » سنة 1637 بالفرنسية، وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية عدّة مرات كان أهمّهما ترجمة جميل صليبا بعنوان: “مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم”، بيروت، عن اللجنة الدولية لترجمة الروائع، سنة 1953. ثمّ صدرت ترجمة أخرى نظنّها أحسن وأغنى بحواشيها وشروحها في الهامش للمترجم عمر الشاروني، عن المنظّمة العربية للترجمة تحت عنوان: “حديث الطريقة”، في طبعته الأولى لسنة 2008. وجدير بالذكر أن هذا الكتاب كان مرفوقا في أصله بثلاث دراسات علمية حول: البصريات، والهندسة، والآثار العلوية، وهي كلّها دراسات لم تترجم بعد. ثم بعد ذلك نشر ديكارت كتابه الأساسي: تأملات ميتافيزيقية « Méditations métaphysiques » سنة 1641 بالاتينية؛ وقد ترجم إلى العربية من طرف عثمان أمين تحت عنوان: “التأملات في الفلسفة الأولى” صدر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة سنة 2009. وهي ترجمة جيّدة لمن يريد الوقوف على النص الديكارتي الأساسي بالعربية. وكان هم ديكارت، النظري والفلسفي، في كلّ هذه الكتب هو تأسيس فلسفة عقلانية جديدة عمادها المنهج الصارم القادر على توجيه العقل نحو الحقيقة العلمية التي لا يمكن للشك أن يطالها.

[3] آمن “هوبز” بضرورة فهم الطبيعة البشرية وفق الفهم الطبيعي الآلي، إذ بهذا الشكل من الفهم نستطيع أن نغيّرها ونتغلب عليها باستخدام المنهج العقلي الذي يقدر على تزويدنا بوسائل توجيه الخوف والانفعالات السلبية.

[4]Thomas Hobbes : De la nature humaine, l’introduction de Diderot;  tr de l’anglais par Baron D’Holbach, éd Ennajah Dar Alharf, 2007 (اعتمدنا نشرة النجاح المطبوعة في دار الحرف في المغرب)

[5]لعل تأثره بفلسفة عصره كان واضحا في تهجمه على تصورات أرسطو للأخلاق والسياسة، بحيث إنّه لم يكن متفقا مع تلك النظريات السياسية الكلاسيكية التي تصادر على الطبيعة الإنسانية بأفكار مسبقة حول الفضيلة والطبيعة. بالنسبة إليه، تعتبر النظرية التي تقول إنّ بعض الناس جديرون بصورة أكبر بأن يخدموا – كما هو الأمر في علم أرسطو السياسي- نظرية زائفة لأن الناس كلهم متساوون في حالة الطبيعة، وما عدم المساواة التي وجدت بين الناس في حالة المدنية سوى لتأثير القوانين المدنية. أما ما يؤيّد هذا الطرح، فهو ترك هوبز لنظرية الطبائع الكلاسيكية لصالح القول بطبيعة بشرية واحدة تتنازعها نفس الأهواء والرغبات والمخاوف، وكذلك تركه للهندسة الاوقليدية ولكل العلم الكلاسيكي لصالح العلم القائم على البراديغم الفيزيائي الجديد ذي المنحى الميكانيكي. وسندنا في هذا الزعم أطروحة الباحثJaques Chamberland  القائلة بانفصالتصور هوبز التام عن المفهوم الأرسطي للطبيعة لصالح المفهوم الميكانيكي الناشئ في عصره، والذي كانت فيزياء غاليلي  ورياضيات ديكارت سنده القوي. أنظر بهذا الخصوص:

Jaques Chamberland : Le cantus chez Hobbes, thèse de doctorat en philosophie, in Université de Montréal, Avril, 1999, p 310

[6] Ibid, p 66 – 67

[7]  أنظر بهذا الخصوص أعمال توماس هوبز بالفرنسية على موقع المكتبة الوطنية الفرنسية على الرابط التالي:

http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k5859181w/f18.image

[8]Thomas Hobbes,Léviathan: chapitres 13 à 17, traduit de l’anglais par Gérard Mairet; dossier et notes réalisés par BenoîtSchneckenburger; lecture d’image par Christine Cadot, folioplus. Philosophie: 17ème siècle (Paris: Gallimard, 2007)

[9]  اعتمدنا في هذا القول على ما قدّمه بدوي حول السيرة الفلسفية لتوماس هوبز في موسوعته الفلسفية، أنظر بهذا الخصوص مادة توماس هوبز في الموسوعة الفلسفية لعبد الرحمن بدوي، الطبعة الأولى، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1984.

[10] Thomas Hobbes : Le citoyen, tr samuel  Sorbière, 1642, éd électronique, 10 mars 2002, à Chicoutimi, Québec. Site web: http://bibliotheque.uqac.uquebec.ca/index.htm

[11]  نشير على القارئ الكريم إلى كوننا اعتمدنا في الحديث عن هذه الكتب سيرة توماس هوبز العربية في الموسوعة الفلسفية لبدوي، مرجع سابق، إضافة إلى وقوفنا الشخصي على الأعمال الفلسفية والسياسية لهذا الفيلسوف المنشورة على موقع Gallica، أنظر الرابط التالي:

http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k5859181w/f13

[12] للمزيد من المعلومات عن السيرة الفكرية لهذا الفيلسوف يمكن الرجوع إلى الاستهلال الرائع الذي قدّم به الأستاذ رضوان السيد للترجمة العربية لكتاب الليفيتان تحت عنوان “توماس هوبز: المفكّر والسياسي”، أنظر بهذا الخصوص: توماس هوبز: الليفيتان، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، الطبعة الأولى، منشورات كلمة ودار الفارابي، بيروت، 2011، ص 09.

[13] لقد استخلص Hobbes من الديكارتية الصاعدة في هذه الفترة نتيجتها الحتمية في المجال السياسي القاضية باعتبار المجتمع تنظيما ماديا تحكمه قوى فيزيائية متحركة، فكان هذا الفيلسوف الوجه الجديد الذي كانت الساحة الفلسفية تترقبه على أحر من جمر. أنظر بهذا الخصوص: توماس هوبز أو مكبوت الديكارتية ص 145، لسالم يافوت في كتابه: الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت/الدار البيضاء 1990

[14]عبد الرحمان بدوي:  فلسفة القانون والسياسة، دار القلم، بيروت – لبنان،1979.       

[15] يجب أن نسجل هنا، كما يعلق على ذلك مؤرخ الفلسفة الحديثة Emile Bréhier، أن طبيعيات Hobbes ليست، بحصر المعنى، دراسة لقوانين الطبيعة الخارجية كما هو الحال عند Galilée وDescarte ، وإنما هي نظرية ميكانيكية في الإدراك الحسي وفي الذهن. أنظر بهذا الخصوص: تاريخ الفلسفة لإميل برييه، الجزء المخصّص للقرن السابع عشر، الطبعة الثانية، دار الطليعة – بيروت، 1993 ص 178

[16] غلب النموذج الفيزيائي على تفكير الفيلسوف Hobbes نظرا لتأثره بالثقافة الفلسفية لعصره، حيث سادت روح التفكير العلمي التجريبي الذي دعا إليه F Bacon وأسس له Descartes  لمّا أدخل العلية والتكميم على الأفكار الذهنية أثناء تأسيس تصوره للأفكار الصورية والأفكار الموضوعية. وقد اتخذت هذه الصيغة بعدا فلسفيا انطولوجيا عاما مع الفيلسوف B Spinoza فيما بعد. للتثبت من هذا الزعم يمكن الرجوع إلى حديث ارنست كاسرير حول تلك الأفكار والتصوّرات الفلسفية التي مهدت لعصر الأنوار قبل القرن الثامن عشر، وتحديدا قيام علم الفيزياء مع غاليلي وديكارت وتأثيراته على هذه الفترة وما تلاها من الفترات اللاحقة خاصة عصر الأنوار. أنظر بهذا الخصوص المرجع التالي:

Ernest Cassirer : La philosophie des lumières, tr Pierre Quillet, éd Fayard, Paris, 1966, p 69

[17] Thomas Hobbes : Le citoyen, Op. Cite, p 15

[18] سالم يفوت، الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، مرجع سابق، ص 152 و153

[19] Thomas hobbes: Léviathan, tr  Gérard Mairet ; éd Gallimard, F essais, 2000

[20]حالة الطبيعة «L’ état de la nature » هي فرضية تاريخية وفلسفية، ينطلق منها Hobbes ليؤكد أن حالة غياب القانون المنظم للمجتمع هو ما يكرس صراع الكل ضد الكل. لذا أصبحت هذه الحالة ضرورية لكي يحصل الوعي لدى الناس بأهمية التعاقد المدني لأجل بناء جسم سياسي على شكل تنظيم قانوني سياسي يتنازل بموجبه هؤلاء عن حقهم الطبيعي لصالح من يسهر على تسيير هذا الجسم. أنظر كتاب الليفيتان، الترجمة العربية، مرجع سابق، ص 140.

[21]Elisabeth Clément et autres : Philosophie de A à Z, Collectif, Paris, Hatier, 2000

[22] يعرّفه هوبز كما يلي: “الحق الطبيعي، والذي يسميه الكتّاب باللاتينية  (Jus Naturale)، هو حرية كل شخص في استعمال قوته حسب ما يريد لحماية طبيعته، أي حياته الخاصة، وتبعا لذلك، في عمل أي شيء يكون حسب حكمه وتفكيره وسيلة مناسبة لذلك”، أنظر الفصل الثالث عشر من كتابه الليفيتان.

[23]عبد الرحمن بدوي: فلسفة القانون والسياسة، مرجع سابق.

[24]  توماس هوبز: الليفيتان، الترجمة العربية، مرجع سابق، ص 131

[25] Thomas hobbes : Léviathan, op. cite, chapitre 13, p220

[26]  توماس هوبز: الليفيتان، الترجمة العربية، ص 133

[27] تؤكد هذه الفكرة مدى تعارض وجهة نظر هذا الفيلسوف مع التصورات القديمة التي كانت تؤكد الطبيعة المدنية والاجتماعية للإنسان مثلما يقول أرسطو والأرسطيين عموما. فبخصوص فكرة “حرب الجميع ضد الجميع”، فإن الأمر ليس خيالا أو وهما، بل أساسا غريزة طبيعية توجد لدى الكائن البشري في طبيعته الخاصة به. بفضل هذه الغريزة (أي غريزة البقاء) المسترشدة بالعقل، يسعى البشر إلى طلب السلم بدل الحرب صونا لبقائهم عن طريق السعي إلى ممارسة حقوقهم الطبيعية في إطار من التنظيم المفيد للجميع. أنظر الفصل الرابع عشر من كتاب اللوفياتان، الترجمة العربية، مرجع سابق، ص 138

[28]الفصل الرابع عشر والخامس عشر من الترجمة الفرنسية لكتاب الليفيتان، مرجع سابق، ص 199 وص248

[29] المرجع نفسه، ص 229

[30] نفسه، ص 230

[31] أهمية هذه القاعدة تكمن في أنها تساعد حتى أولئك الذين لا يستطيعون فهم قوانين الطبيعة أو يتجاهلون تعلمها.

[32] إن غرض “هوبز” من مناقشة قوانين الطبيعة هو أن يجعل الناس اجتماعيين، محبين للسلام، فيقلّل من ثم من التحرش والحنق والعداوة التي تتولد من الإحساس بالزهو والمحاباة وحب الذات المفرط بشكل عام. أمّا ما يؤكّد هذا الأمر، فتصريحه بالقول: “إنّ قانون الطبيعة، Lex Naturalis، هو مبدأ أو قاعدة عامّة يجدها العقل، وبها يُمنع الإنسان من فعل ما هو مدمّر لحياته أو ما يقضي على وسائل الحفاظ عليها، ومن إهمال ما يظنّ أنّه يمكن أن يحفظها.” ص 139

[33] ليو شتراوش وجوزيف كروبسي: تاريخ الفكر السياسي، ترجمة محمود سيد أحمد وراجعة وتقديم إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005. أنظر مادّة توماس هوبز  في الكتاب، ص 810.

[34] بمقتضى الاتفاق المبرم بين العاهل أو الهيئة الحاكمة وباقي الأفراد يتنازل كل فرد لهذا الحاكم عن حقه في كل قواه الخاصة، فيحوز هذا الحاكم بموجب ذلك من القوى ما به يستطيع أن يردع كل متمرد على العقد المبرم سابقا فيحقق بذلك السلام العميم للجميع. يتأسس على ذلك أنه للحاكم وحده سلطة إجبار الأفراد ومعاقبتهم وإعلان الحرب ثم تشريع القوانين. نجد هذا مفصّلا في القسم الخاص بشكل الحكومة المدنية، أنظر الترجمة العربية، ص 184

[35]  أنظر المرجع نفسه، ص 189

[36] يطرح السؤال هنا حول ما إذا كانت سلطة العاهل هذه، والتي نجمت عن ميثاق الجميع، يمكن إبطالها من طرف أولئك الذين كانوا وراءها؟ بخصوص هذا الاعتراض المنطقي، يرد “هوبز أنه في هذه الحالة يجب على هؤلاء أن يحصّلوا إجماعا في القبول، وهو ما لا يتحقق عمليا إذ لم يحصل في التاريخ إجماع كلي على ثورة ما ضد الحاكم. إميل برييه، مرجع سابق، ص184.

[37] أنظر الفصل الثامن عشر من الترجمة الفرنسية، مرجع سابق، ص 290

[38] نفسه، الفصل التاسع عشر، ص 306.

[39] بخصوص هذه النقطة بالضبط، كان “هوبز” بشكل عام متفقا مع التراث الذي يمتدّ حتى سقراط، والذي يرى أن أهداف الحياة الأخلاقية والسياسية وطابعها، تتحدّد عن طريق الرجوع إلى الطبيعة الإنسانية. لكنّه، بالمقابل، حدّد  الطريقة التي تضع بها الطبيعة المعايير للسياسة بشكل مختلف تماما عن هذا التراث؛ حيث عمد إلى تأسيس نظرية خاصة به عن فكرة “حالة الطبيعة” مستمدة من انفعالات الإنسان وذلك لمّا تجاوز تلك المشكلة السيكولوجية القديمة القائلة بوجود طبيعة عقلية ومدنية سابقة لدى الإنسان. أنظر بهذا الخصوص: ليو شتراوش وجوزيف كروبسي: تاريخ الفلسفة السياسية (مادة توماس هوبز)، مرجع سابق، ص 809.

[40] Alain de Libera : Archéologie du sujet ; éd Vrin. Paris, 2010. p 33

[41] بالنسبة ل”هوبز”، كما بالنسبة ل”ميكيافيلي” قبله بقليل، فقد أخفق الفلاسفة السياسيون الكلاسيكيون فيما ذهبوا إليه من أفكار سياسية وأخلاقية، وذلك لأن هدفهم كان مثاليا وبعيدا جدّا عن الواقع لمّا سنوا قوانين أخلاقية لدول خيالية، مثل أنموذج الجمهورية لأفلاطون. يؤكّد هذا التجديد لدى هوبز الباحث( Jaques Chamberland) أنظر بهذا الخصوص أطروحته للدكتوراه من جامعة مونتريال تحت عنوان:

Jaques Chamberland : Le cantus chez Hobbes, thèse de doctorat en philosophie, Op. cite. P 312

 

 

[42]«Nous avons considéré la nature humaine autant qu’il était nécessaire pour découvrir les premiers et les simples éléments dans lesquels les règles et les lois de la politique peuvent se résoudre, et c’est le but que je m’étais proposé.» T. Hobbes: «De la nature humaine», op. Cite.  P 118

[43] État de nature, Dictionnaire de philosophie, Noëlla Baraquin, Paris, Armand-Colin, 2007

[44]État de nature, Dictionnaire de philosophie, Christian Godin, Paris, Fayard, 2004

[45] أنظر: تاريخ الفلسفة السياسية. الجزء الأول، مرجع سابق، ص 577

[46] « Pour se faire une idée claire des éléments du droit naturel et de la politique, il important de connaitre la nature de l’homme, de savoir ce que c’est qu’un corps politique et ce que nous entendons par loi. » T. Hobbes: «De la nature humaine», op. Cite.  P 43

[47] غالبا ما يدعو “هوبز” إلى أنّ نفهم السلوك البشري بالوقوف على الطريقة التي تعمل بها الأهواء والانفعالات التي تقبع في طبيعتنا البشرية، والتي تدفعنا للقيام بتلك السلوكات التي نقدم على فعلها، وتكون عبارة عن ميكانيزمات نفسية للبحث عن حالة السلم انطلاقا من الخوف والآمل. أنظر بهذا الخصوص كلامه في أسباب نشوء الدولة وقيامها، الفصل السابع عشر من الليفيتان، الترجمة العربية، ص 175.

[48]أنظر بهذا الخصوص مقال عبد العزيز لبيب، المنشور في مجلة التفاهم تحت عنوان “نظرية العقد الاجتماعي من “هوبز” إلى روسو”، العدد 39، شتاء 2013.

[49]نستخدم عبارة “فيزياء الطبيعة الإنسانية” للإشارة إلى أهمية المقاربة الطبيعية والنزعة الآلية التي اعتمدها “هوبز” في دراسة وتحليل انفعالات الإنسان الطبيعي.

[50] يجب التأكيد على أن الغريزة من خلال الانفعالات والميول، هي نفسها التي تحمل إنسان الطبيعة على المنافسة والحرب مع أقرانه، وفي نفس الوقت هي التي تحمله كذلك على الإذعان للخوف والرعب من الموت جراء الحرب الدائمة. لذلك كان من الضروري البحث عن حل ثالث أقل خطورة وأكثر أمانا من حال الطبيعة المريب.

[51] يمثل الخوف من الموت في تحليل هوبز لانفعالات الإنسان الباعث الأساسي الذي يدفع الناس إلى التنازل عن حقوقهم الطبيعية، ومن ثم التفاوض لأجل التفاهم والتعاقد بينهم لتأسيس الجسم السياسي القادر على رعاية حالة السلم بينهم. يسمي هذا التنازل الناجم عن الخوف من الفناء الشامل، جراء حرب الكل ضد الكل، حالة تنازل جميع الأفراد عن الحقوق الطبيعية المطلقة لصالح طرف ثالث يمثّل مجموع القوى الممكنة، أي الدولة القوية الراعية والساهرة على تنفيذ بنود التعاقد السابق دون أن تكون هي مقيّدة بعهد  آخر غير حفظ السلم والأمن بين رعاياها. أنظر كتاب الليفيتان، الترجمة العربية، الفصل السابع عشر: في أسباب نشوء الدولة وتعريفها، ص 175.

[52] جدير بالذكر أنّ تحديد مفهوم الحرية كما يستعملها توماس هوبز لا ينفصل عن الفكرة الفيزيائية السائدة حول الحركة في القرن السابع عشر، حيث اتخذ معناها دلالة التضاد مع مبدأ العطالة كما جاء به غاليلي. لذا يرى هوبز أنّ الحرية، حسب الدلالة الصحيحة لهذه الكلمة، هي غياب العوائق الخارجية: تلك العوائق التي تعطل أحيانا جزءا من قوة الإنسان لعمل ما يريد، ولكنها لا تستطيع منعه من استعمال القوة المتبقية في حوزته حسب ما يمليه عليه حكمه وعقله. أنظر بهذا الخصوص تعريفه للحرية في كتاب الليفيتان حين صرّح: “وأعني بالحرية، وفقا لمعنى الكلمة الصحيح، غياب المعوّقات الخارجية؛ وهذه المعوّقات قد تذهب غالبا بجزء من قوة الإنسان على فعل ما يريد…”، مأخوذ من الترجمة العربية، مرجع سابق. ص 139

[53] أنظر الفصل السابع عشر من الليفيتان، من الترجمة العربية، مرجع سابق، ص 175

[54]  لطالما استند أنصار الملكية المطلقة في انجلترا وفرنسا لويس الرابع عشر إلى هذا التصوّر الفلسفي المحافظ.

[55]يميّز هوبز بين فكرة الحق الطبيعي وفكرة القانون الطبيعي؛ فقانون الطبيعة (Lex Naturalis) هو أمر، قاعدة سلوك عامة، أوجدها العقل لمنع الإنسان من عمل أي شيء يدمر حياته أو يجرده من الوسائل لحمايتها أو يحذف ما يعتقد أنه الأفضل لحمايتها. ولأن المهتمين بالموضوع خلطوا ما بين Jus و Lex، بين الحق والقانون، فمن الضروري التمييز بينهما. الحق هو الحرية في العمل أو الإحجام عن العمل، بينما القانون يلزم الإنسان بواحد منهما. ولهذا فان الحق والقانون يختلفان تماما كاختلاف الواجب والحرية، ويتعارضان في علاقتهما بنفس القضية. مصدر سابق، نفس الفصل.

[56] حسب هوبز، يقال عن مجتمع أنه تأسس عندما يتفق جمهور من الناس ويتعاهدون على التالي: بغض النظر عن الشخص أو المجلس الذي يمنح من قبل الجزء الأكبر من الناس حق تمثيل شخصيتهم جميعا (أي أن يكون مثلهم)، فعلى كل واحد منهم، سواء صوت مع أو ضد ذلك، أن يصادق على جميع أفعال وأحكام هذا الشخص أو المجلس، وكأنها أعماله وأحكامه وذلك لكي يعيش المتعاقدون بسلام فيما بينهم وفي حماية من الناس الآخرين. أنظر الفصل السابع عشر من الليفيتان.

[57]يميّز هوبز بين فكرة الحق الطبيعي وفكرة القانون الطبيعي؛ فقانون الطبيعة (Lex Naturalis) هو أمر، قاعدة سلوك عامة، أوجدها العقل لمنع الإنسان من عمل أي شيء يدمر حياته أو يجرده من الوسائل لحمايتها أو يحذف ما يعتقد أنه الأفضل لحمايتها. ولأن المهتمين بالموضوع خلطوا ما بين Jus و Lex، بين الحق والقانون، فمن الضروري التمييز بينهما. الحق هو الحرية في العمل أو الإحجام عن العمل، بينما القانون يلزم الإنسان بواحد منهما. ولهذا فان الحق والقانون يختلفان تماما كاختلاف الواجب والحرية، ويتعارضان في علاقتهما بنفس القضية. المصدر السابق، نفس الفصل.

[58] Soraya Nour Sckell: La justice cosmopolitique, thèse de Doctorat, Université Paris ouest Nanterre ; 13 décembre 2012 ; p 17

[59] Ibid, p 19

شاهد أيضاً

نحن وسؤال الحداثة في الفكر العربي المعاصر

اينما نوّلّي وجوهنا,ومن أي موقع نكون,وفي أي مجال من مجالات الحياة,السياسة, الفكر ,الاقتصاد, الاجتماع, التعليم,الثقافة,الادب, او الفنون, نصطدم بجدار الحقيقة الخاصة بنا كأمة عربية – اسلامية وحدنا من غير أمم وشعوب العالم الذين عبروا منذ قرون حواجز الاعاقة والتخلف في حياتهم وحسموا أمرهم بشأنها وتجاوزوها الى غير رجعة ولا تشكّل اليوم عندهم اشكالية يتوقفون عندها في كيفية الخلاص منها كما هو حالنا اليوم ومنذ بدايات القرن التاسع عشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *