الرئيسية / منتخبات / عامة / الكتابة الحرة…هل نستطيع الهروب من فخ الأدلجة في مجتمعاتنا

الكتابة الحرة…هل نستطيع الهروب من فخ الأدلجة في مجتمعاتنا

عهود ناصيري

إذا ما أردنا الحديث عن طبيعة العلاقة بين الايديولوجيا والكتابة الحرة، توجب علينا تبسيط وشرح أكثر لهذا المفهوم، خصوصا وأن لفظ الايديولوجيا عرف انتشارا داخل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عموما، فغدا من الضروري البحث في كنهه أكثر، ومعرفة وظيفته وانعكاسات دلالاته في واقعنا العربي. فالايدولوجيا من أصعب الأسئلة وأخطرها، لكن يمكن أن نقول عنها أنها عبارة عن مجموعة من الأفكار المتسقة داخل مجتمع معين، وإذا أردنا التعبير عن هذا التعريف انطلاقا من أمثلة عملية عبر التاريخ، فإننا نجد مثلا وكما هو بين عند الجميع، الاتجاه الاشتراكي والرأسمالي وكذا الديني الاسلامي، وبغض النظر عن محاسن ومساوئ أي اتجاه فغاية الايدولوجيا هي تقدم حلولا تحاول تطبيقها على أرض الواقع بكل ما أوتيت من قوة ترى أن في تطبيقها انقادا للبشرية.

صحيح أنه لا يمكن للإنسان العيش إلا داخل نظام أفكار تصلح حياته، لكن عندما تصبح هذه الايديولوجيا كثيفة جدا فإنها تحجب عنا الواقع، لأنها تقدم نفسها على أنها وصلت للحقيقة الكاملة. ماركس اعتقد أنه وصل إلى النظرية العلمية فسمى نظريته الجدلية العلمية، الشيخ حسن البنا توصل إلى النظرية التي يقول أنها تمثل الإسلام الصحيح، وفي الحالتين نكون أمام نظام مغلق على الحوار، وبالتالي فأتباع هاته الأفكار لا يستطيعون المراجعة أو البحث في هاته المسلمات. وأمام هذه الكثافة والانغلاق يفقد الإنسان البوصلة ورؤية الواقع كما هو، فيكون أمام خيارين إما أن يجيد استعمال هذا المفهوم ويطبقها بشكل صحيح أو ستطبق عليه لا محالة.

وعلى هذا الأساس يتبين لنا أن الايديولوجيا تمارس نوعا من الخضوع على الشخص المبدع، تجعل منه خاضعا لا مفكرا حرا، فهل حقا يمكننا أن نتحدث عن الكتابة الحرة داخل مجتمعاتنا؟

تعد الصحافة هي المصدر الأول للتعبير عن الواقع بمصداقية، هل أقلامنا الصحفية الناقدة تعبر تعبيرا صريحا عن حقيقة الواقع، ألا تساهم هي الأخرى في ممارسة وظيفة الايديولوجيا وهي تزييف  وتزيين الحقائق بدل نقلها كما هي، فتكون بذلك الوسيلة الأولى التي يتوجب عليها تقديم الواقع كما هو أصبحت تؤدي وظيفتها المعكوسة، ولن يسلم منها إلا ما نذر.

أما كتابنا الأجلاء فبعضهم ذهب إلى ما ذهبت إليه صحافتنا الناقدة، وآخرون انصرفوا عن العالمين وغادروا بتفكيرهم، الواقع والناس أجمعين، صنعوا لأنفسهم عالما خاصا، ابتعدوا بذلك عن كل الأفكار التي يمكن أن تربطهم بالواقع المرير، يمكن أن يكونوا قد حققوا فعلا وعيا كاملا بسلطة الأفكار السائدة داخل الواقع، فلم يقو أحد منهم على مواجهتها فانصرفوا إلى عوالمهم الفكرية المثالية، يكونون بهذه الطريقة  قد احترموا  وأخلصوا شيئا ما لمبادئهم الفردية  وسلموا كذلك من تبعات الايدولوجيا القوية. أما آخرون  فقد ملؤوا خزانة كتبنا بمواضيع ” الزهور والألوان والعصافير تزقزق”… ونتساءل في سرنا  أنحن مصابون بعمى الألوان، كل هذا القوس قزح ونحن لا نبصر إلا اللون الرمادي الحالك. دائما ما آمنّا باليقين القائل أنه بالقراءة وحدها يتشكل وعينا بالعالم وبالواقع، وهاهم كتابنا الأجلاء  اليوم يضربون بهذا الإيمان عرض الحائط، ويخذلوا يقيننا ذاك.

لطالما سمعنا أن الكاتب الفذ يعرف الكتابة بالفن الذي لا يعرف التضييق، لا يعترف بالتحديد والتأطير، ينتصر للمبادئ السامية وللقيم العادلة، فيتسلح بقلمه ضد كل الأفكار المعادية للقيم الإنسانية المنشودة، يكتب ويعبر ويكرر ويصرخ بأعلى صوت لحروفه الحرة، على أمل أن يكون وقعها مؤثرا في الواقع الذي حاول أن ينجو من زيفه، هكذا صفات هي ما سمعنا عن الكاتب الحر، أما وقد أبعدونا كتابنا الميامين هم الآخرون عن الوعي بالحقائق كما هي  وتركونا نترنح لوحدنا في واقعنا هذا الذي لم نعد نعي هل هو رمادي حقا أم النظارات الملونة التي نضعها هي من جعلت الواقع وردا جميلا، فإنا نشهدكم أننا نحن القراء المغلبون على أمرنا سنشمر على سواعدنا فإما نصنع للواقع ألوانا أخرى، أو على الأقل سنعمل على أن نزيل تلك النظارات ونرى الواقع كما هو دون حجاب.

 

شاهد أيضاً

وجه الجامعة…من وراء نقاب

فتحي المسكيني هل ثمّة علاقة ضرورية بين العُري والحقيقة؟ أو على الأقلّ بين المعرفة والوجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *