الرئيسية / منشورات / مجلات / ميشيل سير وعصر “الأصبع الصغير”

ميشيل سير وعصر “الأصبع الصغير”

عزالدين بوركة

(شاعر وباحث مغربي)

  • عتبة للعالم الجديد:

لقد تغير العالم إلى أن بات لزاما على شباب اليوم إعادة ابتكار كل شيء ! بالنسبة لميشيل سير (1930) Michel Serres قد وُلد “إنسان جديد”، الإنسان الذي لقبه بـ”الأصبع الصغير”، وذلك لقدرته على إرسال رسائل سريعة والتواصل والتفاعل بأصبع واحد. فقد عرفت البشرية –الغرب خاصة- انتقالا من الشفهي إلى المكتوب، ومن المكتوب إلى المطبوع. إلا أن القفزة الثالثة كانت الأكثر أهمية وفاعلية، إذ رافقتها تحولات سياسية ومعرفية واجتماعية، إلا أن هذه الفترات الثلاثة ظلت موسومة بالـ”أزمة”. وهذه الأخير هي سمة كل المجالات اليوم، بما فيها الديمقراطية والفن والفكر.. والأزمة تبدو تجلياتها الواضحة على صعيد المدرسة وأسواق المال والكنيسة والسياسة والعلاقات الاجتماعية… وأمام هذه التحولات métamorphoses، علينا أن نلغي أي حكم أخلاقي. فـ”الأصبع الصغير” هو الوحيد المخول له أن يعيد اختراع كيفية “العيش سوية” vivre ensemble، وإعادة ابتكار المؤسسات وكيفية الوجود والمعرفة… بل إن “عصر المعرفة قد انتهى”. لهذا يدعو سير إلى الثقة في الأصبع الصغير، فهو المستقبل!

  • الإنسان الجديد:

يعيش الجنس البشري اليوم ثورة تقنية ومعلوماتية متحركة بسرعة تعادل “سرعة الالكترون “. ثورة رقمية تتخذ مداها على مستويات عدة ومختلفة، ثقافية واقتصادية ومعرفية وعلمية وحتى اجتماعية. إنها ثورة “الأصبع الصغير”، كما يسميها الفيلسوف والموسوعي الفرنسي ميشيل سير.

إننا إذن، أمام ثورة “العالم الجديد” و”الإنسان الجديد”، ثورة لا تتوقف عن التطور والتقدم والتغير. ولا تفتأ تحسّن نفسها وتصلح أعطابها وتتجاوز ماضيها. بل إن الماضي لم يعد يقاس بالسنوات والعقود بقدر ما يقاس اليوم بالأيام والساعات ! أمام التراكم المهول للتقدم التكنولوجي والمعلوماتي. والمتحكم في كل هذا التغير، هي “كبسة زر” من أصبع واحد في اليد. إذ لم تعد اليد كاملة تعمل لتنتج وتكتب وتبدع، فقد صار الأصبع الواحد كفيلا بالقيام بكل تلك المهام التي كانت تقوم بها اليد كاملة. وبالمقابل فعصر “الأصبع الصغير” هو عصر الرقمنة، أي عصر الكتب الرقمية والقراءة الرقمية والفن الرقمي والتجارة الرقمية والعلاقات الاجتماعية الرقمية (الافتراضية) والتفاعل الرقمي والتبادلات الرقمية… فكل شيء تحوّل بفعل المتفاعلين والمبرمجين إلى أرقام (من صفر وواحد) وأنظمة برمجاتية les logiciels، تتجاوز كل إمكانية التصوّر الممكنة.

في مؤلفه المعنون “الأصبع الصغير” Petite Poucette، يتناول ميشيل سير هذا البعد، إذ يرى أن العالم يتغير بشكل سريع ومتسارع، إلى درجة “أن شباب اليوم عليهم إعادة اختراع كل شيء”. بل إن مفهوم المسافة الذي ظل يتحكم في التطور الحضاري للبشرية، من نقل للرسائل والمعلومات، اختفى تقريبا، وتحولت المسافة من حساب بالكيلومترات إلى الحساب بسرعة الضغط على الزر. ومع هذا التقلص المهول للمسافة والتدفق الرهيب للمعلومة، يدعوا ميشيل سير إلى إعادة التفكير في مفهوم المثقف، وإعادة التفكير في مفهوم الإنسان والعالم الذي لا يتوقف عن التجدد. فالآباء وأبناءهم اليوم –يقول-  “لا يملكان الرأس نفسها”.

  • العالَم الويكيبيدي:

فالفارق بين الأمس (الآباء) واليوم (الأبناء) فارق لا يمكن قياسه بالمسافات ولا بالكم المعرفي، إنه فارق لا يتوقف عن التوسع في كل لحظة، وكل ذلك نتاج الانتقال -الذي عرفته البشرية- من ما هو مطبوع (المطبعة) إلى ما هو “مرقون” ورقمي (الحاسوب والهاتف النقال). فالمعرفة (المعلومات) لم تعد حكرا على قراء الكتب والباحثين الأكادميين، بل باتت في متناول الكل، يكفي الضغط فقط على زر الربط والولوج إلى عالم “ويكيبيدي”، حيث المعلومة الفائقة والمتشابكة والمتفرعة واللامتناهية… إذ “أن هؤلاء الأطفال [الأبناء] يعيشون- إذن- في العالم الافتراضي. فالعلوم المعرفيّة بيّنت أن استخدام الانترنت، وقراءة الرسائل أو كتابتها بالأصبع، واستخدام الويكيبيديا، أو الفيسبوك، لا تثير الخلايا العصبية نفسها، ولا المناطق القشرية، مثل استخدام الكتاب، أو اللوح، أو الدفتر. الأصبع الصغير يمكنه التعامل مع معلومات متعددة في الوقت نفسه. ولا يعرف، ولا يدمج أو يجمع كما كان يفعل أسلافه”، يقول ميشيل سير. وقد خلخلت قنوات البث الرقمية –كما يلاحظ الجميع- القطاعات الثقافية التقليدية، وزعزعت –كما يقول ريمي ريفيل- منطقها الوظيفي الاعتيادي، وأثرت في طرق توزيع المضامين. ونلاحظ كذلك أنها أعادت تشكيل -بشكل عميق- المشهد الثقافي تحت التأثير الرقمي والازدهار المتواصل للمواقع والمنابر.

  • الأصبع الصغير والطبيعة:

وبالتالي يعيش الإنسان المعاصر الحضارة وسط زخم التقنية بين عدة أجهزة وآلات مختلفة أنتجتها الثورة التكنولوجية، فانتظمت حياته أفرادا وجماعات بانتظام كل ميادين الحياة بانتظامها، فمن الميدان السياسي إلى الاقتصادي نجد المعدات والآلية تخترق الحياة البشرية حتى أضحت مألوفة لدى الناس ولا يستطيعون العيش بدونها. ومعها تغير مفهوم الزمن، الذي بات مكبوسا في رأس الأصبع، إذ تجاوز حتى تعبير ماكلوهن القائل بأن العالم بات “قرية صغيرة”. هذه الرؤية هي التي قادت ميشيل سير إلى انتقاد النظرة الديكارتية الرائية بأن الغرض من التقنية هو التحكم في الطبيعة، فهذا الانسان الجديد “الأصبع الصغير” -كما يقول سير- “لم يعد يرى الطبيعة إلا في لحظات العطل والترفيه والسياحة الخيالية”. ويعزو الفيلسوف ذلك إلى الـ”قطيعة” التي حدثت مع أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وما عرفه العالم من الهجرة من القرى إلى المدن، إذ “عام 1900 كانت الغالبية العظمى من الناس، على الكوكب، تشتغل في الحرث والرعي، وفي عام 2011 لم تكن فرنسا، مثلها مثل البلدان الشبيهة بها، تتوافر إلا على 1 في المائة من القرويين”. وبالتالي لم يعد الإنسان الجديد يقيم أية علاقة مع العالم (الطبيعة)، ولم يعد يكترث لما يقع على المستوى التغير المناخي والاحتباس الحراري، فالطبيعة بالنسبة له مجرد ترف.

  • نحو ابستيمولوجيا جديدة:

لكن هذا لا يمنع ميشيل سير أن يكون متفائلا بهذا “الجيل الجديد” الذي يتمنى لو أنه كان في عمر الشباب وجزء منه، ليواكب تقدمه. الجيل الذي كرس له كل حياته. ما دفع به إلى الانخراط في الصيرورة التربوية والبيداغوجية في “المجتمع المعلوماتي” société de l’information، حيث أنه جد متفاءل بالتقدم الحاصل، ما جعله يدعم بقوة “أطفال الرقمنة” هؤلاء الذين يتمتعون بإمكانية الولوج بشكل فردي ومستقل إلى المعرفة. فقد واكب ميشيل سير التغيرات التي عرفها “عالم المعرفة” و”عالم التقنية”، لأزيد من سبعة عقود، كما أنه درس التغير الحاصل من زوايا معرفية متعددة، تعتمد على تحليل ابستيمولوجي، إذ أن الابستيمولوجيا معه تحولت إلى فعل تخصصي ينجز من قبل العلماء أنفسهم. وتتحول فلسفة العلوم إلى ابستيمولوجيا عامة أو خارجية لا تتحدث عن العلم مباشرة وإنما تتناول نتائج الابستيمولوجيات الخاصة أو العلمية، أي أن الابستيمولوجيا الخاصة تتوسط العلاقة بين العلم والابستيمولوجيا الخارجية أو فلسفة العلوم. ووظيفتها رصد التبادلات والتفاعلات التي تتم بين العلوم. التفاعل كفعل ينتشر عبر كل الاتجاهات في العلاقة بين العلوم ولا تستثنى العلوم الانسانية من هذه العلاقة إذ “قاده ذلك إلى الترجمة بين ميادين متغايرة و متنافرة على ما يبدو في محاولة لإنشاء ممرات / معابر (مثلا ممر الشمال – الغرب ) بينها”.

  • اللغة الجديدة:

هذه التصور الابستيمولوجي هو الذي قاد ميشيل سير إلى الدعوة –في كتابه هذا- إلى إعادة النظر في الحاصل، فالعالم الذي يعيش فيه “الأصبع الصغير”، يعرف تغيرا لغويا كبيرا، فاللغة هي ذاتها تتغير وتتبدل وتتطور وتجدد معاني مفرداتها، بل تتضخم. فقد لاحظ أن طلبة اليوم لم يعد في استطاعتهم فهم اللغة القديمة، إذ “يمكن للأجيال التي ستخلفنا –يقول سير- أن تجد نفسها أيضا مفصولة عنا أكثر مما نحن مفصولون عن اللغة الفرنسية القديمة، لغة كريتيان دي ترويس أو لغة جوانفيل. إن هذا التدرج يعطي مؤشرا شبه تصويري عن التغيرات الكبرى التي أصف. ويرجع هذا الفرق الكبير الذي يمس جميع اللغات، في جزء منه، إلى القطيعة بين مهن سنوات الخمسينات ومهن اليوم. وسوف لن تسعى الإصبع الصغير… إلى امتهان الأعمال نفسها”. ويضيق قائلا،”لقد تغيرت اللغة، وقد تحول العمل”. وإن لغة الجيل الجديد، أكثر ثراءً. ويلاحظ أن الأكاديمية الفرنسية كانت تصدر كل 40 سنة قاموسا. وكان الفارق بين كل طبعة وأخرى في القرن الماضي، العشرين، هو ما بين 4000 إلى 5000 كلمة مضافة . أمّا الفارق اليوم بين آخر طبعة والطبعة التي ستصدر بعدها، فهو حوالي 30000 كلمة. فالإنسان الجديد لم يعد يتكلم اللغة القديمة، بل إن الأجيال القادمة حسب ميشيل سير ستبتعد لغويا بشكل كبير عن الأجيال السابقة.

  • رأس الأصبع الصغير:

بالتالي هذا التحول الذي يعرفه عالم “الأصبع الصغير” يقود إلى تغيرات وتحولات كبرى، يتغير بموجبها العالم كاملا فكريا ومجتمعيا واقتصاديا وسياسيا وعلميا. بل إن مفاهيم إنسانية مثل الذاكرة، تعرف تحولا “مهولا”، فلم تعد الذاكرة قرينة التخزين، فأقراص صلبة وأنظمة سحابية تتكفل بتخزين وترتيب الملعومات، ولم نعد نحتاج لتذكر أين وضعنا كتابا أو معلومة، فكبسة زر كفيلة بأن تقودنا إليه. لهذا فـالذاكرة لم تعد هي ذاكرة الدماغ بل ذاكرة الأصبع الصغير. أو كما يقول ميشيل سير: فـ”رأس الأصبع الصغيرة المقطوعة تختلف عن الرؤوس القديمة، المصنوعة جيداً والمملوءة جيداً. ولأنها لم يعد لها أن تشتغل بقوة أكثر، لكي تتعلم المعرفة، ذلك لأن المعرفة أصبحت مطروحة أمامها، مجسدة، مجموعة، وجماعية، وموصولة، وموصلة إلى المتعة، وقد تمت مراجعتها ومراقبتها عشر مرات، ويمكن لها أن تعود إلى مؤشر الغياب الذي ينزرع في عنقه المقطوع”. وكما تصور صورة القديس دونيس، أن هذا الأخير مشى إلى أعلى الجبل –حيث كان مقررا إعدامه- حاملا رأسه المقطوعة. فالأصبع الصغير يمشي اليوم حاملا حاسوبه (رأسه المقطوعة) بين يديه صوب المستقبل: فالحاسوب قد عوض الرأس، إذ فيه تخزن المعلومة وفيه تحلل وفيه تركب وفيه توضع الكتب وتقرأ… فالمعرفة باتت مخزنة فيه، ما يمنح لعقل الأصبع الصغير أن يقوم بمهام أخرى.

سبق وقال مونتين Montaigne، أن “الرأس المتقنة أفضل من الرأس المملوءة”، وهو هنا يتحدث في زمن ثورة المطبعة عن الرأس التي تعرف أين تبحث وعن أي كتاب تبحث وكيف تبحث. بينما الأصبع الصغير اليوم لم يعد في حاجة لمعرفة المعلومة أو البحث عنها، فـ”محرك البحث كفيل بذلك”. ما يمنحه تكثيفا كبيرا للذاكرة، تاركا عقله حرا ليقوم بالإبداع والاختراع، إبداع العالم.

شاهد أيضاً

يا صباحاً

بقلم يونس عاشور أقبلت بالنّسماتِ تبتهجُ… وفي ثناياكَ بُشرى للنّفس تمتزجُ… برحيق عطرك الفوّاح   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *