الرئيسية / منتخبات / تغطية / ذكرى كارل ماركس في حضن الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية

ذكرى كارل ماركس في حضن الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية

ملخص ندوة “اليوم العالمي للفلسفة والذكرى المئويّة الثانية لميلاد كارل ماركس”

نظّم أوّل الأمس السبت 08 ديسمبر 2018، مكتب العاصمة للجمعيّة الجزائريّة للدراسات الفلسفيّة، ندوة فكريّة احتفالا بمناسبتين كبيرتين : تتمثّل المناسبة الأولى في اليوم العالمي للفلسفة والذي يُصادف الخميس الثالث من شهر نوفمبر من كلّ عام. هو احتفال تُنظّمه وترعاه وتحتضنه منظمة اليونسكو مع اعترافها أنّ هذا اليوم هو ملك لجميع محبّي الفلسفة. وبما أنّ الجمعية الجزائريّة للدّراسات الفلسفيّة، وكما هو واضح من اسمها، هي جمعيّة فلسفيّة، فهي بدورها تحتضن هذا اليوم مشارِكة بذلك مُحبِّي الحكمة والعقل والتنوير والحريّة والمساواة والسلام أينما وُجدوا يومَهم هذا، أملا منها بغدٍ أفضل وبإنسان أجمل وأعدل ؛ ووعياً منها، أيضا، أنّ هذا الغد وهذا الإنسان، اللّذان تتوق إليهما الفلسفة، لا يتحقّقان بالتفكير والتأمل فقط وإنّما بفعل التغيير أيضا. وذلك هو بالضبط مضمون فكرة كارل ماركس حينما انتقد الفلاسفة المفتقرين إلى الواقعيّة والمقتصرين على تفسير العالم بدلا من تغييره… ذلك هو الأمر الذي برّر دمج المناسبة الثانية مع المناسبة الأولى. تتمثل المناسبة الثانية إذن في الذكرى المئويّة الثانية لميلاد كارل ماركس.
ينبغي فقط الإشارة إلى أنّ هذه الإحتفائيّة الثانية تمّت وتتم في أجواء مثيرة للجدل بين اعتبار ماركس صاحب الرؤية الناقدة لمخاطر ومساوئ الرأسماليّة ؛ وبين اعتباره مُلْهِم الديكتاتوريّات السوفياتيّة والصينية والكمبوديّة !! ماركس المدافع على العدالة الإجتماعية والاقتصادية؛ وماركس مؤسس الدكتاتوريات الشيوعية وما نتج عنها من أعمال وحشيّة وجرائم !! أي بين ممجّدين لماركس ومناوئين له !!
نشّط الندوة مجموعة من الأساتذة المهتمين بفكر كارل ماركس وهم على التوالي:
الأستاذ عبد العزيز بوباكير، إعلامي وكاتب، درس في الجزائر وفي الإتحاد السوفياتي ؛ اهتمّ بالاستشراق الروسي في العالم العربي وفي الجزائر تحديدا ؛ حاور الكثير من رجال السياسة من بينهم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد وله العديد من الأعمال.
الأستاذة ويزة ڤلاز، دكتورة في الفلسفة ؛ باحثة في مركز التراث ومُكوِّنة للمجتمع المدني في مسائل الـ managment .
الأستاذة فهيمة بوحفص، أستاذة في الفلسفة الغربيّة بجامعة بوزرّيعة 2، متخصّصة في كارل ماركس.
الأستاذ أحمد كيشي، أستاذ في الفلسفة الغربيّة الحديثة والمعاصرة بجامعة بوزريعة 2.
والأستاذ وحيد بن بوعزيز، أستاذ النقد الما بعد كولونيالي بجامعة الجزائر 2، صدر له مؤخّرا الطبعة الثانية لكتاب حدود التأويل، وكتاب جدل الثقافة.

بداية، تناول الكلمة الأستاذ عبد العزيز بوباكير بمحاضرة عنوانها ماركس في الجزائر، تساءل من خلالها عن دواعي وأسباب العودة اليوم إلى ماركس بالجزائر. وأجاب بالقول: بغية تصحيح بعض الأفكار والأقاويل الخاطئة حول ماركس وعلاقته بالجزائر والتي كرّستها بعض الكتابات خصوصا كتابات بعض المشارقة مثل كتابات حسن الوزاني وجورج طرابشي…فعن مجيئه إلى الجزائر، قال المحاضر إنّ ماركس جاء إليها للإستشفاء وليس لدراسة الظاهرة الإستعماريّة، موضّحا أن ماركس أقام في العاصمة الجزائر مدّة 72 يوما ولم يغادرها أبدا طيلة إقامته في طقس شتويّ ممطر. خلال هذه المدّة، كتب ماركس 16 رسالة إلى إنجلز، وابنته لورا وصهريه، يتعلّق مضمونها بمرضه وحنينه إلى أحفاده وزوجته. وأضاف المحاضر أنّ ماركس لم يزر منطقة القبائل ولا عنابة ولا بسكرة كما يشاع. تحدّث ماركس في إحدى رسائله عن ثورة بوعمامة وثورة الزعاطشة. أمّا قبل مجيئه إلى الجزائر، فلقد كتب ماركس 3 مقالات عن ملامح الجزائر: مقال عن شخصية الأمير عبد القادر، مقال عن جرائم الجنرال بيجو، ومقال عن الجزائر.
بعده، أخذت الكلمة الأستاذة ويزة ڤلاز التي عنونت محاضرتها الماركسيّة، منهج لقراءة الحدث الاجتماعي. مسألة المرأة نموذجا، معتبرة أن “وضع المرأة في الدول الإسلامية بشكل عام وضع مأساوي وقد يصعب تفسيره، علما أن العديد من هذه الأخيرة اتبعت أنظمة سياسية تقدمية. قد تساعد قراءة جديدة لتطور هذه البلدان على فهمها إذا اعتمدنا المنهج الماركسي من أجل إيجاد تفسيرات منطقية لمشكل تأخرها. إن الماركسية نظام سياسي واقتصادي واجتماعي، وهو كذلك منهج للقراءة التاريخية لأحداث الإنسانية. بهذا المنطلق، تصبح قراءة الأحداث التي عاشتها المرأة الجزائرية عبر التاريخ ممكنة حتى نفهم الأسباب التي أبعدتها عن تحقيق حقوقها وأبعدت المواطن الجزائري عن تحقيق مواطنته، فأصبح تحقيق الحريات الفردية أمرا مستبعدا”.
ثمّ، جاء دور الأستاذة فهيمة بوحفص التي ألقت محاضرة موسومة مفهوم الأيديولوجيا عند كارل ماركس، من الوعي الزائف إلى لغة الحياة الواقعيّة، بيّنت من خلالها المحاضِرة أنّ “الإيديولوجية لا تعني عند كارل ماركس الوعي الزائف كما هو شائع فحسب، بل تعني عنده أيضا مجموعة التصورات التي تعكس الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع؛ فمن الوعي الزائف ينتقل مفهوم الإيديولوجية عند ماركس إلى لغة الحياة الواقعية، فتصبح الإيديولوجية كل أشكال الوعي التي تعبر عن الحياة المادية وتطوها. لكن ماركس لم يبرر انتقال الإيديولوجية من المعنى السلبي إلى المعنى الإيجابي، تلك هي المهمة التي قام بها فريدريك انجلز بعد وفاة ماركس، وذلك بإضافة البعد السيكولوجي للإيديولوجية. لقد ظهر مصطلح الإيديولوجية في الكتاب الذي ألفه كارل ماركس بمعية فريدريك انجلز سنة 1845، تلك الفترة التي – كما صرح انجلز في رسائله – اهتم المفكران فيها بالمواضيع الاقتصادية دون الخوض في تفاصيل الإيديولوجية الأمر الذي جعل المصطلح محل تفسيرات خاطئة.”
ومن خلال محاضرة موسومة الماركسية بعد ماركس، نبّه الأستاذ أحمد كيشي أنّ ماركس يُعدُّ من أكبر الفلاسفة الذين تعرّضوا للتزييف والتشويه، ونُسِبت إليه تصوّرات هو بريء منها كَـ الماديّة الجدليّة أو الماديّة التاريخيّة بينما هو استعمل مصطلح الديالكتيك ومصطلح الماديّة منفصلين. بيّن المحاضر أنّ مشكلة ماركس الأساسيّة هي مشكلة تحرّر الإنسان وأنّ فكره لا يموت ما دام هناك أزمات مضيفا أنّه “على اثر تهافت امبراطورية Lehman brothers المالية، و بعد اعلان افلاسها رسميا في خريف 2008، دعت جريدة Financial times الليبيرالية الشهيرة، بتاريخ 13 مارس 2009، أعلام الاقتصاد والمالية العالمية، إلى مراجعة جادة لتركة ماركس الفكرية، لاسيما في بُعديها الاقتصادي و السياسي، بحثا عن بصيص أمل لتجاوز الازمات الخانقة التي مافتئت تلاحق المنظومة الاقتصادية الرأسمالية من خلال مؤسساتها وهياكلها التنظيمية، فجعلتها تتجرعها على مضض، غُصة بعد غُصة…..”
في الأخير، تناول الأستاذ وحيد بن بوعزيز في محاضرة موسومة ماركس والدراسات ما بعد الكولونيالية، “ثلاثة محاور: ماركس والاستعمار، موقف ماركس الغامض من نمط الإنتاج الآسيوي، وتصحيح نظرة الماركسية اتجاه الاستعمار من طرف فرانتز فانون. 1/ نظرا لأن ماركس في مرحلته المتأخرة كان يحلل التاريخ كصراع طبقي فقد لاحظ بان الاستعمار هو رؤية طبقية برجوازية صرف، تعكس إرادة التوسع لانغلاق الأسواق الذي أفضى إلى أزمة حادة في الرأسمالية. فالاستعمار حسب ماركس هو محاولة بائسة لتجاوز هذه الأزمة على حساب مستوطنات تعِد بأسواق جديدة. لقد ركز ماركس في كثير من الأحيان على أن الرأسمالية تتسم بالكونية، فهي تحاول ابتلاع كل العالم على حساب الشعوب الضعيفة والفقيرة. 2/ ونظرا لأن ماركس كان ينظر إلى التاريخ كصراع طبقي وكتناقض ديالكتيكي فإنه كان يرى في الاستعمار فرصة لكي تخرج الشعوب المستعمَرة من بناها التقليدية لتلتحق بالحداثة !!!، وأعطى مثالا على ذلك بالهند التي كانت مهيأة لتصيَد هذه الفكرة. انتقد هذا المفهوم المفكر إدوارد سعيد وراح يبين بأن ماركس بنى نظرته انطلاقا من نظرة مركزية غربية تنظر إلى الشرق انطلاقا من السجل الاستشراقي. رفض المفكر الماركسي اللبناني مهدي عامل هذه الفكرة ورأى بأن إدوارد سعيد أخطأ في فهم ماركس حينما جعل الغرب كله كتلة واحدة ولم ينتبه إلى أن ماركس ينطلق من نظرة ثورية تؤمن بالجدل التاريخي ولم يكن في يوم من الأيام مع الاستعمار. 3/ حينما درس فانون الواقع الكولونيالي لاحظ بأن الفضاء الاستعماري قائم على الانقسام، لهذا فإن كل من يفكر بأن الاستعمار سيعصرن الشعوب الضعيفة هو مخطيء لأن الاستعمار لا يخدم سوى نفسه. يعني سوى طبقته المهيمنة التي تعيد إنتاج نفسها بواسطة إيديولوجية عنصرية مقيتة. فعلا بعد أكثر من قرن تبين بأن الاستعمار الفرنسي مثلا لم يغير البنى التقليدية للمجتمع الجزائري بل شوهها ولم يدخل الجزائريين في روح الأنوار بل أعادهم إلى وضع متخلف أكثر من الذي كانوا فيه، وليس أحسن دليل على ذلك من الحصيلة التي درسها بيير بورديو وعبد المالك صياد في سنة 1963، فلقد بيَنا في كتاب الاستئصال Le déracinement بأن فرنسا لم تقم بتحديث الجزائر بل اقتلعتها من جذور الماضي ولم تفتح لها أبواب المستقبل، مما جعل الإنسان في هذه البلدان يعيش متاهة حقيقية.”

إلى الملتقى
نعيمة حاج عبد الرحمن

شاهد أيضاً

تعريف الفيلسوف – سيزار دومارسيس

ترجمة: حسين إسماعيل سيزار دومارسيس تعودُ هذه المقالة للفيلسوف الفرنسي سيزار دومارسيس (١٦٧٦-١٧٥٦)، وقد كتبها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *