الرئيسية / منتخبات / تغطية / “وهم الحرية..  ماركوز نموذجا”

“وهم الحرية..  ماركوز نموذجا”

حمزة لخضر

تعتبر الحرية موضوعا محوريا في كل تفكير فلسفي، و أساسا لقيم كثيرة أبرزها المسؤولية وعلى ارتباط متين بالكرامة الإنسانية، كما أنها دعامة رئيسية أيضا في المجتمعات الليبرالية خاصة، فكثيرا ما تتباهى الانظمة السياسية لنيل الشرعية التمثيلية بمكسب احترام الحريات الفردية و الجماعية و تعتبرها من الحقوق الاجتماعية و الفكرية، إلا أن تأمل ماركيوز لحال الحرية في المجتمعات الصناعية المتقدمة يخالف ما يشاع عنها، فقد أشار الى أن نموذج الحرية المتاح في هذه المجتمعات لا يتجاوز حدود التساؤل : ماهي المبررات التي ارتكز عليها رأي ماركيوز ومدى موضوعيته في الفصل بين توهم الحرية أو وجودها الحقيقي؟

يتميز النظام العام في المجتمع الصناعي المتقدم بقدرته على توجيه كل النشاطات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، فهو نظام مغلق، و إدارته تحكم التسيير، ورقابته مطلعة على دقائق الامور و إيديولوجيته المسيطرة، فكل المبادرات توجه نحو تثبيت ما هو قائم، حيث لا يسمح لإحتمالات التغيير أو إحداث اهتزاز في الاتجاه العام لكل النظام، وقد بلغ هذا الترتيب الى حد أن لا مجال لإفلات احتمالات غير متوقعة تخالف مسار نمط الحياة المشكل، ولا سبيل لرفض نظام الأشياء القائم، وقد أمكن لهذه العقلانية أن توفر جميع الضروريات و الحاجيات و بصورة يطبعها الرفاه و الوفرة ” ومن تم فإن إنجازات نظام السيطرة تبرر هذا النظام، و يتبنى الأفراد القيم القائمة باعتبارها قيمهم هم بالذات ويصبح التوافق تلقائيا مستقلا نابعا عن الذات و تبدو إمكانية الإختيار بين عدة ضرورات اجتماعية هي شكل الحرية نفسها”.]1[  بهذه الكيفية يكشف ماركيوز صورة الحرية في إطار مجتمع محكم التنسيق بحيث لا يترك للإنسان إلا أن يختار ما يريده المجتمع، فهو المسؤول عن توفير احتمالات الاختيار و كأن الأمر يعكس جبرية خفية، تحركها إرادة ذكية تنتهي الى جعل كل اختيار ليس إلا تعبيرا عن عبودية مقنعة يفرضها المجتمع القائم على الإنسان، “فما كان في السابق استبعاد بالقوة أصبح استعباد إرادي”.]2[ فنطاق الحرية المتاحة لا يتجاوز الإختبار بين الأدوات التي تنتجها التكنولوجيا و بذلك فإن هذا النمط من الحرية موجه، ويكون الإنسان فيه واهما عند كل اختيار “فأين يجد الفرد وسيلة للتعبير عن تقرير مصيره وعن استقلاله الذاتي؟ في حق قيادة سيارة، في متناول المعدات الميكانيكية و تقليبها بين يديه، في شراء بندقية، أو في أن يبلغ عددا ضخما من المستمعين برأيه مهما كان في هذا الرأي من عدوانية”.]3[ فإذا كانت الاختبارات قد ضبطت سلفا وبشكل يضمن انسجامها مع مبدأ الواقع القائم، كما يحقق اندماج الفرد ضمن مسار المجتمع، فلا يعكس ذلك إلا مجالا تنعدم فيه الحرية. و لأن ظاهر الأشياء يحتضن نقيضا مستترا، فإن ما يحياه كل فرد من اختيارات ليس إلا وهما “فالرقابة الاجتماعية الضمنية توجه الفرد نحو غايات محددة، لا يمتلك حريته في استبدالها، و إذا كان له أن يختار فحريته تتمثل في الإختبار من تشكيلة ممحصة و مقررة ومفروغ منها، و سيكون اختياره في التحليل الاخير نوعا من الخضوع و العبودية”.]4[ وتبرز هنا صورة الحرية المتاحة في ظل النظام القائم، بحيث لا تعبر عن حقيقة الحرية بل تعكس وهما فحسب.

لقد رأى ماركوز أن الإنسان لا يعي قيوده، بل العكس هو السائد فهو يتوهم أن اختياراته نابعة عن ارادة واعية و حرة وتدرك الغايات، في حين أن كل عناصر تكوين شخصيته قد تم تنميطها و تشكيلها على الطاعة العمياء، التي ألفت الإنبهار أمام منجزات هذا المجتمع، وامتد ذلك ليشمل كل غرائزه من ميل النفس الشديد الى ما تحبه و ترضاه، وحتى شعوره النفسي الهادئ الذي تتحدد به عواطفه، وفي كل هذا التحوير تختفي المظاهر المعهودة التي تمارس المنع “ومن ثم فإن التقدم الرأسمالي لا يقيد البيئة الحرة، و الحيز الحر للوجود الإنساني فحسب، بل هو أيضا يقيد الرغبة في مثل هذه البيئة، و الحاجة إليها”.]5[

صورة ماركيوز

تقود تحليلات ماركيوز للمجتمع الصناعي المتقدم و التي أبدى من خلالها حجم اللاعقلانية والنموذج الأحادي البعد الذي يخدم مبدأ الواقع، و ما لمقولات السيطرة و الهيمنة من قدرة على النفاذ الى أعماق الحياة الإنسانية، وقدرة النظام القائم على التخفي و الإقتناع من خلال الوفرة و نمط الحياة الاستهلاكي، الى رؤية ماركوز لموضوع الحرية و انعدامها بهذا المجتمع، و أن التنميط و التشكيل المستمر لوعي الإنسان جعل منه وعيا واهما وزائفا. حيث أصبح ما هو قيد يعكس مناخ الحرية في إطار المجتمع الصناعي المتقدم بين الوهم و الحقيقة، “لأن المجتمعات الصناعية المتقدمة وليدة الايديولوجيا و التدجين، فهي تخفي حرية بائسة”.]6[ وتعمل تحليلات ماركيوز النقدية على اكتشاف مواطن الزيف و التناقض في كل ممارسة احتواء أو تنميط لحياة الإنسان، و يكفي أن دافع إيديولوجية المجتمع الصناعي المتقدم هو إحكام السيطرة، لإدراك أن مظاهر الحرية الفردية و العامة ليست إلا ما يسمح به. ومنه فتصور ماركوز لموضوع الحرية متضمن في انتقاداته لمظاهرها ضمن ما هو قائم و إذا كان ماركس يعتقد أن الواقع هو الذي يحدد الوعي، فإن وقع هذا الإستنتاج يجعل ماركوز يدرك مدى انعدام الحرية في المجتمع الصناعي المتقدم، حيث الفكر التوتاليتاري قد هيمن وسيطر على كل مظاهر الحياة الفردية و الجماعية، وان الوعي المتاح لا يزيد إلا في ترسيخ وهم الحرية، و يمنع القدرة على إدراك مفاهيم الحرية الحقة. ومنه يغدو تأمل واقع الحرية ضروريا  ومشروعا، و أن من وظيفة التفكير الفلسفي اكتشاف ذلك، “فإنسان المجتمعات الصناعية المتقدمة يعرف حرية خادعة و تعيسة فلا توجد في النظام الاجتماعي و السياسي القائم حرية حقيقة”.]7[  وفي ذلك تأكيد صريح على أن ما يحياه الإنسان ضمن هذا المجتمع يترجم حرية زائفة وتعيسة، ويكشف ماركوز بذلك أن ما يعيشه الإنسان من اختيارت ليس إلا ما أراده المجتمع القائم، فينبغي إذن أن ينظر الى الوضع القائم كمجال للمعرفة وللشروط البديلة و الحقيقية للحرية.

لقد بحث ماركوز بشكل عميق عن مظاهر الوهم بالحرية، وربطها بالإيديلوجية السائدة في المجتمعات الأكثر تقدما، كما ربطها بالإطار العام لطريقة تنظيم الشغل، لأن “الايديولوجية التي تفهم كتمثيل خفي للنظام الحقيقي موجودة بطبيعتها في شروط العمل التي يحددها المنتجون. حيث الإنسان كائن مغترب يبطن عبوديته الخاصة سواء الاجتماعية أو السياسية”.]8[  ومنه فإن أدوات العمل و صورته التي نظم بها، تكتشف مدى اغتراب الإنسان عن ذاته، وعن وسائل الإنتاج، وهي فكرة تتقاطع وآراء ماركس، فالإغتراب دليل يضاف الى إبراز عبودية الإنسان لنظام الأشياء القائم، وفي عرض لواقع المجتمع الصناعي المتقدم، أكد ماركوز خضوع الإنسان لمبدأ الواقع الذي يغريه بتقبل الوضع القائم في الوقت نفسه، لما يجنيه من نفع، فهناك عناية بتجديد نمط الحياة الاستهلاكي باستمرار، وهو ما يبقي الإنسان حبيس الاستهلاك، و تصبح حريته في الاختيار بين أنواع السلع المعروضة، لذا شبه ماركوز هذا الوضع بالعبد الذي يختار سادته، فهذه الصورة لا تعبر عن حال لحرية بل صورة زائفة لها ووعي واهم، فصورة الإنتاج إذن تلغي حرية الإنسان كما يلغي نمط الإستهلاك قدرة الإنسان الأصيلة على الاختبار، لأن “إنسان المجتمعات الصناعية المتقدمة يقبل بظرفه: حيث يشارك في التماسك الاجتماعي الذي بواسطته يحصل على مكافآت اقتصادية تعويضية. وببساطة أكثر؛ إن بنية الاستهلاك قد تم تحويرها الى حد كبير، بحيث يكون النفع عاما يتعدى كل إرادة تجاوز للنظام الاجتماعي المسيطر”.]9[ وقد لاحظ ماكوز اعتماد ايديولوجية المجتمع الصناعي المتقدم، آليات لتبرير ضرورة القمع، كتحقيق أهداف ضرورية للصالح العام، خاصة الجانب الأمني و الدفاع عن نظام الحياة الذي يوفر لهم الرفاه، أو محاربة أعداء يتم تحديدهم مع الإبقاء على شبح الحرب حاضرا دائما، فتوقع الخطر في هذه الحالة يوهم وعي الإنسان بضرورة القمع ومشروعيته لكنه يفقد مع هذا الوهم حريته تحت الاقتناع بأن التهديد وما الحرب إلا شبحا، وبذلك ” وفي كل مجهود يبذل لخلق شروط رفض فعال للنظام، ينبغي الحذر من تناسي الحقيقة الواقعة العارية التالية وهي انه ليس في مستطاع أي فرد أو أي فئة أن يكونا حرين في مجتمع غير حر”.]10[ فالمجتمع الذي يبيح القمع ويستبيح الإنسان، هو مجتمع بعيد كليا عن ادعاء توفير مناخ الحرية، وقد حرص ماركوزعلى ابراز ذلك، وما تبني عقلانية السيطرة، و التخفي خلف فعالية مبدأ المردود، القادرة على الإنتاج الوافر الذي يلبي متطلبات الإنسان المتجددة، إلا أدلة تضاف الى الواقع الذي تسلب فيه الحرية باسم الحرية، وشتان بين الواقع و الادعاء هذا الأخير الذي أضحى تقليدا تحسن تسويقه وسائل الإعلام التي تمنح مشروع الهيمنة الدعاية الكافية بإبراز محاسنه الموهومة، غير أنها في تصور ماركوز وسائل سيطرة لا أكثر، لأن “المجتمع الصناعي المتقدم يمكن أن يكون مجتمعا يتمتع بأرفع المستويات المعاشية إلا أنه سيبقى مجتمع السيطرة الكلية فالزيادة في الإنتاج سوف تبقى مقرونة بفقدان الحرية”.]11[

إن إدراك تصور ماركيوز لواقع الحرية المتاح يحصل بالعودة الى ممارسات عقلانية المجتمع الصناعي التي تعمل على التشكيل المستمر لأبعاد الوجود الإنساني، بحيث تنتهي الى مصب واحد هو الاندماج و الانسجام مع الوحدة الكلية للنظام العام في المجتمع “فالفرد كما يستنتج ماركوز، ليس له في المجتمعات الغربية معياره الخاص في الإختيار، شأنه شأن العبد الذي له الحرية فقط في اختياره سيده، وحريتة الاختيار هذه لا تلغي لا السادة ولا العبيد، إنما هو محكوم بقوة الرقابة التي تطرح أمامه الحاجات التي انتقيت، و إذا كان الفرد يحدد تلقائيا الحاجات المفروضة عليه فهذا لا يعني أنه سيد نفسه وإنما يدل فقط على الرقابة الناجحة”.]12[

ويبدو أن واقع المجتمع الصناعي يكشف ذاته بوضوح، أن ما يعتقد أنه حرية للفرد هو في الواقع بؤسه و معاناته، لذلك أقام ماركوز تمييزا بين ما هو واقع وما يجب أن يكون، فالواقع تأكيد على انعدام الحرية و استشرافه للبديل صورة للتحرر إن أمكن، وهو السبيل الذي يقود الى فضاء الحرية التي تمتل الوجود ما بعد قيود المجتمع المتعددة، و أقواه القيد الاقتصادي الذي يرتكز على مبدأ المردود، وعليه فإن “امتلاك الحرية الاقتصادية يجب أن يعني التحرر من الاقتصاد ومن الإكراه الذي تمارسه القوى و العلاقات الاقتصادية، التحرر من النضال اليومي في سبيل الحياة ، عدم اضطرار الإنسان بعد الآن الى كسب حياته”.]13[ إذ من الضروري تصحيح التوجه العام لخدمة الإنسان كما أن ماركوز يوسع في دائرة التحرر من زيف الواقع الذي يوهم الإنسان بالحرية ليشمل الواقع السياسي و الفكري أيضا حيث يقول “وامتلاك الحرية السياسية يجب أن يعني بالنسبة للأفراد أنهم قد تحرروا من السياسة التي ليس لهم عليها من رقابة فعلية و امتلاك الحرية الفكرية يجب أن يعني إحياء الفكر الفردي الغارق حاليا في وسائل الإتصال الجماهيري، الواقع في إسار التكييف المذهبي”.]14[ لتتضح رؤية ماركوز لواقع الحرية السياسية و الفكرية، فبالاعتماد على مبدأ الواقع فإن الحرية المتاحة لا تعدو أن تكون زيفا وقيدا، لأنها واقعة تحت الرقابة و السيطرة و التكييف المذهبي، اما بالإعتماد على مبدأ ما يجب أن يكون، فالعملية تتطلب بديلا أكثر مصداقية لممارسة الحرية الحقيقية.

ولعل فهم تصور ماركوز للحرية، يقتضي ضرورة الانتباه الى خيوط رفيعة تربط بين مبدأ الواقع الذي حددته عقلانية المجتمع القائم، و مبدأ ما يجب أن يكون الذي يكشف تطلعات ماركوز و استشرافه لواقع أمثل، يتجاوز البعد الواحد الماثل في الواقع، ومن الضروري أيضا الفصل بين تحليل ماركوز للواقع القائم وانتقاده إياه فالأول كاشف، أما الإنتقاد فيتضمن جوهر أفكاره. لذا جاء موقف ماركيوز من نموذج الحرية التي تسمح به عقلانية السيطرة موقفا رافضا، فليست الحرية في اختيار ما تم تحديده مسبقا، بل هي اختيار بطواعية واستطاعة فعلية، أو بمعنى آخر ” إن الحرية المنظمة من قبل مجموع اضطهادي، يمكن أن تصبح أداة سيطرة قوية: فالحرية الإنسانية لا تقاس تبعا للإختيار المتاح للفرد )التشريب( و إنما العامل الحاسم الوحيد في تحديدها هو ما يستطيع الفرد اختياره وما يختاره” .]15[

يقيم ماركوز ربطا بين نموذج الحرية المتاح في المجتمع الصناعي وكونه أداة سيطرة، وبذلك فإن اختيارات الإنسان ليست نابعة من إرادة حرة، بل موجهة و محددة؛ و لأن عامل التوجيه و التحكيم و السيطرة قائم، فإن ما يبدو حرية ليس إلا عبودية مقنعة، ويضيف ماركوز أيضا “قدرة المرء على اختيار سادته بحرية لا يختار هو كائن حر مادامت الرقابات الاجتماعية تثقل بوطأتها على حياته  الكادحة القلقة، ومادام هو نفسه مستلبا”.]16[ حتى و إن عرضت صورة الإنتاج التي تفضي الى تحقيق الوفرة، و توفير ضروريات الحياة على أنها مظهر من مظاهر الحرية، إلا أن الزيف الذي يطبعها أكبر من أن يدارى، فالتعمق في معرفة أبعادها يجد أنها تصادر الحرية، ومنه يصبح مناخ الحرية المتاح زيفا وقيدا. “أما أولائك الذين يحتلون مكانهم في صميم مجتمع الوفرة فإنهم محبوسون فيه بوحشية تعيد الى الأذهان أساليب القرون الوسطى وما بعد الوسطى أيضا، أما غيرهم ممن هم أسعد حظا، فإن المجتمع يرد على حاجتهم الى الحرية لتلبية الحاجات التي تجعل العبودية محتملة بل غير منظورة. وهذا يتم بفضل صيرورة الإنتاج”.]17[ كما يبحث ماركوز عن واقع الحرية في المجتمعات الصناعية المتقدمة بعمق أكثر، ليخلص الى أن حال الفن يعبر عن غياب الحرية، فماركوز يتأمل مختلف أبعاد وجود الإنسان ليس فقط علاقة الإنسان بالترتيبات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فقط بل أيضا في المجالين الثقافي و الفني، لينتهي الى التأكيد أن المظهر السائد لا يعبر عن مناخ للحرية بالقدر الذي يعبر عن نقيضه، حيث يقول: “يعكس استقلال الفن الذاتي غياب حرية الأفراد في مجتمع غير حر. فلو كانوا أحرار، لكان الفن هو شكل حريتهم وتعبيرها”.]18[ وهكذا يرى ماركوز أن جنوح الإنسان نحو الفن الذاتي حجة للتأكيد على عدم توفر الحرية، كما أنه يجد في تحول قدرة التكنولوجيا من السيطرة على الطبيعة الى السيطرة على الإنسان، دليلا آخر لوصف الحرية المتاحة بالزيف، “ذلك أنه في الوقت تشدد فيه التكنولوجيا قبضتها وهيمنتها تدريجيا على الطبيعة، نجد الإنسان يشدد قبضته وهيمنته تدريجيا على الإنسان. وبذلك يخسر الإنسان الحرية التي هي الشرط الضروري المسبق للتحرر”.]19[ ويخلص ماركيوز في تقييمه لمجمل انجازات المجتمع الصناعي الى نتيجة مفادها أن الحرية التي استطاع تحقيقها لا تعبر عن حرية حقيقية، بل هي مظهر لحرية بائسة “فقد حقق هذا المجتمع لأفراده سعادة هشة، مجرد قشرة رقيقة تحوي الخوف و القلق و التعاسة. فقد الإنسان المعاصر في ظل هذه السعادة المزيفة حريته كما فقد وعيه، بما ينبغي عليه أن يرفضه”.]20[

وينتهي ماركيز الى اعتبار الوضع العام السائد في المجتمع الصناعي وضعا لا يعكس فضاء الحرية المطلوبة، و أن ما يروج له ليس إلا زيفا ووهما، و تحويرا ضبطته عقلانية السيطرة، وتبرير ذلك وجد نظام إداري مغلق يشرف على تسيير كل مجالات الحياة، وما شروط العمل وصورته حيث الإنسان العامل يعيش اغترابا مع الذات ومع وسائل الإنتاج إلا تعبيرا كافيا عن غياب الحرية، كما أن النمط الاستهلاكي الذي يطبع الحياة الفردية و العامة و آليات القمع المستترة عوامل تمنع من الجزم بوجود تجربة حرية حقيقية، مما جعل ماركوز يرى أن غيابها يتناسب طردا مع زيادة الإنتاج، و لأن تحويرا كبيرا لحق مجالات الحرية الاقتصادية و السياسية و الفكرية جعلها تنسجم مع مبدأ الواقع الذي يتناسب مشروع الهيمنة و السيطرة الكلية، جاء موقف ماركوز صريحا من موضوع الحرية ، فهي كحرية العبد الذي يمتلك القدرة على اختيار سادته فقط، وهي حرية خادعة و بائسة، و تفتقد معناها مادامت الاختيارات قد ضبطت سلفا. “ويتضح من كل ماسبق أن الحرية لا يمكن أن تدرك إلا في صميم الفعل الذي به تمارس ذاتها و تخلق وجودها”.]21[

ـ المراجع :

]1[.هربرت ماركوز: نحو التحرر- في ما وراء الانسان ذو البعد الواحد- ترجمة ادوارد الخراط، منشورات الىداب بيروث، ط 1، 1972م، ص21.

[2].Gérard Roulet: Herbert Marcuse philosophie de l’émancipation, presse universitaires de France, paris, 1992, p 183.

]3[.هربرت ماركوز: نحو التحرر، مصدر سابق، ص 21.

]4[.عبد الله ابراهيم: المطابقة و الإختلاف، المركزية الغربية-اشكالية التكوين و التمركز حول الذات- المركز الثقافي العربي بيروث، ط1، 1997م، ص 348.

]5[.هربرت ماركوز: نحو التحرر،المصدر نفسه، ص 27.

[6].Jean-Claude Clavet: Le cincept de liberté chez herbert marcuse, philosophiques, Vol. 13 uméri 2, Automne 1986. p 209.

[7].Jean-claude Clavet: Le conecept de liberté chez herbert marcuse, op, cit, p.215.

[8].Ibidem.
[9].Ibid, p. 216.

]10[.الثورة و الثورة المضادة-نحو حساسية ثورية جديدة-ترجمة جورج طرابشي، دار الآداب بيروث ، دط، دت، ص 60.

]11[.قيس هادي أحمد: الإنسان المعاصر عند هربرت ماركوز، المؤسسة العربية لدراسات و النشر، بيروت، الطبعة الاولى1980، ص 151.

]12[.عبد الله ابراهيم المطابقة و الإختلاف: المركزية الغربية ـاشكالية التكوين و التمركز حول الذاتـ  المركز الثقفي العربي، الطبعة الاولى 1997 ، ص 348.

]13[.هربرت ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب بيروث1988 ،ص 40 .

]14[المصدر نفسه، ص40.

]15[.المصدر نفسه، ص 43.

]16[.المصدر نفسه، ص ص 43-44.

]17[.المصدر نفسه، ص 60.

]18[.هربرت ماركوز: البعد الجمالي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروث، ط1 ، 1982م، ص 89.

]19[.هربرت ماركوز: الإنسان ذو البعد الواحد، مصدر سابق، ص 264.

]20[.قيس هادي أحمد الإنسان المعاصر عند ماركيوز، مرجع سابق، ص 111.

]21[.أمل مبروك: مشكلة الإنسان في الفكر المعاصر، دار قباء للطباعة و النشر، د ط، 2004م، ص 172.

 

 

شاهد أيضاً

سيكولوجية الدولة الشمولية

حواس محمود إن سيطرة الدولة الشمولية في العالم العربي لفترة تقارب أو تزيد عن نصف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *