الرئيسية / أدب وثقافة / مساهمات / الهوية الثقافية عند الجابري 

الهوية الثقافية عند الجابري 

حميد الكعال           

تقديم

يعرف العالم اليوم سلسلة من التحولات الجذرية على مختلف الأصعدة:الاقتصادية،الاجتماعية،السياسية والثقافية.وهذه التحولات التي تجري داخل هذه الميادين يختزلها إلى حد بعيد مفهوم”العولمة”.نظرا للتأثير الذي مارسته هذه الظاهرة على أنماط الوجود والسلوك البشري.ومن هنا أصبح التفكير في الهوية الثقافية يدخل ضمن إشكالية العلاقة مع العولمة.فهل يمكن القول ان العولمة تهدد الهوية؟

وإذا كانت المرحلة التي نمر بها تتميز بانهيار المعايير والمطلقات ،وعودة المكبوت والتطرف بشتى أشكاله،فان التفكير في علاقة العولمة بالهوية الثقافية في المجتمعات العربية يأتي ضمن سياق فهم واستيعاب تجربة الحداثة الغربية،وبناء وعي نقدي بعيدا عن النزعات الخصوصية الضيقة.ومن هذا المنطلق طرحت إشكالية الكيفية التي من خلالها تمت بها معالجة هذه القضية:علاقة العولمة بالهوية الثقافية.سنركز هنا على مساهمة الجابري في الموضوع،وهي مساهمة تتألف من عشر أطروحات أساسية.

  1. في تحديد الهوية الثقافية (الأطروحات 1+2+3)

ينطلق الجابري من تحديد للثقافة هو اقرب إلى التحديد الانتروبولوجي،من حيث أنها مركب من الفنون والقيم والعادات والرموز..الخ.التي تتميز بها مجموعة بشرية معينة.ويستتبع هذا التعريف النتيجة التالية،وهي انه”ليست هناك ثقافة عالمية واحدة،وإنما وجدت وتوجد وستوجد ثقافة متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية أو بتدخل إرادي من أهلها للحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة([1]).ومن تعدد الثقافات واختلافها تتحدد الهوية الثقافية لجماعة بشرية معينة.إلا أن هذه الهوية الثقافية تتداخل في تشكيلها ثلاث مستويات أساسية”فردية،وجمعوية،ووطنية وقومية.والعلاقة بين هذه المستويات تتحدد أساسا بنوع الآخر الذي تواجهه”([2]).إن الهوية الثقافية ليست معطى جاهزا،بل كيانا متطورا عبر صيرورة تاريخية ،تتجاذبها لحظات التراجع والانكماش أو الانتشار والتوسع.وتتغذى من التفاعلات-الصيرورات :فرد-جماعة،جماعة-امة،امة-امم أخرى.ولذلك فالهوية الفردية لا تتشكل الا داخل هوية جماعية عبر عملية تفاعلية تستدمج انتاجات وإبداعات الذات داخل محيط سوسيوثقافي، لا يكون فيه الفرد عنصرا منفعلا فقط ،بل وفاعلا أيضا.الشي الذي يعني ان مقياس الهوية الفردية والجماعية ،هو الآخر الذي تتفاعل معه.فان كان داخليا فالتفاعل يتم داخل دائرة الجماعة أو دائرة الأمة.وان كان خارجيا”فان الهوية الوطنية أو القومية تملأ مجال الأنا.”

إن كل هوية ثقافية تسعى وتطمح إلى الاكتمال ولكي تحقق ذلك فلا بد لها من أن تستند إلى مرجعية معينة.لذلك ير الجابري أن”جماع الوطن والأمة والدولة”([3])،هو المرجعية الأساسية لاكتمال الهوية الثقافية.فالوطن من حيث هو التاريخ والجغرافيا ككيان روحي واحد ،يشد إليه روح الفرد.أما الأمة فهي ذلك الانتساب  الروحي الذي يجعل الذاكرة التاريخية تعبر عن إرادة الجماعة وطموحاتها،وتشعرها بالانتماء لمجال واسع يحتضنها.والدولة هي”التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة”.لذلك يعتبر الجابري إن كل مس بهذه العناصر الثلاث هو في حد ذاته مس بالهوية الثقافية والعكس صحيح.

2) بين العولمة والهوية الثقافية:عناصر للسلب أم للإيجاب (الأطروحات: 4+5+6+7+8).

على غرار نفس النهج ،وبعد أن حدد الجابري بنية مفهوم الهوية الثقافية ،ينتقل إلى تحديد دلالات العولمة وطبيعة العلاقة التي تربطها بالهوية الثقافية.

ما هي العولمة؟

لغويا تعني تعميم الشيء ليشمل تداوله دائرة واسعة من العالم.إنها نظام متعدد الأبعاد لا ينحصر في الزاوية الضيقة للاقتصاد،بل يتجاوز ذلك إلى مجالات “الفكر والسياسة والاقتصاد”.إن ما يشدد عليه الجابري بالنسبة للنظام العولمي الذي يراد له أن يهيمن اليوم ،هو انه إيديولوجيا تسوغ وتبرز حركة العالم.وتتم هذه العملية عبر الوسائل التالية:

  • السوق كوسيلة لخلخلة التوازن وزعزعة الاستقرار داخل الدولة القومية. فعن طريق السوق تحدث عملية “اصطفاء” الشعوب التي لها قدرة على المنافسة(البقاء للأصلح).
  • أهمية الإعلام في إحداث التغييرات الجيوسياسية (الصراع حول امتلاك الإعلام ومنع الخصم من امتلاكه).

ومن هذه الزاوية تطمح إيديولوجيا العولمة إلى تشكيل حدود لا مرئية بدلا من الحدود بين الدول والشعوب،وبه تستطيع الهيمنة على مجالات السلوك والفكر والاقتصاد. وإذا كانت العولمة هي ما تم تحديده آنفا،فما الفرق بينها وبين العالمية؟ان كانت العولمة حسب الجابري إرادة الهيمنة والقضاء على كل خصوصية ،فالعالمية عكس ذلك ،إنها انفتاح على ما هو كوني.

إن إيديولوجيا العولمة هي ثقافة للاختراعات ،ثقافة لتذويب الخصوصيات داخل نموذج معين للفكر والسلوك والحياة.وبمعنى آخر،السيطرة على الإدراك.بموجب ذلك “يتم إخضاع النفوس وتعطيل فاعلية العقل وتكييف المنطق،و التشويش على نظام القيم،وتوجيه الخيال وتنميط الذوق وقولبة السلوك”([4]).وببساطة سيادة نمط معين للاستهلاك يخدم آلية نظام السوق.وبمقابل ذلك تتجه العالمية نحو بناء مشروع إنساني منفتح،قائم على تفاعل الأنا مع الغير باعتباره أناه الأخرى.وفي الواقع،لا تقف ثقافة الاختراق على تسطيح الوعي فقط ،بل الخطير فيها أنها إيديولوجيا لإنتاج الوهم،”وهم الفردية،وهم الخيار الشخصي،وهم الحياد،وهم الطبيعة البشرية التي لا تتغير،وهم غياب الصراع الاجتماعي”.

إن ما تنتجه إيديولوجيا الاختراق حسب الجابري هو،”التطبيع مع الهيمنة وتكريس الإشباع الحضاري”([5]).لذلك تتجه العولمة من خلال إيديولوجيا الاختراق إلى”إفراغ الهوية الثقافية من كل محتوى”([6]).حيث لم يعد الفرد يشعر بأي انتماء ،سواء كان للأمة أو الوطن أو الدولة.لقد فقدت الأنا هويتها وفرادتها وتميزها كاختلاف،وأصبحت مهددة من خلال سيادة منطق التشابه الذي فرض على الجميع.وأصبح الجميع لا احد بلغة هيدجر.يتضح ذلك من خلال عملية “تأحيد” الجميع من خلال تنميط السلوك وتوجيهه وجهة استهلاكية  لا تعترف إلا بمنطق الربح.

إذا كان هذا التحليل يصدق لوصف العالم راهنا،فما موقع العرب كهوية ثقافية؟

منذ قرنين،دخلت الثقافة العربية في تناقض مع الثقافة الغربية،ومنذ ذلك الحين وهي تعاني بسبب اختلال ميزان القوى.ومن نتائج هذا الوضع،ستصبح هذه الثقافة تعيش نوعا من الازدواجية تتخذ لبوسا وأشكالا مختلفة طغى عليها شكل الأصالة/المعاصرة.إن هذه الثنائية تكرس الانشطار داخل الهوية الثقافية العربية بمختلف مستوياتها :الفردية،الجامعية،الوطنية والقومية.

ومن هذا المنطلق يرى الجابري ان “الاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة،لا يقف عند حدود تكريس الإشباع الحضاري بوجه عام ،بل انه سلاح يكرس الثنائية والانشطار داخل الهوية القومية”.والخطير في الأمر هو أن المسالة لا تتعلق بالراهن فقط،بل تتجه نحو المستقبل،والوسائل المعتمدة هي  الإعلام والتعليم.فما هو الحل إذن؟

3) إمكانية تجديد الثقافة:الداخل والخارج (الأطروحتين: 9 + 10)

إن الإجابات التي قدمت نفسها كحل لازمة الهوية الثقافية العربية ،هي إجابات تاريخية حسب الجابري تتراوح بين قبول العولمة باسم الحداثة ،ورفض العولمة باسم التقليد والانغلاق على الذات.ومن ثم فالخلفية المتحكمة في  هذين الموقفين هي خلفية العقل”المستقيل” ،الذي يواجه المشكل إما بالهروب إلى الأمام أو الوراء.إن الانغلاق تحت ذريعة تحصين الذات،هو موقف سلبي لا يؤثر في إيديولوجيا الاختراق الثقافي،بل هو تعبير عن الموت البطيء ،مادام الاختراق الثقافي دخل كل البيوت عن طريق الإغواء والإغراء والحاجة.وفي مقابل دعوى الانغلاق ،هناك ما يسميه الجابري بالاغتراب،حيث يقول:”إن ثقافة الاغتراب ،أعني الارتماء في أحضان  العولمة والاندماج فيها،ثقافة تنطلق من الفراغ،أي من اللاهوية،وبالتالي فهي لا تستطيع ان تبني هوية ولا كيانا”[7].ومعنى ذلك أن مقاومة العولمة هي انتحار.لذلك لابد من ركوب الموجة والنجاة مع الناجين،ولا يهم أصحاب هذا الموقف ما إذا كان ركوب الموجة سيتم من خلال هوياتنا ام من خلال هويات الآخرين.

باختصار،إن الموقفين السابقين يرجعان إلى أزيد من قرن،وتمثلهما دعاوى السلفية والليبرالية.

فما العمل إذن؟

يعتقد البعض أن تجديد الثقافة هو استدماج عناصر الفكر الحديث داخلها،كمدخل لتجاوز الانشطار الثقافي داخل هويتنا العربية.إلا أن معطيات الحقبة المعاصرة ستفضي إلى العكس حسب الجابري.أي ازدياد انصهار موقف الانغلاق.ومن هنا يقترح الجابري المخرج التالي:”إن التجديد الثقافي ،أية ثقافة،لا يمكن أن يتم إلا من داخلها”[8].ولكن السؤال هو كيف؟.يجيبنا الجابري ،من خلال عملية إعادة البناء التي تتأسس على “ممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها ،والتماس وجوه من الفهم والتأويل لمسارها.وهذه الإمكانية هب التي بموجبها يتم ربط الحاضر بالماضي ،مع التطلع إلى المستقبل.إلا أن أهم شرط لممارسة الحداثة والتأويل داخل ثقافتنا هو اكتساب العلم والديمقراطية.وكأن المدخل إلى العصر حسب الجابري ذو مستويين:الأول ثقافي والثاني سياسي.ومنه فمواجهة العولمة من حيث هي نظام تتطلب نظاما مكافئا لها.وما دامت الحالة العربية تعبر عن غياب نظام مكافئ للعولمة،فالمواجهة مع العولمة لن تتم إلا من داخل العولمة نفسها،باستلهام أدواتها وممارسة النقد العقلاني لقيمها وتجاوزاتها.ما عدا ذلك سيصبح العقل خارج التاريخ.

[1] محمد عابدا الجابري،العولمة وأزمة الليبرالية الجديدة،سلسلة فكر ونقد ،ط1،بيروت،2009،ص27.

[2] نفس المرجع السابق،ص28.

[3] “” “” ص32.

[4]  مرجع سابق،ص،32.

[5] ” ”          ” ص34

[6] ”   ”          “ص34

[7] مرجع سابق ص،37.

[8] ”   ”  ”      ص،38.

شاهد أيضاً

التاريخ: وهم الحتمية و التطور الخطي الغائي

غالبية النظريات وفلسفات التاريخ والمفاهيم الوضعية الحديثة وتفاسيرها في دراسة التاريخ البشري,تذهب الى ان مسار التاريخ التطوري تحكمه (غائية) او غائيات ضرورية مراحلية مصاحبة رافقته وقادته الى حتميات معدّة سلفا , مرسومة له مسبقا سعى التاريخ حيثيا الوصول لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *