الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / جينالوجيا مفهوم الثقافة كآلية لتهذيب الإنسان

جينالوجيا مفهوم الثقافة كآلية لتهذيب الإنسان

 نور الدين أيت المقدم

توطئة:

يكثر الحديث عن الثقافة Culture في مجالات عدة فتصبح بذلك الكلمة السحرية التي تصلح لكل شيء، دون أن تعني أي شيء…

فالثقافة في البداية يحب أن نحددها كتاريخ وكخاصية مميزة للكائن الإنساني، فالثقافة في جوهرها هي “العقل”، قيمة القيم… وربما يتساءل البعض عن ما هي الآلية المسؤولة عن ترسيخ القيم وتهذيب الإنسان؟

إنها الثقافة باعتبارها آلية –في العلوم الاجتماعية- من خلالها نمرر القيم والرموز والعوالم النسقية… في قالب رمزي متكامل ومتجانس يتخذ منه الشخص الإنساني معناه الإنساني داخل الجماعة التي ينتمي إليها. فبالثقافة ينتقل هذا الكائن من ما هو طبيعي إلى ما هو إنساني، قادر أن يفكر في إنسانيته.

عندما نحاول التفكير في مفهوم مجرد، مثل مفهوم الثقافة، لا يمكن التفكير فيه إلا من خلال مقابلته مع مفاهيم تدخل معه في علاقات يكتسب منها معناه ودلالته، لا في حقل اللغة والفكر فقط، بل في سياق الحياة الاجتماعية للبشر أيضا. من هنا يمثل الإنسان المحور الأساسي في إشكالية الطبيعة والثقافة. وتتمثل هذه العلاقة لأول وهلة أمام الذهن في صيغة “ثنائيات”، ولكن هذه العلاقة لن تكون مكشوفة بمعناها الأكسيولوجي-القيمي إلا بحضورها في سياق الحداثة الفكرية.

       لم تظهر كلمة “ثقافة” ولم تظهر فكرة “الطبيعة” (ومفاهيم مجاورة أخرى لا يسع لنا الحال ذكرها) بمفهومها الوضعي العقلاني الرياضي والتجريبي أو بمفهومها الفلسفي والحقوقي والإنساني إلا في سياق تكون الحداثة في الغرب بكل أسسها النزعوية الإنسانية والأنوارية والزمنية، فما معنى الثقافة؟ وما علاقتها بالإنسان؟ وما دور الثقافة في ترسيخ القيم الكونية في الإنسان؟

 

1- الثقافة: من الدلالة إلى المفهوم الأنطربولوجي:

سيتضح منذ البداية ونحن نحفر في أركيولوجية مفهوم الثقافة على أنها غير منفصلة عن ذلك الطموح الذي تسعى له الأكسيولوجيا (فلسفة القيم) باعتبارها ذلك العالم الخاص بالإنسان دون غيره، وهي بذلك مجموع مترابط من الصفات والمواقف الأخلاقية التي تعطي معنى للعلاقات والتفاعلات الاجتماعية، فالقيم من الناحية السوسيولوجية هي معايير وأفعال وردود أفعال متعارف عليها ضمن ثقافة معينة، حيث يتفق الأفراد على أنواع السلوك القيمي المقبول وغير المقبول[1].

هذا البعد الأخلاقي والقيمي في الإنسان لا يمكن أن يتأسس إلا تحت قاعدة ثقافية اجتماعية قادرة بالفعل على أن توصل الكائن إلى هذا السلوك أو ذاك. فماذا يمكن أن يعنيه مفهوم الثقافة؟

غالبا في المجال الفلسفي الحديث ما يتم ذكر “الثقافة” يصاحبه تقليد متجذر وهو مقابلته بمفهوم الطبيعة نظرا لتبلورهما في سياق فلسفي واحد، فالطبيعة “Nature” من الناحية الفلسفية تعني على لسان الأنجليزي طوماس هوبز (القرن 17) “هي حالة يهيمن عليها العنف والجور” نفس الأمر مع “فريدريك هيجل الألماني (القرن 19) “الطبيعة هي حالة منافية للحرية” وكما نجد مع النمساوي سكموند فرود (القرن 20) “الطبيعة هي حالة تغيب فيها الأوامر والنواهي”[2] إن الطبيعة من هذا المنظور تحيل على الفوضى والعنف وغياب القواعد والحقوق مما يجعل الكائنات فيها غير متساوية من الزاوية الطبيعية.

في مقابل الطبيعة نجد الثقافة هي حالة للحرية وحالة النظام، أي حضور النواهي والأوامر والقواعد والمؤسسات… فما هي الدلالات التي ينطوي عليها مفهوم الثقافة جنيالوجيا؟

من زاوية العلوم الاجتماعية يتوجب البحث عن أصل مفهوم الثقافة Culture لا في اللغات العامية ولا في قواميس اللغة العربية، إنما يجب أن نعود إلى مفهوم الثقافة Culture في أحضان الثقافة الغربية خصوصا في اللغة اللاتينية التي تعتبر لغة العلم والدين في أوربا قبيل إهلال الحداثة.

“فكلمة Culture تنحدر من كلمة لاتينية Cultura من جهة، والتي تعني في القرون الوسطى الفلاحة أو فلاحة الأرض، ومن كلمة Culte من جهة أخرى، والتي تحيل على الطقس الديني أو العبادة”[3].

نعثر في الوهلة الأولى على البعدين المؤسسين لوجود الإنسان، البعد الدنيوي الذي تجسده الفلاحة والبعد القدسي الذي يجسده الطقس الديني – فكيف يمكن أن نفهم هذه الدلالات في علاقتها بالثقافة؟

إذا كان الغرض من الفلاحة هو الإنتاج الجيد والوافر وما يترتب من انعكاسات إيجابية لذلك الإنتاج على الفلاح في معيشه وأسلوب حياته الذي يتوخى دوما التقدم نحو الأحسن على مستوى نمط وجوده الإنساني والمادي انطلاقا من عائدات إنتاجه الفلاحي، كذلك نفس الأمر على المستوى الروحي المرتبط بالعبادة، حيث يتوخى الإنسان المتعبد بخشوعه وممارسته للطقوس التقرب من الخالق، وإرضاءه حتى يمسح خطاياه ومكافئته بالخير النافع لاستقامة معيشته ووجوده الدنيوي والأخروي، هذا البعد الدلالي هو الذي سنجده حاضرا في مصطلح الثقافة، بحيث ستصبح كلمة Culte قليلة الاستعمال بعد التطورات التاريخية الكبرى التي عرفتها أوروبا إثر نهضتها وستأخذ مكانها كلمة Culture، وستصبح واسعة الانتشار بعدما استعارها إنسانيو عصر النهضة من حقل الفلاحة، واستخدموها ابتداءا من القرن السادس عشر، على أغلب الآراء، استعمالا مجازيا للدلالة على ثقافة الفكر، أي على فعل تنمية قدرات الفكر والعقل والروح”[4].

سيصبح الإنسان الغربي الحديث في صورة الفنان أو الأديب أو المؤرخ أو الفيلسوف أو المثقف بصفة عامة يعبر عن ذاته ثقافيا بممارسة الفكر والتخلق ومحاولة تحسين الأنا دوما إلى ما هو أفضل بتطهير ذاته معرفيا وفنيا وجماليا وأخلاقيا، وذلك بالمشاركة الفعلية في الفنون من رسم وآداب وموسيقى… وكل ما يساهم في تحسين سلوك هذه الذات في علاقتها مع الذوات الأخرى حتى تكسب احترامهم وودهم في إطار التهذيب الخلقي وحسن المعاملة… وهذا الجهد الذي يسعى نحو الأفضل ونحو مبادئ العقل السامية ناكرا بذلك كل ما هو غريزي وطبيعي… مماثل للجهد الذي يقوم به الفلاح وهو يعمل في أرضه لتحسينها وإصلاحها لتكون ملائمة للزراعة من أجل منتوج أحسن… كما أنه مماثل لفعل المؤمن المتعبد الذي يمارس الطقوس الدينية بجهد روحي والذي يفرض التخلي عن ما هو مادي ودنيوي نحو الزهد وكبح رغبات النفس الأمارة بالسوء، من أجل بلوغ ونيل رضى الخالق وخيره اللامحدود في الدنيا والآخرة.

ç هكذا فهم إنسانيو عصر النهضة مدلول كلمة ثقافة، باعتبارها نشاط قصدي وواعي يقوم به الإنسان من أجل تطوير ملكات الذات في التفكير والذوق وفي معاشرته الأخلاقية والسلوكية مع أفراد محيطه الاجتماعي. من هنا نفهم منذ البداية ارتباط الثقافة بالعقل واشتراطها الوعي، وهذا ما بلغت له كتابات الموسعيون (مونتسكيو، روسو، ديدرو…)، ففي رجوعنا لهؤلاء نجد أن الثقافة “هي نشاط قصدي مرتبط بالعقل”[5] إنها الفعل الذي يرتقي به الإنسان من حال أدنى إلى حال أحسن متقدم، مما يحيل في الذهن على مفاهيم مجاورة مثل مفهوم التقدم والتطور… وبالتالي فالثقافة من زاوية الموسوعيين هي نشاط مدني إنساني وإرادي يرتبط خاصة بتطوير المكتسبات والقدرات والسلوك، فصلاح الإنسان هو صلاح الحضارة والمدينة والدولة… وهذا ما انعكس على القرن 18 حتى سمي عصر الأنوار، أي خروج الإنسان من الظلام والقصور الذي هو نفسه مسؤول عنه، وذلك لا يتم إلا بجرأة استخدام العقل وقيادته بإرادة صاحبه دون وصاية…[6] فبالإرادة والعقل يتحقق التقدم وهذا ما يحيل على ثقافة إنسان العصر وإنسان الحاضر وتميزه عن ثقافة الإنسان الماضاوي الذي كان يعيش في مرتبة أدنى (الهمجي النبيل)[7] من التي الآن في الحاضر…

من هذه  النظرة التقدمية سيكون بمقدور الإنسان الذي يقود نفسه بالعقل ويطور باستمرار ذاته من الناحية القيمية والأخلاقية والمدنية أن يكون سيدا على ذاته، وكلما تحققت هذه النتيجة وانتشرت بشكل واسع في أوساط العموم، إلا وصار هذا الإنسان الغربي سيدا على الطبيعة وعلى الكون، باعتبار الطبيعة غير مقدسة خالية من الإرادة والفكر…

وللإشارة فالثقافة Culture في كتابات الموسوعيون لم تأتي ككلمة مستقلة وإنما  دائما تستعمل في إطار جملة:

Cultivez votre jardin.

Culture physique, culture d’esprit.

ولم تستعمل كلمة Culture وحدها إلا مع القرن 18، مع الكاتب Fortia “فورتيا”، وما إن استقلت هذه الكلمة بذاتها حتى طواها النسيان، وأصبحت قليلة الاستعمال في نهاية القرن 18 لسبب بسيط، هو أن كلمة حضارة أخذت مكانها Civilisation، لأنه في هذه المرحلة كانت انجلترا قوية، فكانت تغزو المحيطات نحو شعوب أخرى (مسألة الاستعمار والثورة الصناعية التي لا تخفى على أحد) هذا الوافد الجديد المتشبع بأفكار عصر الأنوار سيعلن أسطورته المتجلية في حمل رسالة التمدن والتحضر للإنسان المتوحش الموجود خارج الحضارة الغربية… ولما كان الأوربيون ينادون بتحضر الآخر فرضت كلمة الحضارة ذاتها في المجال العمومي والفكري على حساب مصطلح الثقافة.

وفي هذه المرحلة ستنتقل كلمة ثقافة Culture من الوسط الفكري الفرنسي إلى الألماني وستكتب على شكل Kulture مع المفكرين الألمان ليميزو بها أنفسهم عن الفرنسيين وذلك يعود لكون ألمانيا شعرت بنوع من التأخر والتخلف من الناحية العلمية والمعرفية في المجال التقني الأداتي (الصناعي على الخصوص) بالمقارنة مع إنجلترا وفرنسا مما جعل الألمان في صورة علمائها ومؤرخيها يتجهون بالثقافة اتجاها امبريقيا بالانشغال بأركيلوجية المعرفة الإنسانية في ميدانها التاريخي، محاولين بذلك رسم تاريخ كوني للجنس البشري منذ وجود الإنسان في العالم إلى مرحلتهم وعصرهم … فخلصوا في هذه الأركيولوجية التاريخية إلى أن الجنس البشري يتطور بسرعة ديناميكية، ويتطور ويرتقي من حال إلى وضع أكثر تعقيدا من سابقيه… هذا الاهتمام بمسار التطور والتقدم التاريخي للجنس البشري عند المؤرخين الأثنوغرافيين في الوقت ذاته، دفعهم إلى القيام برحلات استكشافية أثنوغرافية (علم وصفي). تصف تلك الأعمال التي تجمع عادات الشعوب وأنماط الحياة التنظيمية… ونظرا لاختلاف هذه الأنماط من شعب لآخر اقتنع هؤلاء بكون التاريخ الإنساني في تطور وتقدم حتمي، فحاولو بذلك ترتيب الحضارات التي مر بها الإنسان من الحضارة البسيطة إلى المعقدة والتي تتجلى في الحضارة الأربية الراهنة والحديثة (بروز الأورومركزية). كما كان الهدف أيضا هو محاولة رؤية موقع ألمانيا من هذا التطور والتقدم التاريخي، بالمقارنة مع فرنسا وإنجلترا…

مع هؤلاء المؤرخين الألمان ستصبح كلمة ثقافة Kulture تلك العجلة أو الآلية التي يوصف بها ذلك التطور والتقدم التاريخي من حال إلى حال في مكان وزمان معين…
ومن بين هؤلاء الذين قاموا بهذا الجهد، المؤرخ الألماني Johan christoph adelung[8]
الذي نشر كتابا في هذا المجال حوالي عام 1782 “مقال في تاريخ الثقافة والجنس البشري”،
الذي بدأ منه يرسخ مسار مصطلح الثقافة أنطربولوجيا مع ظهور هذا الكتاب، سنجد زملاء Adelung يستعملون مفهوم الثقافة للدلالة على الفكر والتقدم الاجتماعي للإنسانية برمتها، وهي بذلك درجات وكلما تقدم الإنسان على مستوى التنظيم والسلوك والقوانين إلا وينعكس ذلك على الثقافة الإنسانية ككل…

هكذا وجد هؤلاء المؤرخين أنفسهم حيث لا يدرون، لكون هذه الأعمال التي قاموا بها كانت تصب فيما هو إثنولوجي وإثنوغرافي وسيوسيولوجي… ومنه تدين الأنطروبولوجيا والسيوسيولوجيا لعلم التاريخ الذي يعود له الفضل في التنقيب وبناء مصطلح الثقافة من حيث الدلالة والمعنى…

فمفهوم الثقافة كان من المفترض استخدامه من طرف علماء الاجتماع الكلاسكيين والمؤسسين، الأوائل لكن لا نجد ذلك في قاموسهم السوسيولوجي فمثلا “أوكست كونط Kont” استعمل فكر لا هوتي عوض الثقافة الدينية.

“اميل دوركايم Durkhim” استعمل فعلا ما يدل على الثقافة الاجتماعية في مفهوم “الضمير الجمعي” عوض الثقافة الاجتماعية.

كارل ماركس Marx، يستعمل مفهوم الإيديولوجية أو البنية الفوقية عوض مفهوم الثقافة…[9] لهذا لن تأخذ كلمة الثقافة بعدها المفهومي داخل قاموس العلوم الاجتماعية إلا بعد الأعمال التي نشرها Klemm Gustar “التاريخ العام للحضارة الإنسانية” 1843-1852 في عشر مجلدات، والتي سيستلهم منه الأنطربولوجي إدوارد تايلور في كتابه “الثقافة البدائية” سنة 1871 ذلك القالب والإطار العام لمفهوم الثقافة كمرادف لكلمة الحضارة Civilisation،
فمع هذا الرجل نجد أن كلمة الثقافة أضحت مفهوما أنطربولوجيا رئيسيا ستوجه أعمال أنطربوروجية لاحقة في مجال الثقافة.

عندما تقرأ تعريف تايلور للثقافة، فإننا نجده يقول: “الثقافة أو الحضارة بالمعنى الأثنوغرافي الواسع هي ذلك الكم المعقد أو المركب الذي يشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق، وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان خلال تواجده كعضو في المجتمع”[10].

مع تايلور استقل مفهوم الثقافة وخرج من ثنائية التقدم والتأخر كإديولوجية ساقها فكر الأنوار ودخل مرحلة العلمية وأصبح مفهوما أساسيا في العلوم الإنسانية خاصة في الأنطروبولوجيا، ومفهوما معاصرا في السوسيولوجيا المعاصرة بعدما كان غائبا في السوسيولوجيا الكلاسيكية.

ابتداءا من المرحلة التي دخلت فيها الثقافة مرحلة المفهوم، والعلماء والفلاسفة والمفكرون يحاولوا أن يقدموا كل حسب توجهه وتخصصه تعريفا لمفهوم الثقافة وقد وصلت هذه التعريفات التي وضعها هؤلاء إلى حوالي 160 تعريف حسب كل من “كلكهوهن Kluckhohn وكروبر Louis Kroeber Alfred اللذان حاولا إحصاء التعريفات التي وضعت لمفهوم الثقافة من لدن المفكرين والعلماء في الفترة ما بين 1876-1920[11].

ويبقى التعريف المقترح والمتميز للثقافة في المرحلة المعاصرة لكونه أقرب إلى الدقة والشمولية، هو التعريف الذي اقترحه عالم الاجتماع الكندي “غي روشيه” Gy Rocher [12] عندما اعتبر الثقافة هي منظومة رمزية للتواصل بين أفراد الجماعة الاجتماعية كيفما كان حجمها، مثلها في ذلك مثل أحد مكوناتها، وهي اللغة، أضف على ذلك بكونها منظومة للانتساب والانتماء للهوية التي تعمل الثقافة على إنتاجها والمحافظة عليها، فالثقافة بذلك هي القالب الذي ينصهر فيه أفراد الجماعة ويكتسبوا سماتهم وخصائصهم السلوكية المشتركة في التفكير والإحساس والفعل باعتبار الثقافة “مجموعة مترابطة من كيفيات التفكير والإحساس والفعل المتشكلة إلى هذا الحد أو ذاك، والتي تصلح لأن تكون من الأشخاص الذين يتعلمونها ويشتركون فيها جماعة خاصة ومتميزة”[13].

إن الثقافة إذن ظاهرة جمعية تتكون من اجتماع الأفراد في إطار أنماط اعتمادهم المتبادل وأشكال تقسيمهم للعمل الاجتماعي، تعلوهم وتتسامى عليهم، كما تمارس عليهم إكراها خارجيا لا يحسون بوطأته وأثره، إلا متى خرجوا سلوكيا عن ما هو مسطر ومألوف اجتماعيا.

هكذا يكون التفكير في الثقافة كنسق خارج وعي الأفراد، لأنها ليست من صنع الفرد فهي سابقة في وجودها عن وجوده، وهي بذلك تمتاز بصفة القسرية والإلزامية تفرض بقوة على الفرد.

2- الثقافة كآلية لترسيخ القيم

إن الثقافة هي تطبع [هابتوس بلغة بورديو] ونظام ونسق للإدراك والحكم على الأشياء، إنها آلية تعمل على استقامة الإنسان بعدما كان معوجا في الأصل، فالكائن البشري يوجد في هذا العالم ببعده الطبيعي مثله مثل باقي أشياء ومخلوقات الطبيعة، والطبيعة في الأصل معوجة وقاصرة خاضعة لقانون السببية والنتيجة، ونظام الثقافة نظام خاضع لمبدأ العقل.

إن الثقافة هي بنية ونسق ومعايير ونظام… تعمل دوما بآلياتها المعروفة في التنشئة الاجتماعية داخل مؤسسات اجتماعية لتوجيه رغبات الأفراد وحاجاتهم وفق قواعد وضوابط تتحكم فيها وتعيد تصريفها وتلبيتها بشكل غير مباشر، دون أن تجعل من الحاجات البيولوجية هي الركيزة والهدف المعلن الأساسي… فالمؤسسات تغلق هذا الجانب الطبيعي المعوج في الإنسان بنسق من الرموز أو الميثاق حسب الأنطربولوجي مالينوفسكي براون[14] ويتخذ غايات وأهداف خارج نطاق البعد الطبيعي للحاجة، فَتُسوق المؤسسة بتمثلاتها الثقافية لأهداف وأغراض بعيدة كل البعد عن ما هو طبيعي، فيصبح هذا الأخير داخل المؤسسة الاجتماعية مؤجل دوما، فعلى سبيل المثال، مؤسسة الزواج لا تقوم على أصلها الجنسي الطبيعي بطريقة مباشرة…  وإنما ما هو حاضر بقوة في نسق تمثلات هذه المؤسسة هو مثلا: إعادة إنتاج نسق البنية الأسرية المتمثل في استمرارية الدم، والعرق، والنسب، والسلالة البشرية المتجسد في الأبناء كركيزة للتعاون على أعباء الحياة، وتنظيم المعيشة الحياتية وتنمية الرأسمال الاقتصادي والرمزي دون إهدارهما… وهذا كله من أجل استقامة وجودية أخلاقية معقولة في نظر الجماعة الثقافية…

وهكذا، فمؤسسة الزواج هي مؤسسة خلقت من أجل قيم توزيع الأدوار والمهام بين أفراد المجموعة المؤسساتية بغية تلبية حاجاتها المادية والرمزية لتنمية البعد المعيشي والوجودي على مستوى الفكر، والسلوك، والفعل، والإحساس، والذوق، والجمال، وسمو الفرد نحو الأفضل والأحسن دوما كمقياس لنجاحه إن استطاع لذلك سبيلا، فلا وجود لنجاح بمقياس اجتماعي إلا داخل المؤسسات الثقافية، وفشل الفرد هو فشل المؤسسة، والعكس صحيح. ومنه نجد أن الإنسان كي يشبع حاجاته في المجتمع لابد وأن يتوسل المؤسسة بدءا “من المطبخ إلى المرحاض ثم غرفة النوم” وذلك بمعايير واضطرازات متعارف عليها ومقبولة في سياق اجتماعي ثقافي خاص.

فالإنسان في الأصل معوج أو إن شئت كائن طبيعي مثله مثل باقي الكائنات، إذ تحكمه الحاجات والغرائز البيولوجية، لكنه يتعالى ويخرج مما هو مشترك مع الحيوان، ليشيد ويبني لنفسه مؤسسات ثقافية ذات قواعد وضوابط يسلك وفقها من أجل إشباع حاجاته البيولوجية بطريقة ثقافية رمزية غير مباشرة أو غير معلنة… ومن هنا يختفي ذلك الكائن الطبيعي ليبرز الإنسان بوصفه كائن ثقافي يبني لذاته عالم رمزي يتحرك وفقه، بدئا من اللغة كمفتاح لهذا العالم من جهة، وكخط فاصل بين العالمين الحيواني والإنساني كما يوضح ذلك “كلود ليفي ستراوس” في أعماله الأنطربولوجية، فالإنسان كما هو معلوم يتميز بكونه كائن ناطق، وخاصية النطق هذه أكسبته اللغة، وبواسطتها يقوم التواصل، وبالتواصل يقوم الإبداع والابتكار ثم الاختلاف والتنوع.

فباللغة كخاصية مميزة للثقافة نعلم الناشئة الجديدة ما هو “الصواب”، وما هو “الخطأ”، في كل مجالات تحركاتهم، وأفعالهم، حتى نخرجهم من بعدهم الطبيعي الغريزي الفطري المباشر العفوي، ويعودوا مستقيمين شيئا فشيئا. داخل النظام الثقافي وقواعده كما تم الاتفاق عليه في الجماعة. وهذه التربية فيها جهد شاق ومقلق شبيه بذلك الجهد الذي تحمله ماهية المفهوم كما سبق ذكره والمرتبط بفلاحة الأرض والطقس التعبدي.

ويحضر هذا القلق عند الكبار والأبوين في ما يشتكون منه من عدم قدرة أبنائهم أو أطفالهم للإنصات لنصائحهم وتطبيقها نظرا لما فيها من صالح قيمي يعود بالنفع عليهم وعلى المجتمع/الإنسانية، فتسمع مثلا من الأم أن طفلها لا يزال يتبول في الفراش بالرغم من تقدمه شيئا ما في السن… كما لا يرتب أغراضه في غرفته بشكل منظم… كما أنه غير ملتزم بأوقات الأكل…

فاللغة وما تحمله من كلمات الرضى أو التوبيخ والمنح والنصيحة هو ما يظهر بشكل جلي ما ذهب إليه “ك.ل ستراوس” بكون اللغة فعلا هي خط فاصل بين عالم الطبيعة العفوية والمعوجة في أصلنا وعالم الثقافة والقيم، كعالم للأوامر، والنواهي، التي تحيط بالإنسان منذ طقوس الولادة إلى طقوس الوفاة.

يمكن أن نفهم إذن أن الثقافة كعالم قيمي يخص الإنسان، تهدف في كليتها لخلق نموذج من ذلك الإنسان القادر على ضبط غرائزه وحاجاته ورغباته الطبيعية والتحكم فيها وتأجيلها إلى ذلك الحين الذي تسمح به المعايير القيمية داخل المجتمع، اعتبارا لما تنفخه وتروج له من رموز ومعاني ودلالات ومقاصد لا يمكن إدراكها إلا داخل سياقها الثقافي الخاص… فمثلا المسلم قادر على ضبط رغبته وشهوته في رمضان إلى الوقت الذي حددته وسطرته ثقافته الدينية، أضف ما يحمله ذلك من قواعد ورموز قبل الإقدام على إشباع الحاجة والشهوة كآخر شيء مفكر فيه، فهي بالكاد منسية، وليست الغرض، لأن الحاجة والشهوة زائلة، بل إنها النفس الأمارة بالسوء. ويمكن أن نفهم أيضا تلك الحاجة للجنس داخل السياق الثقافي ذاته “لماذا مؤجل إلى الليل؟ باعتبار وقت النهار منذ الفجر إلى الغروب هو وقت لتحقيق العبادة الدينية والدنيوية في بعدها الرمزي الروحي والثقافي، مما يجعل الجنس كحاجة طبيعية بدون أهمية، فهي ثانوية ومؤجلة دوما، ومخفية في صمت الظلام، حيث المراقبة الاجتماعية غائبة مؤقتا مما يُشَرْعِنُ ثقافيا ممارسته خلسة وخفية… شرط تطهير البدن من هذه الرذيلة قبل طلوع الفجر، لأنه إن حل الفجر على الرذيلة صار وقت النهار مدنسا وبالتالي خاصمه نور النهار وهاجره رمزيا، ولن يُسعفه في تحقيق أغراضه الدينية والدنيوية بشكل سليم وناجح، ومنه سيصير المسلم متقهقرا ومتدنيا في سلم القيم من الأعلى إلى الأسفل بعدما كان الهدف هو السمو دوما، نحو الأحسن، والأفضل، في نظام الثقافة.

ومن هنا يمكن أن نفهم تلك العلاقة التوترية الدائمة في مجال التربية والتي تجمع بين الأبويين أو الجيل الراشد الذي يرعى نظام المؤسسة ويعيد إنتاجه في علاقة مع أبنائه أو الجيل الصاعد والناشئ الذي يود الهروب باستمرار من قبضة القواعد والضوابط والأوامر المؤسساتية كمجال للاستقامة في الفعل، والتفكير، والإحساس، والذوق، والذي لا يتحقق بسهولة.

 خاتمة:

إن الثقافة كمفهوم أنطربولوجي يختلف اختلافا شاسعا عن التعريف العامي لها، فهي مجموع مترابط من كيفيات التفكير والإحساس والفعل والذوق وكل الانتاجات المادية والروحية التي يكتسبها الإنسان، ويعيد إنتاجها كنسق ونظام للمجتمع، من تمثلاته الفكرية والرمزية، إلى التقنيات والأشياء المادية، في كل مركب متداخل يتميز بالخصوصية.

فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي أن وجوده يتوقف عن استعمال كل قدراته الفكرية والعملية من أجل تحويل وتسخير قوة الطبيعة لصالحه، نظرا لكون هذه الطبيعة قاصرة ولا تؤسس لحاجات الإنسان بشكل مباشر ومسبق، ومن أهم خصائص الإنسانية أنها فعلا تشترك في خصائصها الوجودية “كالعقل والحرية” والعيش بالمعية في جماعة، والتي من خلالها يكتسب الإنسان عناصر وطرق العيش في هذا العالم… بالرغم من أن هذه الجماعة تختلف معالمها الثقافية من لغة وأعراف ودين… حسب مرجعيتي المكان والزمان، وهذا ما يعطي في الوقت نفسه ذلك التعدد الثقافي الإنساني وتنوعه كانعكاس لنتيجة “العقل والحرية” كخاصية إنسانية كونية، الشيء الذي يدفع بوعي إلى عدم احتقار شعب/ثقافة، على حساب شعب آخر/ثقافة، بالرغم من أن كل أصالة ثقافية مرهونة بمجتمعها في صورة مثقفيها وفاعليها كفسحة أمام قيام حوار الثقافات وتبادل الخبرات والخيرات الرمزية في ما ينفع الإنسانية برمتها ويرتقي بها نحو الأفضل، فالإنسانية في هذا المقام أعلى درجة من ما هو ثقافي خصوصي، وبذلك من الواجب احترام كل الأشخاص مهما كانت انتماءاتهم الثقافية فهم أناس داخل مملكتنا الإنسانية، فالتواصل مع الغريب الأجنبي وربط علاقة صداقة معه هو غنى وثراء للمملكة الإنسانية الكونية أولا، وهو تدعيم للتضامن الثقافي والروحي الخاص وتقويته باستمرار ثانيا، بقبول الانفتاح الدائم على الآخر.

المراجع:

1- جيرار ليكلرك: سوسيولوجيا المثقفين، دار الكتاب الجديدة المتحدة.

2- عبد السلام حيمر، في سوسيولوجيا الثقافة والمثقفين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

3- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “شهود على التاريخ” وثائق وكتابات عن إعادة القطع الثقافية، منشورات اليونسكو.

4- سبيلا محمد وبنعبد العالي عبد السلام نصوص مختارة كانط – ما الأنوار- ، دار توبقال للنشر 2008.

5- محرك بحث Google الموسوعة الحرة، عصر التنوير.

6- جورج رتبزر، رواد علم الاجتماع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1990.

7- عبد السلام حيمر في سوسيولوجيا الثقافة والمثقفين الشبكة العربية للأبحاث والنشر – الطبعة الأولى 2009.

8- دولوز جيل: الغرائز والمؤسسات، هاشيت 1953.

 

9- Ouvrage réalisé sous la direction de Laurence Hanser – et florence khodoss* professeurs agrégé de philosophie.

10- Evereste printing Paris cedex dictionnaire Larouse  (2005).

11- Johan christoph adelung : encyclopédie Larousse en linge.

12- Rocher Guy : introduction à la sociologie générale – l’action sociale-Montréal. Edition Hurtubis -1986.

 

[1] – جيرار ليكلرك: سوسيولوجيا المثقفين، دار الكتاب الجديدة المتحدة.

[2] – Ouvrage réalisé sous la direction de Laurence Hanser – et florence khodoss* professeurs agrégé de philosophie.

[3] – Evereste printing Paris cedex dictionnaire Larouse  (2005).

[4] – عبد السلام حيمر، في سوسيولوجيا الثقافة والمثقفين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

[5] – منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “شهود على التاريخ” وثائق وكتابات عن إعادة القطع الثقافية، منشورات اليونسكو.

[6] – كانط – ما الأنوار- سبيلا محمد وبنعبد العالي عبد السلام، دار توبقال للنشر 2008.

[7] – محرك بحث Google الموسوعة الحرة، عصر التنوير.

[8]

[9] – جورج رتبزر، رواد علم الاجتماع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1990.

[10] – Rocher Guy : introduction à la sociologie générale – l’action sociale-Montréal. Edition Hurtubis -1986.

[11]– عبد السلام حيمر في سوسيولوجيا الثقافة والمثقفين الشبكة العربية للأبحاث والنشر – الطبعة الأولى 2009.

[12] – نفس المصدر.

[13] – نفس المصدر.

[14] – دولوز جيل: الغرائز والمؤسسات، هاشيت 1953.

شاهد أيضاً

الكذب والديداكتيك؟ امثولة تقويضية تفكيكية للعلاقة المأزومة بين البسودوغرافيا والبيداغوجيا؟

محمد بصري بقلم محمد بصري باحث تربوي جزائري من القنادسة بشار قد يبدو غير وارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *