الرئيسية / أدب وثقافة / مساهمات / المقام الأنطولوجي للمرأة في السرد النشوئي البدئي

المقام الأنطولوجي للمرأة في السرد النشوئي البدئي

يوسف عدنان / آسفي

تقديم هامشي

تعدّ أسطورة البدء المقدس أو “النشأة التكونية للإنسان” من بين أهم الأحداث التي تستوجب من الحس الفلسفي وقفات تأملية، ليعيد التفكير في أبعادها من منظور استعادي «rétrospective » ، ويتساءل على نحو يدفع بإرادة المعرفة خارج ثنايا المألوف، والجاهز من الخطابات المحنّطة لعقود من الدّهر في تلافيف المعتقد والموروث والمؤسطر وطبقات العقل الباطن. فالدعوة إلى إعادة القراءة المتجددة للتراث الفكري –خاصة بعده الإناسي منه- حاجة معرفية لضبط منشئه وحركة مفاهيمه في نواميس أنساقنا الثقافية والفكرية والمعتقدية والأخلاقية. إذ علينا أن نقيم تمييزا جوهريا بين المظهر الأنطولوجيّ، والمظهر الذي يقدمه لنا التاريخ الرسميّ بخصوص الخلق الأنثوي. فعلاقة آدم وحوّاء النشوئية قد تمت بعجلة شديدة لم تمهل الفكر ليقول كلمته. لذا، فإننا نطمح من وراء المساهمة بهذا الموجز، القبض على المعنى قبل أن يحشر في نظم الخطاب التي تسيّج مساحات التّفكير ضمن جغرافيا المقدس، وتوابته السّكونية المؤبّدة.

ليس الغرض من تناول هذا الموضوع الموغل في عمق القدم – ما قبل التاريخ- إعادة التّفكير في المفكّر فيه، وإنما تأتي هذه الورقة بلمحات مركّزة حول حلقات مفقودة في الانشغال الفكري بقصّة الخلق الإنسي، ليتسنّى لنا إثرها تخصيب آفاق أخرى مغايرة، تنأى بقدر كافي عن تفسيرات غافلة/ قاصرة/ متناقضة/ فارغة (…) الخ. ويبقى دائما السؤال يستلحق معناه المؤجل، ومفتوحا على أجوبة ليست حاضرة، مما يستدعي المزيد من الحفر والتنقيب والتدّارس إيمانا منا بنسبانية كلّ معرفة تتّخذ الإنسان موضوعا لها. كثيرة هي الاختلافات بين أصحاب الرؤى والمذاهب الفقهية الاجتهادية حول قضايا مقدسة داخل أو خارج النص الديني، غير أن باب الاجتهاد والتأويل يظل مشروعا، ولا يحقّ لأي كان أن يصادر حق الرأي والتفكير والحوار والمساءلة النقدية. ولست أزعم أنني أجبت على جميع التساؤلات التي تولّد وجهاتها المجهولة عبر مسارات هذا البحث المحّمل بثقل التاريخ الإنساني بتأويلاته. و لا أدّعي كذلك أن هذا التفسير الذي قدّمته للرغبة والحلم الآدمي هو الأصح والخالي من الهفوات، لكنني على قدر من الإيمان بأن هذا البحث يستبطن جوانب خفيّة لم تكتشف بعد، ويثري بحثنا المتعلق بأصل المعتقد الأسطوري والديني عند الإنسان وبدايته النشوئية. ما أكبره من خطأ وخسارة أن نصّور تاريخ النزوع الإنساني بهذه الطريقة الجوفاء التي لا نجد فيها أيّ أثر للرغبة – رغبة آدم وحوّاء في بعضهما البعض- ويلفت النظر شيء، أنهم حرصوا على تصوير واقعة الخلق الأول بالعدمية والخشونة ومجانبة الرغبة الإنسانية. وما أكثر التّفاهات التي تحاك في هذا المجال، والحقيقة أنني أعجب وآسف في نفس الوقت حين أقرأ بعض ما كتب حول هذا الموضوع. فالخطابات الفقهية والعقل الذكوري المتعالي والأساطير المؤسسّة جميعهم يتحاملون على إجهاض المعنى المراد به من قصة الخلق الإنسي ملجمين بذلك صوت الرغبة التي لا يأتون على ذكرها سواء عن قصد أو غير قصد. بل ونصطدم بجدار الكبت أكثر تصلّبا عند الرجال من النساء، حين يعتبرون خلق حوّاء شيئا ثانويا وجد تعريفه عند آدم كسائر المخلوقات، متشبّثين بهذا الموقف الاستنساخي الذي ينسب وجود الأنثى إلى علّة ما ذكورية. كما لم يفتني في هذه القراءة إضعاف مفعول مقولات العقل النقلي {الوسائلي}؛ واستخراج نقائص دالة من النصوص الميثولوجية والدينية مع تسليط الضوء على تاريخ الرغبة المهدور والمحجوب وراء جدار الوعي. ففي هذا الطرح تأصيل لمسعى فكري يراد منه إعادة تقويض وتفكيك ثنائية أصل / فرع، إلى جانب تأزيم فكرة مركزية المعنى المحصورة عند الطرّف الذكوري. لذلك، فإذا استطعنا أن نفسر على ضوء هذا النموذج أساس قانون الخلقة السليم بشكل لا يصوّغ ممارسة الخصاء على الكائن الأنثوي، آنها يمكن أن نسمع نداء الرغبة الحقيقية في المرأة كذات وكيان مكتفي بذاته، لا كموجود غير مرغوب فيه أو كموضوع بدون رغبة. وقصارى القول أن النزوع الإنساني لا يمكن إلاّ أن يكون نزوعا راغبا، وإذا سبق وكان العكس، فسنكون قد سلّمنا سلفا – منذ الخطاب الإلهي للأرواح – أن نعيش في هذه الحياة بدون رغبة، تاركين قوى الطبيعة تفعل فينا على نحو ميكانيكي، تطبعه الاستجابات الغريزية أكثر من النزوعات العرفانية والجمالية. إنّ أهم ركيزة يقف عليها بنيان البحث هو مفهوم الرغبة. فنحن نحثّ من خلال إعادة التفكير في قصة الخلق الإنسي، على استحضار الرغبة كحلقة مفقودة في تفسير علاقة آدم وحوّاء النشوئية. وعلى ضوء هذا المستجد المفهومي نهدف معالجة القضايا الإشكالية التالية :

-العمل على فكّ طلاسم العلاقة المعقدة بين الجسد الذكوري والجسد الأنثوي، والمقصود بالتحديد مساءلة قضية الضّلع وانتساب حوّاء من حيث الخلق لآدم.

-تأصيل مفهوم الرغبة في تجربة النزوع الإنسي، بعد أن غاب هذا الأخير على التّفكير الكوني في مسألة خلق آدم وحوّاء على مرّ الزمن الأنطولوجي.

-إدراج الحلم كسجل خيالي باطني ينضاف إلى تفسير حدث الخلق الأنثوي، باعتبار المنام الذي راود آدم قد تضمن كشفا عن صورة حوّاء قبل أن توجد ككائن مجسم في واقع آدم.

– إعادة الاعتبار للاشعور في تجربة الخلق الانسي، على أساس كونه مسرح الصراع النفسي لآدم وحوّاء مع ذواتهم ومجال الرغبة أيضا. الشيء المفضي إلى إعادة مساءلة مفهوم الخطيئة الأصلية ومجمل النزوعات المخبوءة في النفس الآدمية والتي وجدت تعبيرها في خرق الأمر الإلهي،

بدل أن تتم مقاربتها من زاويا أخرى. التساؤلات الإشكالية للبحث: كيف حظرت حوّاء كموجود في الوجود؟ وهل من الممكن أن يكون قد جسّد الحلم أول تجلي للكيان الأنثوي؟ لماذا كان هناك منام في قصة الخلق الأنثوي، ولم يكن هناك تجليّ مباشر؟ ما غاية الحلم في قصة الخلق الإنسي، وما موقع اللاشعور من الغيب؟ هل رغب آدم في حوّاء قبل خلقها ؟ أيمكن أن ننتهي إلى القول أن خلق حوّاء هو جواب عن رغبة ؟ ما علاقة الرغبة بكل من المعرفة والجنس والموت ؟ هل خلق حوّاء كان حقّا بهذه الطريقة المؤلمة والعنيفة، والقصد هنا أسطورة الضلع ؟ عندما نتساءل عن الرغبة الأصيلة في نزوع الكائن الإنساني، هل نكون أمام موضوع بدون رغبة، أو رغبة بدون موضوع؟ لماذا يبدو الحضور الأنثوي كما لو أنه معنى خارج التاريخ الإنسي ؟ كيف أمكن آدم إدراك حوّاء؟ هل من خلال ملكة العقل، أم عن طريق الحس، أم هو حدس باطني ترآى في حضرة الخيال ؟ لماذا لم يخلق الرّب آدم وحوّاء في وقت واحد ؟ هل يمكن للإنسان أن يسعد بشيء لم يرغب فيه قبلا ؟ أو بعبارة أخرى: هل يمكن لآدم أن يسعد مع حوّاء دون رغبة مسبقة فيها، وأن تبادله هي كذلك نفس الشعور ؟

شاهد أيضاً

 اليوم العالمي للفلسفة: أين نحن؟!

سامي عبد العال – مصر لا يجسد العنوان احتفاءَ العالم بإبداع مهم فقط، لكنه يترك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *