الرئيسية / Non classé / على وجهِ الماء….

على وجهِ الماء….

رنا خالد

كيف يحدثُ أنَك تصحو يومًا وأنتَ فاقدٌ للشغفِ بكل المرئيات التي تتراقص حولك، وأنك أصبحت تستأنس أكثر بالاستماع إلى أصواتٍ مُبهمة تضج بها مخيلتك بينما تعمل أنت عملَ الأقلام التي ما تفتأ في أن تخط وتمحو لِما شق دربًا في عقلك ، عقلك أنت وحدك فحسب!

لقد بلغت ذلك الحد من المصداقية مع الذاتِ أنك تُقرّ لنفسك بأنك أصبحت تؤدي عملاً روتينيًا مجردًا من البهجةِ التي كانت تملئك في زمنٍ عابر، أنت الآن تُجاهد للحفاظِ على من لايزالون بحاجةٍ إليك ، لم تكن يومًا مُلكًا لذاتك ، ولن تكون…

وشيئًا فشيئًا ، تغوص في أغوارِ الصمت ، لقد أضحيتَ تتقنه، تنتهجه سلوكًا ، بالأحرى فنًا من فنونك الدفاعية فتَسْلَمْ!

هكذا أضحيتَ بلا جلدٍ لمواصلةِ الاستماعِ لجلَبَةِ من هم حولك ، المنطقية الممنطقة كما يقولون أو هكذا يُخيل لهم، كيف يمكنك أن تجزم بمدى مصداقيتهم وأنت لا تمارس آليةَ الصدقِ إلَّا مع ذاتك ، لا طاقة لشخصٍ يجيد التصالح مع الشخوصِ الموهومة التي اختلقها في عقلهِ وتآلف معها ، ولا حاجة له للتواصلِ مع الموجودات المحسوسة، لم تكن تلك يومًا شيئًا حقيقيًا.. هذا ما تُعلنه لنفسكَ بكلِ برود!

تَفرُ بنفسك وتنزوي بها لكي لا يظن من حولك أنّك مصابٌ بالجنون ، لا تلقي باللومِ على عواتقهم .. لن تملك الحقَ أبدًا في لومهم ، فلم تسنح لهم الفرصة بعد لمعايشة ما عايشت، هم خارج العُقْدة المُستعرة التي تكتوي أنتَ بلسْعِها، ويظنون أنّهم في نعيم!

إنّك الآن تسعى للاستفادةِ من تجارب الآخرين لتحسينِ مزاجك، للإرتقاءِ بمعنوياتك عاليًا نحو السماء ، ولا تدْري ، وربما تدْري أنَّ ذلك الصوت اللاهث بباطنك هو من يجب اجتثاث جذوره ، أنظر إليه ، إنَّه يكبر ويتفاقم بما لايدع كُوَّةً للسكون، وأنت ترويه دون أن تشعر….

من أين لك أن تتجمل بالسعادة وأنت مُكرَهٌ على انتحالِ هويةٍ لم تُصمَّم لك ، مُنِحت بالخطأ في زمنٍ مغلوط  لشخصٍ مشوش ، تذكر: ما من أحد يُلام في هذه القضية، فالكل يموج في البعض، وللجميعِ منا وجهته . وإنك لتتساءل : هل يعي هذا الجمعُ الغفير أنهم يعبرون نحو ذاتِ النهاية ، التي يصفها الواصفون بأنها الوحيدةُ المطلقة؟..

ولا هدف لك آنيًا سوى أن تكون أنت، مُمثلاً لك ، فلا يقوم مقامك أحد  في عالمٍ تشابكت به خيوط الأنا مع ما ابتدعته من كائنات ،الأنا التي لم تتصالح بعد مع ذاتها ، وربما حققت الصلح لكنها وجلة ،وعلى وجه الماءِ ترسم خُطاها وبحذر ، كيف يمكن للأنا التي تمشي على وجهِ الماءِ ألاَّ تخشى الغرق؟!

من أرشيف رنا خالد:

اليوم – رنا خالد / صوت يوسف علي

The Author’s Chair – كرسي الكاتب ترجمة رنا خالد

قصيدة: تيه – لبنى المرزوقي وترجمة رنا خالد

على وجهِ الماء….

 

 

شاهد أيضاً

حِوَارِيَّةُ نَهْرِ حَيَاةٍ وَإِنْسَانِ وُجُودْ

عبد الرَّحمن بسيسو (I) آخَرِي وَأَنَا في بُرْهَةِ عَدَمْ كَذَيْلِ ثَعْلَبٍ ذِئْبِيٍّ طَوِيْلٍ وعَريضٍ، بَرَزَ فَوْقَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *