الرئيسية / أدب وثقافة / مساهمات / الدلالة الإبستمولوجية للحظة الديكارتية

الدلالة الإبستمولوجية للحظة الديكارتية

خالد بولعلام – المغرب

كتب ديكارت إلى الأب ميرسن بتاريخ 8 نونبر1633م :”…كنت قد عزمت على أن أبعث إليك بكتابي “العالم lemonde” في أعياد الميلاد هذه…غير أنني سأخبرك أنه وبينما كنت أبحث هذه الأيام عن كتاب “نسق العالم” لغاليلي…أخبرت أنه طبع حقا، غير أن كل النماذج أحرقت في روما، وأن صاحبه قد أدين. وهذا ما أثار دهشتي إلى حد أنه جعلني أقرر حرق جميع أوراقي أو على الأقل أن لا أطلع عليها أحدا، و ذلك لأنني لم أكن أتخيل أن يجرم لا لشيئ إلا لأنه أراد أن يثبت حركة الأرض. و إني لأعترف أنه  إذا كان هذا باطلا فإن كل فلسفتي ستكون باطلة كذلك، لأنها تبرهن على ذلك { أي حركة الأرض} بوضوح. إن هذه الأخيرة مرتبطة ارتباطا واضحا وثيقا بكل أجزاء رسالتي، بحيث لا أستطيع فصلها عن هذه الأجزاء دون أن يبقى الباقي مختلا. ولكن لما كنت أن يصدر عني خطاب توجد به أقل كلمة تستهجنها الكنيسة، فإني أحببت أن ألغيه على أن أجعله يظهر ناقصا.”(1)

إذا انطلقنا من تصور ألكسندر كوايري: أن الثورات العلمية تسند إلى مقدمات نظرية أو فلسفية أوسع مدى وأعمق من دراسة الظواهر دراسة تجريبية محايدة، كما اعتقد الوضعيون، فإننا سنتمكن من فهم هذا المقطع من رسالة ديكارت للأب ميرسن. فالفيلسوف الفرنسي منذ تقاعده من الجيش سنة 1629م بهولندا، انشغل بمسألة إنشاء فزياء كاملة، وتمكن من اتمام عمله سنة 1633م، وقد عنون هذا العمل ب ” العالم” أو “رسالة في الضوء”، إلا أنه امتنع عن نشر كتابه بعد علمه بمحاكمة غاليلي، وذلك لأن فزياء ديكارت كانت بمثابة برهنة على حركة الأرض، وفزياؤه قائمة بالضرورة على أسس فلسفته. لذلك وجد ديكارت نفسه في مواجهة موروث اسكولائي يقاوم نظرية مركزية الشمس مقاومة شرسة من خلال سلطة مؤسساته. لقد كان “المقال في المنهج” بمثابة مقدمة فلسفية ونظرية جديدة أسست للثورة العلمية الحديثة، لعلم جديد غير الحياة الإنسانية، وأقام الإنسان سيدا على الطبيعة ومالكا لها. وقواعد المنهج كانت ثمرة لتجارب و ممارسة ديكارت العلمية. فكتاب “قواعد المنهج” شكل ثورة عقلية، فلسفية تسند الكوبيرنيكية، وتعلن بجرأة قوة العقل و قيمته المطلقة.

لقد نقلنا “المقال في المنهج” إلى سؤال جديد كل الجدة ألا وهو: “كيف أتوصل إلى المعرفة الحقيقية؟” بمعنى الطريقة الكفيلة بإيصال العقل إلى إدراك الحقيقة. من ثم أصبح ملزما على ديكارت تأسيس العلم الجديد على مبادئ يقينية راسخة، و التخلص من مجموع الآراء و الأفكار السابقة بدون استثناء، فكان الشك هو الأداة الأنسب لهذا التخلص. فما الدلالة الإبستمولوجية لشك ديكارت؟

في ظل تفكك العلم الأرسطي وانحلال أجزائه، اتجهت فلسفة القرن السادس عشر والثامن عشر نحو الذات الإبستيمية بالتساؤل: “ما أنا؟”، وذلك ما دفع بديكارت إلى أن يدع العالم الخارجي، عالم الموضوعات، وهو موضوع ظن ، وحاول أن يتأمل ذاته بغية أن يجد فيها أساس اليقين والمبادئ الصلبة للحكم للتمييز بين الأفكار الخاطئة والأفكار الصائبة. كتب ديكارت للأب ميلان:” إذا كان لديك سفط من التفاح بعضه فاسد مفسد للبعض الآخر، فكيف العمل إلا أن تفرغه بأكمله وتتناول التفاح واحدة واحدة فتعيد الجيد منه إلى السفط وتطرح الرديئ ” (2).  نفهم من ذلك أن مهمة ديكارت ارتبطت بتحرير الذات من الخرافات و الأوهام ، ومن كل ما تحمله الفلسفة المدرسية من ظاهر العقل، فأحال الشك منهجا و أسنده إلى يقين الحقيقة بعد بلوغها. لذلك فالغرض الذي توخاه ديكارت من      ” المقال في المنهج ” هو أن يستعيد نفسه و أن يدل، فيما وراء الشك الهادم “للرأي العقلي” إلى طريق الوضوح و يقين المعرفة العقلية(3). إن ما يميز شك ديكارت عن شك السابقين هو أن هؤلاء كانوا يشكون فيما يثير الريبة و يستدعي الحذر و تعليق الحكم. فقد حاول مونتاني قبله القيام بالمناورة السقراطية التي تلجأ إليها الفلسفة كلما أحست بالضيق واليأس، من خلال محاولته الإجابة عن هذين السؤالين: “من أنا؟ وأين أنا؟” فانتهى إلى القول:” الإنسان لا يعلم شيئا، لأن الإنسان ليس شيئا.”(4).

لقد حاول ديكارت تجاوز النزعة الريبية لعصره، لذلك كان شكه شكا منهجيا إراديا. إنه قرار اتخذه ديكارت لكي يجعل العقل يستعيد زمام المبادرة عبر التخلص من كل الأفكار و الأحكام المسبقة و الاعتقادات و العوائد. إضافة إلى ذلك فالشك الديكارتي شك كوني ، لكونه شك في كل المعارف القديمة و قوض أسسها، فقد شك ديكارت فيما لم يشك فيه الشكاك السابقون أبدا، و هو وجود العالم ووجوده هو، وذلك بغية إيجاد أساس يقيني و ثابت  يقيم عليه صرح العلم الجديد. هذا الأساس لا يوجد خارج الذات، إنه حقيقة يقينية وثابتة، إنه الكوجيطو. والكوجيطو هو الفكر الذي يدرك كينونته في فعل التفكير، وكوني أفكر يعني أني شيء ما، أي كيان، فأنا أكون(أوجد) لأنني أشك. إذا الكوجيطو هو الذات التي تشك، أي التي تفكر. وكأن ديكارت يخبرنا أنه اقتنع بأنه ليس هناك سماء ولا أرض ولا جسم ولا روح، وفي اللحظة عينها فهو على وعي تام بأنه يشك وبالتالي فهو يوجد. إن تجربة الكوجيطو هي تفكير خالص مهمته الوحيدة التفكير، وكونه جوهرا يعني أنه مكتف بذاته، وأن بإمكانه أن يوجد حتى و لم يوجد الجسم.  كخلاصة لما سبق فإن الأنا المفكر هو أساس و ارتكاز جديد للعلم و الفلسفة، بعدما بين غاليلي أن الأرض متحركة. فكل معرفة حقة ينبغي أن تقوم على الفكر وحده. بهذا المعنى لم يعد العالم مرتبا بالمرة، ولم يعد مصنوعا لأجل الإنسان وعلى قدره، وإنما صار على قدر العقل. إنه العالم الذي يجده العقل في ذاته، لا العالم الذي تظهره لنا الحواس الخادعة، إنه عالم لا متناه مشكل من المادة والحركة فقط. إن هذا الإنجاز انتصار حاسم فاز به العقل الحديث، وهو فجيعة في نفس الوقت إذ لم يعد في هذا العالم اللامتناهي، الذي شيده العلم الديكارتي، مكان للإنسان ولا لله. فهو عالم آلي بحت، مركب من الامتداد و الحركة فقط، خاضع لقوانين العقل .

لقد صار العقل هو المركز لا الموضوعات، ولإقامة المعرفة أو العلم اليقيني بات من الواضح أنه يجد أسسه في مبادئ العقل، لا في إدراكات الحواس. من هنا يمكن أن نفهم ما دونه ديكارت في مذكراته بتاريخ 10نونبر1619 م أنه غمره حماس عظيم و بدأ يفهم أسس العلم العجيب(5). إن العقل، كأساس للعلم و المعرفة اليقينية ، ليس فارغا و لا معدا لأن يقبل كل شيئ من الخارج بواسطة الحواس، بل إن فيه من المبادئ ما يكفي لإقامة العلم الذي يبدأ بالفكرة لا بالموضوع، و يتبع نظام الأسباب لا نظام الموضوعات. من هذا المنطلق فديكارت يستبدل العلم الطبيعي القديم ، الذي يبدأ بالإدراك الحسي للعالم الذي نعيش فيه، بعلم طبيعي رياضي قوامه الأفكار الواضحة ،علما طبيعيا رياضيا يستبعد من العالم كل الكيفيات و يقدم لنا صورة(فكرة) عن عالم أغرب و أبعد عن التصديق، إلا أنها صحيحة(6)، و تلك الصورة هي ثمرة بناء رياضي هندسي للعالم.

ديكارت و الفهم الرياضي للعالم:

في التأمل الخامس، من كتاب التأملات، يبرهن ديكارت على وجود العالم المادي، لأن هذا العالم موجود، والبرهنة عليه تكون من نوع خاص، أي تحتاج إلى قنوات الإحساس التي تبين له أنه يشعر بوجود العالم المادي، برهنة أكثر قيمة عقليا ونفسيا، وهي تلك التي نجدها في التأمل السادس عندما يفكر ديكارت في الفزياء والرياضيات. إذ نجد أن الفزياء لديه رياضية قبل كل شيء، رغم أن موضوعها هو الامتداد. هذا الامتداد يتميز عن جواهر مادية مختلفة التعقد والتي تنتج عنها الأجسام المادية المعروفة. والنتيجة أن هناك جوهر فكري واحد، بالمقابل هناك مجموعة من الجواهر المادية التي تخضع كلها لنفس المفهوم الهندسي الرياضي ألا وهو مفهوم الامتداد. من هنا كان المنهج الديكارتي مأخوذا من ماهية الاستدلال الرياضي. فمهما تكن موضوعات بحثه فهو يحاول إيجاد علاقات مضبوطة ومنظمة بين الأفكار، وهو ما تجسده قواعد المنهج التي تؤكد على وحدة العلوم من حيث أنها تقوم على نفس المنهج، أي نفس خطوات الفكر التي تبين كيفية ربطه بين الموضوعات أيضا، من خلال كشف العلاقات فيما بينها وصياغتها وفق نظام طبيعي كامل من العلاقات. لقد نفى ديكارت الكيفيات و الصور و النفوس عن الطبيعة، و أثبت في المقابل السيطرة الكلية الآلية في العالم الطبيعي الذي يتحدث لغة الرياضيات، و هي  اللغة نفسها التي  تجيب بها  الطبيعة عن الأسئلة التي قد يلقيها عليها العلم في تجاربه. هكذا فالدقة واليقين يتضمنان أن قوانين الهندسة هي نفسها قوانين الطبيعة. و هنا تتضح جدة التصور الديكارتي. فقد كان أرسطو يعتبر أن دقة الهندسة وضبطها يفسران بأنها تعنى بالمجردات، بالموجودات الذهنية، فالدوائر و الخطوط المستقيمية و المثلثات ليست موجودات طبيعية. في المقابل  نجد الفلسفة الديكارتية تقر بقيمة الرياضيات ، و تشيد علما  طبيعيا هندسيا لا يستغني عن الميتافيزيقا و لا يبدأ إلا بها وفيها يجد  أسسه ومبادئه .

حاجة العلم للميتافيزيقا:

أكد ديكارت أن العلم بحاجة للميتافيزيقا، أي الحاجة إلى تسويغ العلم الجديد تسويغا ميتافيزيقيا. لكن أليس العلم الحديث معارضا للميتافيزيقا؟ إن ديكارت يفاجئنا ويخبرنا أنه يجب على العلم أن يبدأ بالميتافيزيقا وأن يقوم عليها، وهو بذلك يقلب نظام العلوم. فطبقا لمنهج أرسطو ووفاء لتقاليده العلمية، كان المدرسيون يبدأون بالعلم الطبيعي ليتأدوا منه إلى ما بعد الطبيعة. غير أنا ديكارت سار على منهج آخر في أبحاثه العلمية قوامه اتباع نظام الأسباب لا نظام الموضوعات، و هو بذلك أراد أن يعلمنا أن العلوم جميعها تستمد مبادئها من الميتافيزيقا، فالعلم الديكارتي ينطلق من الأفكار نحو الأشياء ، من المجرد إلى المشخص، من وحدة المبادئ إلى كثرة الموضوعات، و هنا تكمن جدته و تجاوزه للفكرو للعلم الأرسطي الذي كان ينطلق من عالم الموضوعات المتنوع ليرتقي منه إلى وحدة المبادى و العلل الأولى. إن الواقع في تصور ديكارت هو الموضوع البسيط للحدس العقلي لا موضوعا للإدراكات الحسية المركبة. والعلم الحديث لا يمكن أن يجد أسسه إلا في الميتافيزيقا. لقد كان هدف ديكارت الأسمى هو تشييد فلسفة علمية شاملة، والتي شبهها بشجرة جذورها الميتافيزيقا التي تبدأ بوجود الذات المفكرة كأساس إبستيمى لإرساء حقائق العلوم.

كخلاصة يمكننا القول إن العلم منذ لحظته التأسيسية مع ديكارت لم يستطع الاستغناء عن أسسه الميتافيزيقية، رغم دعاوى الوضعية فيما بعد، سواء في صورتها الكلاسيكية مع كونط أو في صورتها المعاصرة مع حلقة فيينا، بأنه قادر على التخلص من الميتافيزيقا. ودليلنا على ذلك هو تاريخ العلم نفسه، والذي يبرز لنا أن العلم يكتفي بنجاحاته وإنجازاته دون العناية بمبادئه الخاصة إلى أن تنتابه أزمة مبادئ، فتكشف له أن ثمة ما ينقصه، وهو أن يفهم ما هو صانع (7). وديكارت استوعب الدرس جيدا من خلال تأسيسه لعلم طبيعي قائم على مبادئ فلسفية، ميتافيزيقية ترشده، مبادئ يلتقي فيها العلم بالوجود. لقد استطاع العلم عبر تاريخه أن يخرج من مآزقه وأزماته وذلك الخروج لم يتم دون رجوعه إلى الفلسفة التي تنير له الطريق من خلال إعادة التفكير في أسسه ومنطلقاته ومبادئه ومناهجه وذلك عن طريق امتحانها بالشك والنقد من جديد، وهو درس ديكارتي لا زال مميزا للروح العلمية.

من أرشيف الكاتب:

قيمة الدرس الإبستمولوجي

الدلالة الإبستمولوجية للحظة الديكارتية

الهوامش:

1.رسالة ديكارت إلى الأب ميرسين واردة ب: Descartes, Descours de la methode,edition etablie par Genevière Rodis Louis GF Flamarion paris 1992 p245-246

2.ألكسندركواريه، ثلاثة دروس في ديكارت، ترجمة يوسف كرم المركز القومي للترجمة 2014 ص38

3.نفس المرجع ص 30

  1. نفس المرجع ص 26

5.نفس المرجع ص 44

6.نفس المرجع ص 48

7.نفس المرجع ص 58

 

 

شاهد أيضاً

من الدولة الاستبدادية إلى الدولة الواهنة: ثقل التاريخ السياسي وأزمات الانتقال نحو الديمقراطية

محمد العربي العياري محمد العربي العياري / تونس بين المقاربة الأيديولوجية وبين التوصيف السياسي، يفرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *