الرئيسية / ترجمة / ميشيل فوكو: حول مفهوم السلطة

ميشيل فوكو: حول مفهوم السلطة

ترجمة: أحمد الطريبق

ليست السلطة مجموعة من المؤسسات والأجهزة التي تضمن خضوع المواطنين في دولة معينة. وهي لا تعني أيضا نمطا من الإذعان المفروض بدون عنف فيتخذ شكل قاعدة، ولا هي تعني أخيرا نظاما عاما للسيطرة، تمارس من قبل فرد أو مجموعة على أخرى، بحيث يكون من مفعولها بعد حركيات متتالية، أن تخترق الجسد الاجتماعي برمته. لا ينبغي للتحليل بألفاظ السلطة أن يسلم بسيادة الدولة souveraineté de l’état، أو بشكل القانون، أو الوحدة الإجمالية لسيطرة معينة بوصفها معطيات أولية، فهذه المسلمات ليست بالأحرى سوى الأشكال النهائية للسلطة Les formes terminales.

بكلمة سلطة، يجب علينا أن نفهم بادئ ذي بدء، تعددية علاقات القوة المحايثة rapports de force immanents للميدان الذي تمارس فيه بوصفها المكونة لتنظيمه. إنها اللعبة التي تحولها السلطة وتدعمها وتقلبها عن طريق الصراعات والمواجهات المستمرة، ثم إنها الدعم الذي تجده علاقات القوة بعضها في بعض، بحيث تشكل سلسلة أو منظومة، أو على العكس، اختلالات وتناقضات، تعزل بعضها عن بعض، وأخيرا إنها استراتيجيات تأخذ السلطة فيها مفعولها، ويتجسد رسمها العام أو بلورتها المؤسساتية في أجهزة الدولة، وفي صياغة القانون وفي الهيمنات الاجتماعية.

شرط إمكانية السلطة هو على أية حال، المنظور الذي يسمح بفهم ممارساتها وصولا إلى مفعولاتها الأكثر محيطية، وهو يسمح أيضا باستعمال آلياتها باعتبارها شبكة لفهم المجال الاجتماعي. لا يجب أن نبحث عن هذا الشرط في الوجود الأول لنقطة مركزية أو في المقر الوحيد للسيادة، حيث تشع أشكال متفرعة ومنحدرة للسلطة. إنه القاعدة المتحركة لعلاقات القوة rapports de Force التي تعطي باستمرار وبتباينها، حالات من السلطة الحالة وغير المستقرة. للسلطة وجود كلي، لا لأن لها الأفضلية في أن تجمع كل شيء في وحدة لا تقهر، ولكن لأنها تنتج نفسها في كل لحظة، وفي كل نقطة، أو بالأحرى في كل علاقة من نقطة إلى أخرى.

توجد السلطة في كل مكان، لا لأنها تشمل كل شيء، ولكن لأنها تأتي من كل جهة. والسلطة بما لها من شكل دائم من تكرار ومن جمود ومن إنتاج ذاتي، فإنها ليست سوى فعلا جماعيا يتحدد انطلاقا من كل هذه الحركيات، ثم إنها التسلسل الذي يستند على كل منها، ويبحث عن تحديدها في المقابل. بدون شك، يجب أن نكون ذوي نزعة اسمية: السلطة ليست مؤسسة ولا بنية ولا قوة معينة يتميز بها البعض، إنها الاسم الذي نمنحه لوضع استراتيجي معقد في مجتمع معين.

هل يجب علينا أن نقلب الصياغة ونقول إن السياسة هي الحرب بوسائل أخرى؟ هل ممكن إذا أردنا ذلك، أن نحافظ دائما على مسافة بين الحرب والسياسة ؟ هل يجب علينا بالأحرى أن نقر بأن تعددية علاقات القوة يمكن أن ترمز جزئيا لا كليا، سواء في شكل ” الحرب ” أو في شكل ” السياسة “، سنكون هنا أمام استراتيجيتين (لكن قابلة بسرعة لأن تنقلب الواحدة في الأخرى) لإدماج علاقات القوة هذه المضطربة والمتحركة وغير المستقرة والمتوترة. يمكننا بتتبعنا هذا الخط من التحليل، أن نتقدم إلى عدد معين من الاقتراحات لتعريف السلطة:

ليست السلطة شيئا يؤخذ أو ينتزع أو يوزع، وهي ليست شيئا يحتفظ به أو يترك للانفلات. إنها تمارس انطلاقا من عدد لا محدود من النقط، وفي لعبة العلاقات غير المتساوية والمتحركة.

ليست علاقات السلطة فـي موضع الخارج بالنسبة لأنماط أخـرى مـن العـلاقات (صيرورات اقتصادية وعلاقات المعرفة وعلاقات الجنس)، ولكن هذه العلاقات محايثة لها. إنها المفعول المباشر للتقسيمات والتباينات، وفقدان التوازنات التي تنتج بها، ثم إنها الشروط الداخلية المتبادلة لهذه التمايزات. ليست علاقات السلطة في موضع البنية – الفوقية superstructure على أساس دور بسيط للمنع أو المتابعة، إن لها هناك وظيفة حيث تلعب دورا منتجا بشكل مباشر.

تأتي السلطة من تحت، وهذا يعني أنه ليس هناك بالنسبة لعلاقات السلطة بوصفها قالبا عاما، معارضة مزدوجة وشاملة بين المسيطرين والمسيطر عليهم. هذه الثنائية تنعكس من فوق إلى تحت، وعلى مجموعات محددة أكثر فأكثر في أعماق الجسم الاجتماعي. يجب أن نفترض أن علاقات القوة المتعددة تتشكل، وتلعب دورها في أجهزة الإنتاج وفي الأسرة وفي المجموعات المحصورة وفي المؤسسات، وتعمل بوصفها دعامة لمفعولات واسعة للتحلل، التي تعبر كل الجسم الاجتماعي؛ فهذه المفعولات تشكل إذن خطا للقوة العامة التي تعبر المواجهات المحلية، وتربطها بعضا ببعض. بالطبع وبالمقابل، فإنها تعمل عليها بادعاءات التوزيع ومواصفات، ومجانسات وانتظامات للسلسلة وتقريبات. إن السيطرات الكبرى هي النتائج المهيمنة التي تدعمها باستمرار حدة كل هذه المواجهات.

علاقات السلطة هي في الوقت نفسه قصدية intentionnelle وغير ذاتية non subjective. إذا كانت عمليا معقولة intelligible، فليس لأنها مفعول بمعنى سببي لتأثير آخر يفسرها، ولكن لأنها من جهة أخرى معبورة بحساب: أي أنه ليس هناك سلطة تمارس بدون سلسلة من المقاصد والأهداف. لكن هذا لا يعني أنها تنجم عن اختيار أو قرار لفاعل فردي. لا يجب علينا أن نبحث عن المجلس القيادي الذي يشرف على عقليتها rationalité، فلا الفرقة التي تسيرها، ولا أيضا المجموعات التي تراقب أجهزة الدولة، ولا أولئك الذين يصدرون القرارات الاقتصادية الأكثر أهمية، هم فعلا الذين يسيرون مجموع شبكة السلطة التي تعمل في المجتمع وتحركه.

إن عقلية rationalité السلطة هي تلك التي لها تكتيكات ضمنية دوما في مستوى محدود، حيث تسجل، بترابطها بعضا ببعض، وتتسمى وتنتشر، واجدة في الخارج سندها وشرطها. وترسم أخيرا عدة المجموعة: المنطق هنا مازال واضحا، والأهداف قابلة لتفكيك رموزها، ومع ذلك يحصل أحيانا ألا يوجد أحد يستوعبها ويصوغها، إنها خاصية ضمنية للاستراتيجيات الكبيرة والمجهولة والصامتة تقريبا، والتي ترتب تكتيكات ثرثارة حيث لا يكون مكتشفوها ومسؤولوها شكليون فحسب.

حيثما كانت السلطة فهناك مقاومة، ومع ذلك أو بالأحرى من هنا بالضبط، فإن هذه الأخيرة ليست على الإطلاق في موضع الخارج بالنسبة للسلطة. هل يجب علينا أن نقول بالضرورة إننا داخل السلطة، ولا ننفلت منها، وليس هناك بالنسبة لها خارج مطلق، بحيث نكون حتما خاضعين للقانون ؟ أو بما أن التاريخ هو مكيدة العقل، فإن السلطة ستكون هي مكيدة التاريخ الذي ينتصر دائما ؟ هل سيكون جهلا للطبيعة العلائقية المحضة لعلاقات السلطة التي لا يمكنها أن توجد إلا انطلاقا من تعددية نقط المقاومة résistance ؟ أي أن هذه الأخيرة تلعب في علاقات السلطة دور الخصم والمرمى والسند والنتوء لسيطرة ما. إن نقط المقاومة هذه حاضرة في كل مكان من شبكة السلطة.

ليس هناك إذن بالنسبة لعلاقات السلطة مكان للرفض الكبير: روح الثورة ومكان لكل التمردات وقانون خالص للثوري . لكن بعض المقاومات التي هي حالات لأنواع ما، تكون ممكنة وضرورية، وغير متوقعة وعفوية، ومتوحشة ومعزولة ومدبرة وزاحفة، وعنيفة وغير قابلة للمصالحة، أو سريعة الفعل أو ذات مصلحة ما أو العكس، لكنها تحديدا لا يمكنها أن توجد إلا في الحقل الاستراتيجي لعلاقات السلطة. غير أن هذا لا يعني أنها ليست سوى رد فعل أو علامة سلبية، مشكلة في آخر المطاف بالنسبة للسيطرة الأساسية، خلفا سلبيا على الدوام ومحكوما عليه بالهزيمة الدائمة.

لا ترجع المقاومات إلى بعض المبادئ المتباينة، ولكنها ليست تماما خديعة أو تعهدا خائبا، إنها الحد الآخر في علاقات السلطة، وتسجل كذلك الشيء غير القابل للاختزال حيالها. إنها إذن نفسها موزعة بطريقة غير متساوية، أي إنها النقط والعقد وأماكن المقاومة مبعثرة مع قليل أو كثير من الكثافة في الزمان والمكان، ومروضة أحيانا مجموعات أو أفراد بطريقة نهائية، ومشعلة بعض نقط الجسد وبعض لحظات الحياة وبعض أنماط السلوك. هل هي قطائع جذرية كبيرة وتجزءات مزدوجة وضخمة؟ إنها كذلك في بعض الأحيان.

لكن الأمر يتعلق غالبا ببعض نقط المواجهة المتحركة والانتقالية، والتي تدخل في مجتمع ما تباينات، تتحرك مكسرة بعض الوحدات، ومثيرة بعض التجمعات ومخترقة الأفراد أنفسهم، ومقسمة إياهم ومعيدة تشكيلهم ومخططة داخلهم، وفي أجسادهم وفي أرواحهم نواح غير قابلة للاختزال. كما أن شبكة علاقات السلطة تنتهي بتشكيل ثوب سميك، تخترق به الأجهزة والمؤسسات بدون أن تحدد نفسها بالضبط، كذلك فإن تفريغ نقط المقاومة يخترق الطبقات الاجتماعية والوحدات الفردية. وبدون شك فإن الترميز الاستراتيجي لنقط المقاومة هو الذي يسهل قيام ثورة ما، مثلما أن الدولة تقوم على التكامل المؤسساتي لعلاقات السلطة.

يتعين علينا في مجال علاقات القوة هذه أن نحلل مكانزمات السلطة، وبهذا الشكل سنتجنب مفهوم السيادة – القانون الذي فتن الفكر السياسي طويلا. وإذا كان صحيح أن ميكيافيل Machiavel هو أحد من القلائل – وقد كان هذا بدون شك سبب اضطرابه الناتج عن استخفافه- الذين فكروا في سلطة الأمير انطلاقا من مفهوم علاقات القوة، فإنه يجب أن نتقدم خطوة إلى الأمام، متجاوزين شخص الأمير ومفككين مكانزمات السلطة انطلاقا من إستراتيجية محايثة لعلاقات القوة.

من كتاب إرادة المعرفة:

– Foucault Michel : « La volonté de savoir » Gallimard, France, 1976, pp 121-128 .

شاهد أيضاً

دلالات مفهوم الرغبة في فلسفة اسبينوزا

محمد المخلوفي محمد المخلوفي           حظيت قضية الرغبة باهتمام فلسفي منقطع النظير، حيث توجهت اهتمامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *