الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / الميتافيزيقا والدلالة العملية

الميتافيزيقا والدلالة العملية

أبناس جمال – المغرب

على هذا النحو ستصبح القيمة والنتائج العملية هي معيار نقد الميتافيزيقا، فالأصل في الأفكار والتصورات هو ما تقدمه من منفعة، ولقد حاول وليام جيمس في كتابه “مشكلات فلسفية” تأكيد هذه العلاقة الأساسية التي تتمثل في ارتباط التصورات بثلاثة أدوار متميزة ومختلفة المعالم والأبعاد في الحياة الإنسانية:

أولا: إن الأفكار والتصورات توجهنا في كل يوم وفي كل لحظة في حياتنا العملية، وتزودنا بخريطة واسعة من العلاقات القائمة بين عناصر الأشياء، وحتى إن لم تسعفنا هذه الخريطة التوجيهية، فهي غلى الأقل تعيننا في مناسبات ممكنة وترشدنا إرشادا عمليا وفعليا.

ثانيا: تأتي وتحمل التصورات دائما قيما جديدة في حياتنا الحسية، وتعمل على إنعاش إرادتنا من جديد وبشكل مستمر ومتجدد كما تجعل أعمالنا ذات نزوع وميول في أن تتجه نحو نقاط جديدة أكثر وأشد فاعلية وحيوية.

ثالثا: إن الخطاطات والعلاقات ـ أي الخريطة التي يرسمها العقل من التصورات ـ لها في ذاتها وجود مستقل عندما يتم تكوينها، فهي مكتملة وتكفي بذاتها جميع أغراض الدراسة، لذلك فإنه من الواجب والضروري الإقرار بالحقائق الأزلية التي تحتويها هذه الخريطة.

بناء على هذا الارتباط بين التصورات والمنفعة، فالميتافيزيقا والاعتقاد فيها، وفي مفاهيمها ينبغي أن يقوم على المنفعة، أما على العكس فذاك اعتقاد فارغ وبدون جدوى وقيمة حسب وليام جيمس، فالميتافيزيقا ينبغي أن تفتح آفاقا جديدة تجعل الإنسان ينتقل في دروب الحياة وفق منطق عملي نفعي، فلا ينبغي للميتافيزيقا التي  يعتقد فيها أن تكون ضربا من الفروض والأنساق الجامدة التي لا تمكن الفرد من الفعل والتفاعل، وبالتالي تصبح فروضا جامدة فاقدة للصيغة الوجودية الحقيقية التي تربط الأشياء والأفكار بأصلها الحقيقي الذي يتمثل في المنفعة والصلاحية والمردودية والفاعلية والجمالية، فكلما كانت المنفعة والفائدة ظاهرة وجلية، كلما كان الارتباط بالأفكار والأشياء مبررا ومشروعا من وجهة نظر برجماتية، فالإنسان دائما في علاقته بالمفاهيم والاعتقادات تتملكه باستمرار فكرة وسؤال، أي الاعتقادات والتصورات أصلح من الأخرى؟ بل إنه في معظم وضعياته ومتاهاته مشدود بالبحث عن حالة الاستقرار والفاعلية والاطمئنان، فالأفكار ينبغي أن تقوده إلى نتائج إيجابية عملية، وإلا فما وظيفتها؟

عمل الفيلسوف الأمريكي من داخل هذا التصور إلى نقد الأصول التي تستند إليها المقاربة التصورية لمشكلات الميتافيزيقا، فالفلسفة التصورية لم تستطيع الخروج عن نسق التناول التاريخي لمشكلات الميتافيزيقا، لان الدراسة العقلانية للأنساق الميتافيزيقية لم تعر أي اهتمام للتأثيرات والمصالح والمنفعة، أي أنها لم تنتبه للحياة في مقاربتها لنقد الميتافيزيقا، فكل الأنساق في منظور وليام جيمس ظلت سجينة الثنائيات الميتافيزيقية والأخلاقية، الواحد والمتعدد، المتناهي واللامتناهي، الحرية والضرورة، هل العالم واحد أم متعدد؟ ولم تستطيع ربط علاقة بين الفروض الميتافيزيقية ومستلزمات الحياة الإنسانية، بما هي مجال للتفاعلات التي تقتضي الاستناد إلى فكرة المنفعة والعمل.

هذا النقد الذي بلوره وليام جيمس لنقد الميتافيزيقا التصورية، سيدفعه إلى الاختلاف مع معظم المنظورات الفلسفية السائدة في تاريخ الفلسفة، باستثناء عنصر استفادته من الفلسفة الكانطية في هذا الباب .

كل هذا من أجل مطلب توجيه مسار الفكر إلى اتجاه جديد قد يؤسس لطريقة جديدة في التفكير في المفاهيم الميتافيزيقية، طريقة تعتبر النتائج والآثار العملية في جميع المستويات هي المعيار الأساس للحكم على جدوى الفروض والاعتقادات الميتافيزيقية، فالسؤال الفلسفي في نظره ينبغي ألا يقع ضحية شراك الأسئلة العقيمة التي تكرس للاختلافات الفلسفية بدون أي جدوى أو فائدة.

مشكلة حرية الإرادة:

في مناقشته لمشكلة حرية الإرادة والواحد يشهر وليام جيمس نقدا لاذعا للمقاربة التصورية، على اعتبار أن مفهومها لإشكالية حرية الإرادة ينطوي على نواقص عدة، فقد كان مؤمنا بأن أول عمل نجم عن إرادته الحرة هو إيمانه بالإرادة الحرة ، فهذه الأخيرة بالنسبة إليه ليست سوى جزء لا يتجزأ من الأجزاء التي تكون طبيعة الفرد، فهي أساس وجوده الفعلي وهي ما يمنح للتجربة الإنسانية عامة والفردية خاصة معنى وجوديا تستطيع من خلاله إبراز فردانيتها وخصوصياتها، فلا ينبغي اعتبار مشكلة الإرادة الحرة مطلبا مستحيلا  لا يقع في حدود الممكن الإنساني.

نجم عن الإيمان بحرية الإرادة عند وليام جيمس إيمانه وتشبثه بآراء “رينو فييه” في هذا الباب، لذلك تجد وليام جيمس استفاد بشكل منقطع النظير مما قدمه رينوفييه  بخصوص إشكالية حرية الإرادة.

انتقص وليام جيمس من أطروحة التصوريين المرتبطين بالنزعة الميكانيكية ،ومن أطروحات الفلاسفة الذين كانوا معاصرين له، أمثال ” ادواردز”و “إيمرسون” و “فرانكلين” و”توماس هكسلي”، فهذا الأخير ذهب في كتابه ” بحث عن الليبرالية والضرورة” إلى أنه” إذا وافقت بعض الدول الكبرى على أن تجعلني أفكر دائما فيما هو حق وأن أعمل على ما هو صائب وسديد مقابل أن أتحول إلى ما يشبه الساعة، يملأ زنبركها كل صباح قبل أن أغادر فراشي، فإني سأقبل هذا العرض فورا والحرية التي أهتم بها هي حرية فعل ما هو حق، أما الحرية في فعل الخطأ، فأنا على استعداد لأتنازل عنها لأي شخص يريدها بأبخس الشروط “.

أبدى وليام جيمس في علاقته بالتصورات المعاصرة لمشكلة الإرادة نوعا من الرفض الذي مرده عدم موافقته على فكرة الحرية التي تسير عليها الساعة باعتبارها حرية غير ذاتية، فهي ليست نابعة من صميم مقومات وتخطيطات الذات الإنسانية، ولبناء البديل الفلسفي للموقف التصوري،  ناقش وليام جيمس في كتابه ” مبادئ علم النفس” ، حيث قدم اعتراضات على المستوى الأول للتعاليم التجريبية التقليدية التي تستند في تصورها لنظرية المعرفة على الفكرة القائلة بأن العقل لا يتضمن أفكارا فطرية(les idées innées)  ، فالمفاهيم والمضامين تتشكل وتتكون في العقل انطلاقا من الانطباعات التي تنطبع في العقل عبر قوانين المشاركة والارتباط الميكانيكي.

يعد التصور التجريبي في نظر وليام جيمس تصورا في غير محله  بخصوص نظرية المعرفة، ولعل هذا التشكيك عند الأمريكي نابع من دراساته لوظائف الأعضاء وللعقل الإنساني على وجه التحديد، فقد أسهمت  دراساته بشكل كبير في تأسيس نقد جذري للتصور القائل بالحركة الذاتية التي دافع عنها وقدمها توماس هكسلي وغيره من المتخصصين والمرتبطين بالعلوم الطبيعية، ذلك أن هذه النظرية تؤكد على أن منطق الحياة العقلية للإنسان يعمل على النحو الذي يمكن تشبيهه بنفس منطق عمل آلة البيانو، فكل مثير خارجي يضغط على أحد المفاتيح في البيانو، والذي يضرب بدوره مجموع الخلايا المرتبطة والخاصة بالمخ، وهنا بالتحديد يمكن أن تحدث النغمة المتوقعة؛ أي أن تقع الاستجابة على المستوى العقلي أو الجسدي، غير أن وجهة نظر وليام جيمس تقضي بأن هذا التفسير الذي قدمته النزعة الآلية ينطوي على أخطاء كثيرة؛ أولها أن وظيفة المخ لا تقوم على نحو سلبي آلي ،كما يحدث في الإنسان الآلي،فهو ليس مجرد لوحة تستقبل مجموعة من المعطيات التي تأتيه من العالم الخارجي، ثانيها أن هذه النظرية تقوم على إقصاء وبشكل واضح فاعلية الوعي والإرادة بما هما خاصيتان إنسانيتان.

لقد نتج عن هذه الأخطاء التي وقعت فيها النظرية الميكانيكية أنها جردت العقل من وظيفة الاختيار والاصطفاء باعتبارها وظيفة يختص بها العقل ” إن المخ هو عضو الشعور ولا بد وأن الشعور بحكم تعريفه يفضل بعض الإحساسات الواردة إليه على غيرها” ، ولعل هذا ما يبرر في ذات الوقت مقالا لوليام جيمس  تحت عنوان ” هل نحن آلات حية”، حيث سعى من خلال مقاله هذا إلى التشديد على أن أهم ميزة في الفكر هي نزوعه الدائم نحو الاختيار والمحاباة، فبهذه الوظيفة يمكن للفرد إقامة التمييزات ورسم الحدود بين الأشياء، أي أن انعدام هذه الوظيفة يغيب الإمكانية عند الإنسان لتأسيس أحكام ناجعة تمكنه من الفصل ورسم الحدود بين الأشياء المفيدة وغير المفيدة، ولما كان الانتباه خاصية إنسانية أساسية من خصائص التفكير، أي أنه ركيزة أساسية في عمل الفكر ، فعن طريقه ينتقي العقل مجموعة من الإحساسات الآتية من الخارج في أفق تحويلها إلى تصورات أو عمليات عقلية تقود نحو تحقيق الفهم والنجاعة في جميع مستويات العلاقة مع الموضوعات الخارجية.

من هنا، وبحكم الارتباطات التي يقيمها وليام جيمس مع المعارف كيفما كانت طبيعتها، ارتأى في مفهومه لحرية الإرادة إلى ضرورة تناول هذه المشكلة الميتافيزيقية من جانب ما قد تقدمه من منفعة ومصلحة.

من أرشيف جمال أبناس:

وليام جيمس: الاعتقاد اختيار شخصي

الميتافيزيقا والدلالة العملية

شاهد أيضاً

في الفن والتحرر: قراءة في الشرط والمعنى مع جورج لوكاتش وجاك رونسيير

محمد العربي العياري / تونس محمد العربي العياري أن نكون وجها لوجه مع الواقع ’ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *