الرئيسية / منشورات / مجلات / العلم وخطاب اللاهوت

العلم وخطاب اللاهوت

محمد بوتنبات – المغرب

تاريخ العلم في العالم الغربي هو في الحقيقة تاريخ الانعتاق من مخالب وكلاء اللاهوت؛ وقد تسارعت وتيرة هذا التحرر مع الاكتشافات العلمية، وأثناء عصر الأنوار؛ فهل تصالحت الكنيسة مع العلم؟ وهل تخلت بكامل السهولة واليسر عن هيمنتها على المعرفة بخطابها الدوغمائي؟

منذ القرن الحادي عشر عبر الموقف الدوغمائي في شخص الكاردينال القديس بيير داميينSaint Pierre Damien عن موقفه من العلم بقولته المشهورة: ”يجب أن تكون الفلسفة خادمة للدين” (الفلسفة هنا تتضمن كذلك العلم قبل أن ينفصل عنها في القرن الثامن عشر)، بمعنى أن ليس للفلسفة (والعلم) من دور في الحياة سوى العمل على تأكيد حقائق الوحي، وإلا كانت هرطقة ومروقا عن الكنيسة . بهذا الموقف المتعصب حكمت الكنيسة على جيوردانو  برونوGiordano Bruno بالإعدام حرقا سنة 1600 م  ، وبعد هذا الحكم الجائر بثلاث وثلاثين سنة ، توبع جاليلي Galiléeمن طرف محاكم التفتيش ، وأدين بالسجن  لتأييده لنظرية كوبرنيك Copernic عن مركزية الشمس التي شكلت أول معركة بين اللاهوت والعلم.

يتساوى في هذا الموقف العدائي للعلم – لأنه يميل في نظرهم إلى الكفر – ، كل من الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية ، فهذا مارتن لوثر M .Lutherيقول عن كوبرنيك ما يلي  : ” يتم الحديث عن منجم جديد ، يريد إثبات أن الأرض هي التي تدور وليس السماء والشمس والقمر ، كما لو أن أحدا يتحرك وهو على عربة أو مركب ، ويدعي أنه كان واقفا لا يتحرك ، والأرض والأشجار هي التي تسير وتنتقل. لكن هاهي الأمور كما هي عليه اليوم … عندما يريد إنسان إظهار ذكائه ، فعليه أن  يستحدث  نظاما جديدا يدعي بطبيعة الحال أنه أفضل ما استحدث من نظم . هذا  المأفون أراد أن يقلب علم الفلك  كله  رأسا على عقب .  لكن الكتاب المقدس  يخبرنا  أن  ( هوشع ) أمر الشمس وليس الأرض أن تقف في مكانها ” .

إذا كان هذا يتعلق  بمركزية الشمس ، فما القول عن نظرية النسبية العامة لأينشتاين ؟

ما اشتهر في الأوساط العلمية ، أن آرثر إيدنغتون  A . Eddingtonالعالم البريطاني في فيزياء الفضاء ، قد أثبت صحة نظرية النسبية العامة سنة 1919 ، عن طريق الملاحظة والتقاط صور للنجوم  القريبة من اتجاه الشمس أثناء الكسوف المشاهد من إفريقيا الاستوائية ، لتحديد إن كان مسار أشعتها منحن كما تنبأ بذلك أينشتاين  Einstein أم لا. واعتبر هذا الإثبات نجاحا ليس للنظرية فحسب ، وإنما انتصارا كذلك للمسار العلمي .

ها هنا أيضا سوف لا تقف الكنيسة مكتوفة الأيدي ؛  ففي سنة 1929 تلقى أينشتاين برقية ، على غير العادة ، من توقيع حاخام نيويورك ” هيربرت س. غولدشتاين  H. Goldstein ” يطلب منه فيها ، وعلى حين غرة ، وبنوع من القلق وانشغال البال ، أن يصرح له إن كان يؤمن بالله أم لا. المسألة إذن جدية ، إذ أن الحاخام بدوره ، قد اتصل به منذ مدة وجيزة الكاردينال ” أو كونيل  O’Connell”  الحبر النافذ لمدينة  بوسطن ؛ وهدده ، وهو في حالة غضب شديد ، برفع القضية إلى الفاتيكان ، بدعوى أن ” نظرية النسبية تنشر الشك في وجود الله وفعل ” الخلق ” .  وباختصار شديد ” فهي تنطوي على ظهور الإلحاد الفظيع ” .

كان الكاردينال أوكنيل حزينا ومتألما . وكان همُّ أينشتاين هو أن يهدئ من روع محاوره الحاخام ؛ لذلك استعجل الرد في أقل من ثلاثين كلمة صار اليوم أشهر من نار على علم : ” أومن بإله اسبينوزا  Spinoza، المتجلي في تناغم الكون ، ولا أومن بإله ينشغل بأفعال كل واحد من البشر .” .

لم يكن الحاخام غولدشتاين – وهو في حالة من النشوة والحبور –  في حاجة إلى أكثر من هذا الرد حتى يردد على مسمع كل من أراد أن يسمع ، أن أينشتاين لم يكن ” بطبيعة الحال ” ملحدا . وبما أن هذا الأخير قد فضل التزام الصمت احترازا ، فإن الحاخام غولدشتاين رأى أنه من المناسب وضع اللمسة الأخيرة على النظرية من عندياته ، وهي أنه ” لو سارت نظرية النسبية إلى نهايتها المنطقية ، لأمكنها أن تحمل للإنسانية صيغة علمية لديانة التوحيد ” .

اليوم ، لا أحد من رجال الكنيسة وعلماءها يشكك في مركزية الشمس ونظرية النسبية العامة والخاصة ، بل الأكثر من هذا نجد أن البابا جان بول الثاني Jean Paul IIأصدر في 22 أكتوبر 1996 بلاغا للأكاديمية البابوية للعلوم ، والمكونة من ثمانين عضوا من مختلف المشارب والعقائد والدرجات العلمية ، ومما جاء فيه أن النظرية الداروينية في التطور ” هي أكثر بكثير من مجرد فرضية ” . ذلك أن الذين يعارضونها لأنها تتنافى وعقيدة الخلق ، يصفونها بكونها مجرد فرضية أو نظرية وليست حقيقة واقعية ، وأن التطور لم يحدث قط على وجه البسيطة . وقول البابا أنها ” أكثر بكثير من مجرد فرضية ” يعني أن الفرق بين الفرضية والحقيقة هو فرق في الدرجة ، في عدد الأدلة التي تؤيدها …  وبذلك يكون الفاتيكان قد صرح بوضوح كامل ، قبول مجموع البحوث العلمية ، مع التحفظ على بعض القضايا  المتعلقة  بالبيوإتيقا   Bioéthique.

أما بالنسبة للعالم العربي والإسلامي ، فبعد أن كان علماؤه عبر التاريخ يؤكدون على دعوة القرآن إلى المعرفة ، وأن العلم يحتل مكانة رفيعة في الإسلام ، صرنا اليوم ، مع الأسف ، نرى ، إما دعاة يسممون عقول الناشئة والعامة بالتشكيك في العلوم الحديثة ، بدعوى أن نتائجها تتناقض ومعتقداتنا الدينية ، وذلك عبر محاضرات وخطب مصورة تداع على الشبكة العنكبوتية ، والتي يدعي فيها أصحابها  بمركزية الأرض ، أو بتقديم نظرية التطور مثلا على أنها دجل وشر ؛ وإما نرى موجة من أصحاب الإعجاز العلمي الذين يدعون أن ” في القرآن حقائق علمية لم تفهمها البشرية إلا اليوم في قمة التقدم العلمي » ، وهذا هو سبب تخلف المسلمين عن ركب الحضارة الحديثة .

أما وأن القرآن إعجاز فهو بالفعل كذلك ، ولكن إعجازه تجلى في الثورة التي أحدثها في مجتمع الأعراب ، وفي القيم التي زرعها فيهم ، وحولهم إذاك من قبائل متناحرة فيما بينها على أتفه الأسباب إلى أمة ، كما أن إعجازه في لغته وأسلوبه. إذا كان غير هذا ما قصده القوم من الإعجاز ، فإن الزلة أعظم وأفدح . مَنْ هذا الذي حدد قمة التقدم العلمي فيما وصل إليه اليوم من نتائج !؟ أليس من الممكن أن تكون هذه سوى البداية ، ولا نعلم بما سيأتي به الغد من جديد ؟ قد تُقلب النظريات الحالية ، مثلما حدث في السنين الماضية ، وهذا لعمري هو الجهل بطبيعة العلوم الحديثة ، وبخصائص النظرية العلمية وبالتصور الجديد لعمل العقل العلمي .ألم يسمعوا عن “أن النظريات العلمية ليست مواضيع اعتقاد عند العلماء ، وإنما هم يكتفون بقبولها دون التثبت منها من أجل استخدامها في مجال التوقع “. ثم أليس تاريخ العلوم هو تاريخ الأزمات والتحولات التي تقع على مستوى المفاهيم والمناهج والنتائج ، مما يلغي كل اعتقاد في وجود قواعد ثابتة أو حقيقة مطلقة ؟ فكيف يمكن إذن لهؤلاء القوم أن يجمعوا بين ما يفترض أنه مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبين ما هو نسبي ومتغير،لا يستقر على حال ، ولو زمانه طال ، لأنه من إنتاج الإنسان المخصوص في جبلته بضروب الخلل والنقصان ؟ كيف لهم أن يضموا بين ما طبيعته الاطمئنان واليقين والحسم المبين ، وبين ما يعتريه الشك والقلق والاستفهام الدائم ، وهذا ليس عيبا أو نقصا فيه. ماذا هم فاعلون لو حدث غدا انقلاب في ما اعتقدوا أنه نظرية ثابتة ؟ ألا يجعلون بذلك القرآن في مهب ريح بين التصديق والتكذيب ؟ أما التخلف ، فهو موضوع يطول شرحه ، واستعراض أسبابه ونتائجه ؛ وحسبنا هنا أن نقول أن الإعجاز العلمي إحدى تجلياته ، بسبب الإعراض عن كتاب الطبيعة المفتوح ، والإقبال على وهم صنعته عقدة السبق أو النقص اتجاه الآخر المتقدم . وهل هناك ما هو أكثر تخلفا  مما  أذاعته  bbc وتناقله الإعلام الغربي سنة 2011 من أن مجموعة من الطلبة المسلمين البريطانيين في كلية الطب ، قد امتنعوا عن متابعة دروس في التطور البيولوجي ، بدعوى أن نظرية داروين تتناقض ومعتقداتهم الدينية ، فمثلهم كمثل من أراد أن يكون مهندسا دون أن يدرس الهندسة ! كما أنهم بموقفهم هذا لا يختلفون عن ” أولاد الدرب ” في الأربعينيات من القرن الماضي ، الذين وصفهم علي أومليل في كتابه الأخير “مرايا الذاكرة ” بأسلوب لا يخلوا من الدعابة والسخرية ، عندما كان هؤلاء الفتية يسمحون له ، وهو صغير السن ، بمجالستهم  لأنه متعلم ، ويسليهم بأحاديثه ، فيقول : ” ويعجبهم التاريخ ، خاصة فتوحات الإسلام ، وأن أجدادنا المسلمين وصلوا حتى الصين على ظهور الخيل ، وأنهم فتحوا بلاد “السبنيول ، واقتحموا فرنسا ووصلوا حتى مدينة قريبة من عاصمة الفرنسيين الذين يحكموننا اليوم . وتقول لهم إن جنكيزخان أشجع من عنترة بن شداد وبني عبس لأنه غزا مع قبيلته بني مغول نصف الدنيا . ويلعنون الدنيا التي ذهبت بأمجاد الإسلام وهم الآن قاعدون عاطلين عن العمل يقمّرون . ولا تعجبهم نظرية التطور ، وأن جدهم ليس آدم عليه السلام ، بل القرد سعدان ” .(ص : 12)

لكل من العلم والدين مجاله ومنطقه وغاياته ، فإذا اختلط المجالان نتجت عنه خطورتان : إحداهما على الدين والقرآن، وثانيهما على العلوم والمعرفة. الأولى تتجلى في تحريف الدين وتحميل الآي ما لا يطاق من تأويل . والثانية تحجيم العلم ووضعه تحت وصاية المشايخ والدعاة . والخسارة الكبرى هي حياة تسير على التقليد والإتباع ، وترك للغير المبادرة والإبداع ، ثم يدعي هؤلاء بالسبق بالأقوال لما حققه الغير بالأعمال. حياة حديثة في مظهرها ، عتيقة في مخبرها ، و تلك لعمري هي اسكيزوفرينيا. وإذا كان هناك من يطالب اليوم بفصل السياسة عن الدين حتى لا يكون عرضة للاتجار به ، فالأولى أن يمتد هذا الفصل كذلك إلى العلم الحديث عن الدين . فلا تخلطوا أبدا بين العلم الوضعي واللاهوت ..

من أرشيف محمد بوتنبات:

الدراسة المنظمة للنص الفلسفي: الأستاذ محمد بوتنبات

العلم وخطاب اللاهوت

مدونة الأستاذ محمد بوتنبات: https://sophialabiba.wordpress.com/

شاهد أيضاً

هل من المعقول أن يظل البيض عبيدا لماضيهم الاستعبادي؟

عزيز الصاميدي لنتخيل معا: لوويك شاب في السادسة عشرة من عمره، بشرته بيضاء. ازداد وترعرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *