الرئيسية / Non classé / الفلسفة  والجامعة  في الواقع الاجتماعي

الفلسفة  والجامعة  في الواقع الاجتماعي

بدر نخلة / القنيطرة، المغرب

إن مهمة الفلسفة، ليست في حيادها المعرفي أو العلمي، وليست تصورا تأمليا  بوجه خاص، أو سردا تاريخيا نركنه في البحث الأكاديمي المشروط، ونردد ما قاله الفيلسوف كل مرة وفي أي موقف أو إشكالية، بل هي، على العكس من ذلك، إنها قدرة  Capacitéعلى النظر والفحص في الواقع الاجتماعي- و ما يضمره أي خطاب معرفي بالضرورة، وما يكنه الفيلسوف وهو ماثل مع ذلك فيما يقوله[1]–  من زاوية نظر طبقية معينة، هي التي تمارس عليها السلطة باسم خطابات فلسفية ومعرفية باطلة، إنها بكل بساطة، الطبقة الثورية النقيض التي تجد في الفلسفة سلاحها المادي، في سبيل ضرورة فهم الواقع القائم جورا، كي يتأتى تغييره مفاهيميا وبنيويا وفي صورته الحقيقية، وليست المحشوة والضمنية، المغلفة بالمطلق Absolu وكل أشكال النزعات الإنسانية المجردة، والمقولات الوجودية Existentialisme إن لم نقل العدميةNihilisme ، التي تجد فيها الطبقة المسيطرة مرتعا في إخفاء أداة سيطرتها عبر عدد كبير من المؤسسات الاجتماعية، وبالتالي مواراة طابعها الطبقي الصارخ في إثبات حقها الشرعي غير المشكوك فيه، والذي هو كما نعلم يتم من خلال جهاز وحيد غير مستقلة عنه، وهو الدولة القائمة المسيطرة؛ إن جهاز الدولة هنا يستوي في حياد ويظهر بحكم موقعه الشرعي قادر في حكمه هذا، على القيام بعملية التوافق والاندماج والسهر على الأمن، أي ساهرا على الخطاب المعرفي، ينتقي منه ما طاب، يركزه، يبتره، وبالتالي يقدده على سرير بروكست،  حتى لا تتمكن الفلسفة من تحقيق ضرورتهاNécessité ، وتحقيق ضرورتها، ما هي، إلا انعتاق  Emancipationفعلي لطبقة ترجم الآن، ولقد رجمت قبلا، بحجارة الجهل والرجعية، وقيدت بأغلال سميكة من الجور والاستعباد والتهميش، الحجر والعزل، التي أقامتها الطبقة المسيطرة لتحافظ على مركز القوة، وما هذه القوة سوى تملكها الأعمى للمعرفة، تصبح هنا الفلسفة، أي في مراقبتها، غير فعالة إن لم نقل مخصية ومحافظة، ومتى كانت الفلسفة مخنثة مستحيية؟، أي متى خجلت الفلسفة من قول الحق؟، فالفلسفة كما يبين “جيل دولوز”:”الفلسفة خلاقة، بل ثورية بطبيعتها بما أنها لا تتوقف عن خلق مفاهيم جديدة، الشرط الوحيد هو أن تكون لهذه المفاهيم ضرورة بل غرابة كذلك، ولهذه المفاهيم تلك الضرورة وتلك الغرابة بما أنها تستجيب إلى مسائل حقيقية. إن المفهوم هو ما يمنع الفكر أن يكون مجرد رأي أو مناقشة وثرثرة.”[2] . تكمن إذن وظيفة الفلسفة في خلق المفاهيم وابتكارها، باعتبارها وظيفة راهنة ومتزامنة بصيرورتها وتطورها وبالتالي قوتها. لهذا توجب حتما، تكسير وفحص المفاهيم الرائجة، والمقولات الاجتماعية المتناولة والسائدة في الخطاب، المتناسبة مع مصالح فئات وطبقات مجتمعية معينة لها غاية كبرى بأن تحافظ، وتختار بعناية فائقة المعرفة التي تناسبها. إنها إذا، منظومة متراصة من المفاهيم الكبرى، مفاهيم مبهرجة وخداعة، تتسرب عبر الخطاب، وتطغى عليه، معنى ذلك أنها تصبح معرفة، هذه المعرفة زائفة، ايديولوجية، تملأ الفراغ، ولا تقوضه بحق، إنها تجعله شفافا وبراقا، وبالتالي يغدو متناولا ومقدسا،  وكما صور ذات يوم كارل ماركس بأن الإنسان يجب أن يتحرر من الأوهام الدينية التي تقيده وتخدره، لأن الوعظ الديني أو المؤسسة الدينية تشجع قابلية الوهم لديك، أي تخبرك أن أوهامك هي حقيقة إلهية، انطلاقا بطبيعة الحال من مقولات  ال”ما وراء” لفاهمة إلهية لا يمكن لفكرنا التمثلي أن يبلغها، إما المادون الجهنمي الذي لا يمكن سبره بالنسبة إلينا، في محيط اللاتشابه[3]، والأمر أصبح اليوم شبيها بما يشوب المعرفة والفلسفة، فكل معرفة لم يعد لها وجود يتجذر في الواقع المعيش، إن حقيقتها تتبدد في اللاوجود، إنها تكون ملعونة، والمؤسسة التعليمية تسمح لنفسها أن تدمج عمق الفلسفة في ذاتها ولا تجعلها منكشفة، أي تكبحها في دائرة يستولي فيها الغامض كأنه مجرد تمثل أو استبطان، حيث تفرغ ثوريتها وفاعليتها وآفاقها، وهذا هو  الدور تماما الذي تلعبه المؤسسة الجامعية في علاقتها بالواقع الاجتماعي، وبما تقيمه من تثبيط، و تقسيم مشروع، وحدود اجتماعية مرسومة، بمعنى تصنيفية، وأصبح امتلاك المعرفة هو امتلاك للقوة والسيطرة، تتجسدان في مقولات ومفاهيم تبقى دائما وأبدا حائلا وحاجبا غليظا لعدم إدراك الواقع الاجتماعي الفعلي، إنها تختزل الواقع الاجتماعي كأفهوم Notion في اللاتمكن Incompossibilté، واللاتمكن يتم اختزاله في التناقض ويعرف به، فيصبح الواقع الاجتماعي متناقضا ولا يمكننا فهمه إلا كونه متناقض بطبيعته، وبالتالي غير متطابق مع الفكر  ولا تجمعه به صلة ما بالمعرفة الخالصة، هذا ما جعل النظر إلى كل أشكال المعرفة أنها لا تني أن تكون أوهاما تُضلل بصيرة الطبقات والفئات المقصية، وتحجب عنهم حقيقة الواقع، إلى مجرد حدث يومي لا يلغي الحدث بلغة مهدي عامل، أي هامشية لا تفيد سوى اللغو و المحاججة، لأنها مفاهيم افتراضية، ليس لها علاقة بالواقع الاجتماعي، رغم أنها تقدم نفسها على أنها سليلة الواقع الاجتماعي، واضعة إياها -أي هذه الفئات الاجتماعية المتضررة، وواضعة المعرفة والخطاب الفلسفي- خارج التاريخ، والذين غالبا ما يحتلون درجات دنيا، بسبب جهلهم الفادح والمقصود عن ما يجري حقيقة حولهم، والضرورة هي معرفة بأن المفاهيم المستعملة، والمقولات التي ندرسها هي في الجوهر مقولات ومفاهيم ذات طبيعة ايديولجية برجوازية، وبالتالي ذات حمولة طبقية مسيطرة، والفلسفة كونها آلية نقدية يجب بالضرورة أن تساءل المفهوم، وتنزع عنه زيفه المتواري والمضمر في أي خطاب كان ومن داخل أي مؤسسة كانت، يقول فوكو: “لكن إذا وضعنا أنفسنا في مستوى آخر، وإذا طرحنا السؤال بقصد معرفة ماذا كانت وما هي باستمرار إرادة الحقيقة عبر خطاباتنا، هذه الإرادة التي عبرت قرونا من تاريخنا، أو ما هو، في شكله العام جدا، نوع القسمة الذي يحكم إرادتنا للمعرفة، فربما كانت بمثابتة نسق للأبعاد (نسق تاريخي، قابل للتعديل، ويمارس إكراها مؤسسيا) نراه يرتسم أمامنا.” [4]

هل يمكننا أن نقول إذا، على أن الفلسفة في ممارستها تخفي طابعا طبقيا ما؟ وما هي العلاقة التي تربط معرفة لها طابع طبقي بمؤسسة ما، هي مؤسسة قبل كل شيء، وجودها الحقيقي يكون بمعزل تام عن جهاز الدولة ؟

يذهب بنا القول، على أن تحديد الطابع الطبقي للفلسفة قبل موضوعيتها أو حيادها Neutralité أو علميتها، هو الذي ينزع الحجاب المدلهم عن الوجود الاجتماعي التاريخي، ونمسك بالتالي الواقع وهو متلبس، وليس النظر فقط إلى انتشارها في الجامعات أو المؤسسات التربوية، فهذه الأخيرة، ينظر إليها حيادية، وتقدم نفسها على أنها حيادية ومنفصلة تماما عن جهاز الدولة، ساهرة على المعرفة كما يقول هايدجر، ولا تجمعها أي علاقة باديولوجيا سياسية أو دوغمائية معرفية، ولا يجب أن تكون لها علاقة أبدا إلا بما هو معرفي بحت تتقاطع فيه المعرفة بوصفها تشاركا إنسانيا غير مشروط البتة ، والجامعة في آخر المطاف هي الحاضنة للمعرفة الخالصة والمولدة لها دون تأثيرات أو إسقاطات سياسية كانت أو اجتماعية…، حيادها يكمن هنا، وهنا تنبجس موضوعيتها. هذه الدعوى رائجة ومعتادة، ويقدمها الكثير من المثقفين الجامعيين ويدافعون عنها، باعتبار أن القوة متموضعة في يد الحكومة، وبأنها تمارس عبر عدد معين من المؤسسات كالإدارات البيروقراطية، الجيش، الشرطة، وكل أجهزة الدولة، إذ نعي جيدا، ونعرف جميعا بأن هذه المؤسسات صنعت لثبت مجموعة وعددا معينا من القرارات لتطبيقها ومعاقبة من لا يطيعها (ميشيل فوكو Foucault ). أما الجامعة فهي جسم مستقل ولا يجب أن نفكر مطلقا أن لها علاقة مشبوهة بأي انتماء طبقي كان أو حزبي أو مؤسساتي يرتبط بجهاز الدولة أكان ارتباطا مباشرا أو العكس؛ فالمعرفة متنزهة بطبعها، وإن وجدت العلاقة فهي موجودة بالصدفة، وحالما يقوض الأمر بسرعة من طرفهم. لكن الأمر ليس كذلك: فالسلطة السياسية لا تقبع فقط في المؤسسات التي هي سلفا تقدم ولائها وخدمتها لجهاز الدولة، بل هي موجودة لتنشر وتطبق قراراتها، وليس لديها هدف آخر، مهمتها إذن واضحة لا غبار عليها، والجامعة تتظاهر بأنها لا تجمعها علاقة البتة بالسلطة السياسية أو رابطة مشتركة بجهاز الدولة سواء من قريب أو بعيد، رافعة في ذلك شعار استقلالها عن الدولة، لكنها ليست كذلك إطلاقا، فالأنظمة التعليمية جميعها، والتي تبدو أنها ببساطة تنشر المعرفة، فهي صنعت للحفاظ على طبقة أو فئة اجتماعية معينة في موضع القوة وذلك لحصر امتلاكها للقوة دون الطبقات الاجتماعية الأخرى كما يبين ذلك ميشيل فوكو نستخلص مما قلنا أعلاه، أن الجامعة لم تكن في يوم  ما حيادية،  ومن ثم، لن تكون معرفتها موضوعية، إذ يتم تحديد جوهرها كأنه منعزل عن الوجود الاجتماعي غير مشروط inconditionnelle بحقل أو محاسبة من داخل جهاز معين، “إن تحديد الجامعة كجسم مستقل عن المجتمع هو في الحقيقة نظرة ايديولوجية معينة لها مدلولها الطبقي”[5]، أو نذهب إلى الحديث عنها في الأخبار اليومية والوسائل الإعلامية، هو أيضا حديث داخل مؤسسة برجوازية، تحمل ما تحمل من مدلولات ايديولوجية مسيطرة مهما تلونت وتبهرجت بالخطاب العلمي والموضوعي، ولا يمكن لأي مؤسسة لها مصلحة في تأبيد السائد، أن تنشر المعرفة والفكر النقدي كما هو، دون اللجوء إلى تركيزه في قضية أو إشكالية بعيدة بعدا سحيقا عن الواقع الاجتماعي، هذا ليس دليل على أن الفلسفة هنا، ثابتة وفاعلة، وحيادية، بل على العكس من ذلك، إنها هنا، أي وجودها وتبادلها في المؤسسات التعليمية أو غير ذلك، ملغية، جوفاء، مبررة، “إن استقلال وجود الجامعة عن البنية الاجتماعية هو الشكل الايديولوجي الذي تظهر في علاقتها الطبقية بهذه البنية. لذلك يمكننا أن نحدد هذه النظرة التجريدية للجامعة كانعكاس ايديولوجي، ليس للبنية الاجتماعية فحسب، بل للتيار البرجوازي المسيطر في هذه البنية. هذه النظرة إذن ايديولوجية برجوازية تخفي، أن تبرر في الوقت ذاته، ارتباط الجامعة بمصالح الطبقة المسيطرة”.[6]، وهذا راجع بالأساس كما حدث حينما تجاهلت الجامعة تدريس الفلسفة الماركسية، ويتحدث جورج بوليتزر عن الصمت الذي تقيمه البرجوازية حول الماركسية، لقد فعلت كل شيء من أجل أن لا تعرف الماركسية في شكلها المادي الماركسي[7]، ونحن لن ندخل في نقاش لا متناهي في هذا الأمر، لأن الجواب واضح من طرف الكثير، وحجتهم في ذلك أن الماركسية حقا تدرس في الجامعات، يقول هنا لينين: “إن جدلية المنطق التاريخي تعلمنا أن الانتصار النظري الذي حققته الماركسية دفع بأعدائها إلى أن يتخفوا في هيئة الماركسيين، فقد حولت الليبيرالية المتعفنة من الداخل أن تعيد ازدهارها تحت صيغة الانتهازية الاشتراكية، لقد أخذت تدعو بجبن وخنوع إلى تحقيق السلام الاجتماعي(وتعني به السلام بين العبيد ومالكيهم) ونبذ الصراع الطبقي الخ. ولذا فقد اجتذبت بين صفوفها العديد من أعضاء البرلمان والاشتراكيين والمثقفين الذين ينتمون إلى حركة العمال بالإضافة إلى النخبة المثقفة المتعاطفة معهم.”[8] . وأنا منذ البداية بينت على هذه المسألة، أن الجامعة من الأساس ليست حيادية ولا مستقلة عن جهاز الدولة مهما رفعت من بيارق وشعارات، ناهيك عن الاقتناء الأكاديمي للمعرفة التي يجب تدريسها للطالب، إذ يكون هنا الجامعي في تدريسه هذا، يرفع المعرفة إلى مستوى من التجريد و الترسندنتالية، فتظهر إما صعبة وهذا ما يحصل عادة، وإما يقود المعرفة أو الفلسفة داخل مذهب في تاريخ الأفكار، أي عبارة عن تأمل واستبطانية فتفقد النظريات والأفكار بريقها أي تفقد ثوريتها وواقعيتها.  والفكر النظري، حينما يتخلى، ويتنزه عن تناقضاته الواقعية، وصراعاته الاجتماعية الطبقية، يقوده المنطق التاريخي، إلى الزعم، إنه متى تخلى عن إلغاء الهموم الاجتماعية، تمكن من الإمساك بالطابع العلمي الموضوعي، وهو إلغاء يتم جذريا بالممارسة الطبقية، إنه مسطرة يجب اتبعاها من أجل موضوعية المعرفة و علميتها لوحدها. ومن ثمة، يمكننا أن نفهم الآن، بهذا القول، على أن الطابع الطبقي في أي ممارسة فكرية، يجب قدر المستطاع التخلي عنه، لتكون المعرفة خالصة من التأثيرات الاجتماعية، إذ يمكن لو ارتبطت الفلسفة بحقل طبقي ما، قد تفسد عليها موضوعيتها وشموليتها في قول الحقيقة، لأن الحقيقة[9] مغزاها ومسعاها، وبالتالي خطابها الشفاف والمنشود.

ماذا يمكننا أن نفهم من هذا القول؟ أليس في الأخير العلمية والموضوعية ما تنشده أي معرفة؟

في حالة الإلغاء التي بيناها سالفا، هي بدورها عائق من عوائق المعرفة، وهي عوائق بنيوية من أساسه؛ إن إلغاء الطابع الطبقي، هو إلغاء في العمق لشمولية وجوهر الفلسفة، ومن ثم، تخلي فعلي عن الموضوعية التي تنشدها، إن الطابع الطبقي للفلسفة، هو الذي يحدد جوهرها وماهيتها وليس العكس، والفلسفة أو المعرفة، التي تكتسب وتسعى إلى إثبات وجودها اجتماعيا، دون الاعتراف بطابعها الطبقي، لهو أمر في غاية التزييف والوهم، بذلك، تصبح الموضوعية والعلمية التي أصبحت بين يديها، خارج عن التاريخ، إن لم نقل خارج عن الاهتمام الإنساني، ومجردة في ذلك أنطولوجيته؛ هي، موضوعية، لها ما عليها من ميتافيزقية وترسندنتالية متوغلة في الوهم، ومتفشية في وجودها الاجتماعي، وتأخذ صبغة المعرفة المطلقة كما يبين ذلك مهدي عامل إذ يقول: “…بمعنى هذا الشكل من الموضوعية وهو الشكل غير العلمي، هو الذي يحددها بالضرورة كمعرفة مطلقة، وبإلغاء الطابع الطبقي للمعرفة ينتفي طابعها التاريخي.[10].

لماذا هذا السعي الجارف، الأعمى لقطع الفلسفة عن حبل الصرة والذي هو الحقل الطبقي ذاته؟ كيف يمكننا فهم أن الفلسفة أو المعرفة  تتزعم  خدمة الواقع المعيش، وفي ذات الوقت تتبرم نهائيا أن تقدم نفسها كانعكاس لحقل طبقي معين، تبين همومه وتناقضاته اليومية الراهنة؟

يجب التنويه على شيء في غاية الأهمية، وهو  أن عزل الفلسفة أو المعرفة من طابعها الطبقي، يحدث غالبا عن حسن نية وبراءة ساذجة في غالب الأحايين، يعمل بموجبها الفيلسوف أو المثقف من أجل أن يكون إنتاج الفلسفة بعيدا كل البعد عن الحس المشترك – والذي هو غالبا تطغى عليه النزعات والاندفاعات الحسية ولا يحتكم إلى سلطة العقل-، عن الصراعات السياسية والاقتصادية، التي ربما في نظرهم تشوه الخطاب وتدنسه بأن لا يكون موضوعيا، أي مقدسا Sainte. لكن الذي يحصل تنقلب تلك التلقائية والعفوية  Spontanéité إلى قصد أثناء التنكر للحقل الطبقي، أي تصبح هنا المصلحة الذاتية في المعرفة في علاقة محايثة ومتكالبة بين المصلحة الذاتية للمثقف والمصلحة النفعية للطبقة المسيطرة، وتغدو حينئذ الفلسفة، وأي شكل من أشكال الفكر الطبقي سواء من داخل مؤسسة إنتاجا جماعيا أو فرديا ذاتيا، متوافق مع السيطرة الإيديولوجية للطبقة الحاكمة. وعليه، يصبح الفيلسوف أو المفكر، الذي ادعى العلمية والموضوعية والحياد في لحظة ما، سواء كان ذلك بوعي تام منه أو العكس، مشتركا في اغتيال الفلسفة، واغتصاب الوجود الإنساني، وتضبيب الرؤية نحو الحقيقة، إن لم نقل محو الطريق المؤدي لها، وهذا يحصل في عملية التبرير التي تأخذ ضروبا عديدة في العمل النظري الفلسفي والممارسة التي تتمخض عن هذا التفكير النظري. إذ يظهر اشتراكه هذا في التوافق اللاتاريخي الذي يحصل بين منتوجه الفلسفي والاديولوجية التي تضعها الطبقة المسيطرة كقانون سلفا يمر في مضماره ويصطف أي خطاب كان، يقول مهدي عامل في هذا الصدد:” … تنكشف علاقة التماثل الطبقي بين تلك الممارسة الفكرية البريئة وبين الممارسة الإيديولوجية للطبقة المسيطرة، ويسقط عن وجه ذلك المفكر قناع الموضوعية المحايدة، فتظهر العين الطبقية التي بها يرى أو لا يرى، شكلا من المعرفة الذي تنتجه ممارسة إيديولوجية محددة. فالطبقة المسيطرة لها مصلحة أساسية في أن يتوقف التاريخ، فتستخرج منه معرفة هي، في جوهرها، تلك التي تسقطها عليه، أو التي بالضرورة تتفق مع مصلحتها هذه، فتظهر لها المعرفة في شكل مطلق هو الشكل الذي تتأبد فيه سيطرتها الطبقية. في هذا الشكل الذي هو وليد ممارستها الإيديولوجية، يختفي الطابع الطبقي للمعرفة، ويختفي الطابع التاريخي للسيطرة الطبقية، وتظهر زاوية النظر الطبقية هذه كأنها الموضوعية نفسها في استقلالها المطلق عن حق الممارسات الطبقية.”[11]

لا يتعلق قولنا الذي قطعناه أعلاه، بأنه لا توجد الموضوعية والعلمية في الخطاب الفلسفي، خاصة المعرفة الذاتية التي تقطع شوطا في أن تظهر بحلة ايديولجية للشكل الذي يختفي فيها ومنها الطابع الطبقي، فهذه العلاقة يقول مهدي عامل: إن علاقة التناقض في المعرفة وتاريخها بين شكل منها هو العلمي، وشكل آخر هو الايديولوجي، أو غير العلمي، أو ما قبل العلمي- ليس في الحقيقة بين موضوعيتها الشكلية أو المجردة عن أي طابع طبقي-، وبالتالي، العامة، أو العمومية، وبين ذاتيتها، من حيث أن الذاتية هذه مماثلة للفردية؛ إنها، بالعكس تماما، بين طابع طبقي منها هو القادر، في شروط تاريخية محددة، على الوصول إلى موضوعيتها الفعلية…”[12]، المسألة في الأخير تفيد أن الذي يحدد الطابع الموضوعي للفلسفة ليس طابعها الفردي الذي تظهر فيه، ويعطينا مهدي عامل مثالا عن قولة ديكارت الشهيرة، “أنا أفكر أنا موجود”، إذ يقول: الطابع الفردي الذي تظهر فيه سوى الشكل الايديولوجي الذي يختفي فيه طابعها الطبقي هذا[13]، وعليه، كان لذاتية المعرفة التي انكشفت فيها، ليست ذاتية قط، مهما تغلفت بالأنا المفكرة أو الفردانية، إن الذاتية هي وليدة ممارسة طبقية ما أو ايديولوجية، بمعنى أنها ليست نتيجة تفكير الفيلسوف أو عمل المثقف، ومن ثمة، فالموضوعية لا نحاكمها بأنها ليست كذلك بسبب ثغور أو أخطاء في ثناياها، نعطي مثال على ذلك هندسة أوقليدس، أو نظرية “الانفجار الأكبر”، فهي في إطارها العلمي رغم ما قد يتخللها وينهشها من أخطاء علمية، أو شرودا معرفيا، بحيث لم تعد تحمل تلك الفعالية المعرفية التي ظهرت فيها في طور تاريخي معين، لأنه ظهرت أيضا مواقف ونظريات متناقضة معها ومتباينة في أطوار تاريخية معينة، تبقى موضوعية، لأن أساسها وركائزها موضوعية، والتناقض الحقيقي أو اللاعلمي يكمن في بنية الأساس نفسه الذي تقف عليه الفلسفة أو نظرية علمية ما، إنه بنية علاقة الإنتاج القائمة، باعتبارها بنية تسير وفق قاعدة مادية هي التي تحكم موضوعية وعلمية معرفة ما عن معرفة أخرى. معنى ذلك، أن اختلاف الطور التاريخي أو الحدث الظرفي الذي يمر به نمط من أنماط الإنتاج القائم هو الذي يحدد معيار وصحة الموضوعية والعلمية، وقياسا إلى ما كانت عليه نظرية التطور مثلا باعتبارها معرفة في طابع طبقي ما ظهرت منه، هو الذي يحدد شكلا تاريخيا من الموضوعية الفعلية لهذه المعرفة. وبالتالي نعي الآن، أن اختلاف الموقع الطبقي لطبقة اجتماعية ما في البنية علاقات الإنتاج، في ممارستها الايديولجية أن تنتج لنا مثل هذه المعرفة، والاختلاف الوحيد هو نفسه اختلاف من زاوية نظر طبقية، ولهذا يبقى الاختلاف يتأرجح بين الموضوعية والذاتية بفعل الطور التاريخي في علاقته اللاتاريخية التي تكون موجودة بالقوة في طبقة حاكمة، يدفعها منطق السيطرة أن لا يكون هناك إنتاج فعلي وموضوعي للمعرفة، قادرة أن تكون راهنة وحقيقية، لهذا فالمعرفة التي بيناها الآن ما تقبع فيها من أزمات تبقى في الأخير، بسبب مراوغتها عن قول الحقيقة، لا تعبر إلا عن شرعنة كيان مسيطر وعن خطابه الذي تصبح فيه هذه المعرفة.

نحن الآن أمام عرقلة عويصة، وأزمة شائكة، تتأبد فيه حركة التاريخ وتتجمد في الواقع المعيش، وفي الفكر، وما تلك الحركة إلا الصراع الطبقي ذاته، إنه المحرك الفعلي للتاريخ على حد عبارة ماركس، وكيف للتاريخ أن يتحرك ويسير وهو ملجم بتاريخ زائف، ملتو  tortueux، مسيطر؟، تلجم دواليبه الطبقة المسيطرة فيه، كل أشكال المعرفة والتفلسف، إنها ترسم حدودا ومتاريس له، ومتى كان أيضا للفلسفة أو المعرفة حدودا؟، وفي هذه الحالة الهاترة، حيث تكبح المعرفة، ويقام عليها الحظر، إلا بما يتناسب وما تسعى إليه الطبقة الحاكمة، تنتقل الأزمة إلى الواقع الاجتماعي، تقيد حركته، ولا يتحرك ساكنا؟، وكما تستكين المعرفة والفلسفة بأن تبقى إشكالا عقليا وتأمليا، تنتقل الأغلال إلى الواقع الاجتماعي وتعيق تطوره[14]، معنى ذلك أن الواقع في هذه الحالة يعتريه تناقض مخيف، يستلب عن نفسه ويتقهقر.

نصل الآن إلى نقطة مؤداها، أن التاريخ لا يسير وفق منطقه المنشود، الفلسفة كما بينا متواطئة مع السيطرة البرجوازية، أي أن وجودها هذا داخل المساق المسيطر، وجود عفوي وتلقائي في الغالب، مناقض للتاريخ، الفلسفة أو أي معرفة تصبح إيديولوجية لطبقة لها مصلحة أساسية أن يبقى التاريخ كما هو، والواقع الاجتماعي نفسه مسجون ضمن هاته الحلقة الدائرية بسبب المفارقة التي تشرخ علاقة الارتباط العضوية للمعرفة بالواقع الاجتماعي، لهذا فهو واقع مزيف، هو مزيف لأنه غير منطقي، والفلسفة والمعرفة جملة في هذا المخاض زائفة رغما عنها، مهما تنزهت عن تحيزها هذا، لهذا يجب التشديد على إشكال كبير، هو أن الواقع لا يجب أن نفهمه كمنطق تاريخي نؤمن به ونستسلم “للقدر الواقعي” إن جاز التعبير. وبالتالي، لا يمكننا في حال من الأحوال، أن نخرج المعرفة أو الفلسفة من براثن هذا الإدماج والتدجين La domestication بطريقة عادية، طبيعية، أي أنه يكفي أن نرفع بعض الشعارات، لكي تحدث عملية الانعتاق أو التحرر المعرفي، يقضي الأمر بالضرورة، أن تحدث عملية الانعتاق المعرفي Emancipation des connaissances من ممارسة طبقية ثورية، هي ايديولوجية وسياسية، قبل أن تكون ثقافية أو معرفية خالصة. وعليه، إن كانت الطبقة المسيطرة، لها مصلحة بأن لا يسير التاريخ وفق منطقه، فالطبقة النقيض لها مصلحة أساسية بأن يكون التاريخ في شكله الحقيقي وفي تجليه الحر، دونما الحاجة بتاتا، أن تفهم هذا التاريخ بمعرفة لا تاريخية تواري منطقه، وتخفي طابعه الطبقي المسيطر، لأن التاريخ يفرض تحرر الطبقة المطحونة من سيطرة الطبقة الطاحنة، بضرورة تحويلها الثوري لبنية علاقات الإنتاج كما يقول مهدي عامل.[15]

لقد صرنا الآن، بتأكيد هام، وإلحاح شديد عندنا، أن ربط الفلسفة بالواقع الاجتماعي، من داخل أي مؤسسة تدعي سهرها على المعرفة والفكر، ضرورة أساسية، وشرط تاريخي منطقي، لتحديد كيانها ودورها في المجتمع، اعترافا وارتباطا بالحقل الطبقي، داخل سيرورة تاريخية، هي أفق تطورها. ولا يمكن لأي مؤسسة كانت، خاصة كما قلنا المؤسسة التي تظهر نفسها في استقلالية عن الدولة، وبالتالي في استقلالية عن الواقع الاجتماعي أي حيادية بمفهومها المترهل هذا، فهذا لا يدل على شيء، سوى أن وجودها هو وجود متواطئ مع السيطرة البرجوازية، وخطابها المعرفي الذي تقدمه هو خطاب ايديولوجي ذي حمولة  متحيزة. إذن مهمتنا تقضي بأن ننتقد كل مؤسسة تدعي نفسها وتقدم ذاتها على أنها حيادية، ولا مندوحة هنا عن المؤسسات الأخرى مثل الطب والمصالح الاجتماعية كما يصرح بذلك ميشيل فوكو.

نحن لم نصف الحساب بعد، لأن هناك سؤال يحاول إخراج نفسه عن هذا الإطار، أي أننا منذ البداية نرشح الطبقة النقيض بأن المعرفة التي ستنشدها هي المعرفة الفعلية الحقيقية.

إن الشكل التاريخي للعلمية والموضوعية للمعرفة الذي تظهر به  الطبقة المسيطرة، هو ممارسة ايديولوجية هي التي تحدد شكل الفلسفة، لأنه يعبر عن مصالح معينة للطبقة الحاكمة، وما شكل هذه الفلسفة التي نراها الآن إلا الشكل التاريخي الذي يبين أن هذه المعرفة المنتجة هي في الصميم مصلحة طبقية نفعية، ولا يمكن للمصلحة أن تتفاهم مع العلمية والموضوعية، ولهذا لا تحدث عملية التوافق بين المعرفة وشكلها التاريخي بأن تكون واقعية وبالتالي شمولية، ومن ثمت، تضارب بين المصالح الطبقية في أشكالها التاريخية بالمصالح المعرفية في شكلها التاريخي أيضا. والطبقة النقيض، وحدها قادرة على إنتاج المعرفة الحقيقية والفعلية يقول مهدي عامل:” …فارق هو القائم بين طابع الموضوعية الفعلية وبين طابع الذاتية، وهو الذي توجده بينهما الحركة التاريخية نفسها للمعرفة العلمية، وبتحول الطابع الطبقي المحدد لهذه العملية، من طابع طبقي برجوازي إلى طابع طبقي بروليتاري. فتاريخ المعرفة ليس تاريخا للفكر، لأن تاريخ الفكر هذا لا وجود له إلا بتجرد الفكر عن طابعه الطبقي المحدد له، وبالتالي، عن وجوده الفعلي في حقل الممارسات الايديلوجية للطبقة المتصاعدة، وبتجرده هذا الذي هو أثر من الممارسة الايديولوجية للطبقة المسيطرة، ينتفي وجود التناقض فيه وفي حركته التاريخية، من حيث هو تناقض طبقي بين ممارسته من زاوية نظر الطبقة المسيطرة، وبين ممارسته من زاوية نظر الطبقة الثورية النقيض…”[16]. هذه هي أزمة البرجوازية وبالتالي أزمة الفلسفة والعلوم الإنسانية، إذ تقدم الفلسفة والمعرفة على أنها أفكار تسمح لنفسها أن يكون لها مكان في التاريخ وبالتالي كونية، ولما تقتضي أن تكون في تحققها التاريخي الفعلي مرتبطة بالواقع المعيش، فهي لا تني أن تكون نتيجة لتضارب أراء وصراع مجرد في الفكر، كائنات فكرية افتراضية تتصارع فيما بينها، إنه الاغتراب على مستوى الفكر[17]. تنبني كما نرى الآن، أنها محض تجريد، ويتولد عليها بالضرورة بناء خطاب مجرد يعطينا صورة زائفة للواقع الاجتماعي، وإصلاحات وهمية بعيدة الأمل، إصلاحات فوق إصلاحات وهلم جر، أي بعيدة عن ما يجري خارج الفكر من ممارسات للصراع الطبقي الذي تتموقع فيه الطبقة الحاكمة في تضبيبه ولكن ممارسته تكون  بمرونة وإلهايئة إن جاز لنا التعبير.[18]

بناء على ما تقدم، أن الفلسفة ليست بمعزل تام عن الحقل الطبقي، وما هذا الحقل الطبقي إلا شرطها التاريخي الأساس بأن تكون الفلسفة راهنة، متزمنة ومتزامنة في الحدث والخبر، ومن ثم، علمية وموضوعية في شكلها التاريخي هذا. وكما رأينا، أن الفلسفة تنتج داخل أسوار مؤسساتية تعليمية، وهذه المؤسسات ليست حيادية، أي أن لها علاقات شتى بالدولة ومؤسساتها الموزعة، وهذه المؤسسات تسير وفق منطق واحد، وتتبادل الأدوار والآليات القمعية والبيروقراطية وغير ذلك بطريقة خفية مستترة، وحتى وإن كانت، مؤسسات معرفية، ترى في المعرفة والعلم أفقها وغايتها. وما بيناه من حالة التمظهرات الفكرية التي تصاحب إنتاج المعرفة، تساهم في التأبيد، وتضاخم الأزمات وتكومها على بعضها البعض، لأنها ابتعدت وتبرمت عن الواقع الاجتماعي، احتكر الواقع، وسرقت المعرفة لتحافظ على مركز  القوة في الهرم الفوقي، والذي هو البرجوازية في شكلها الحالي أي الشكل المتطور الذي لا تظهر فيه كطبقة حاكمة[19]، التي تتوزع قوتها في أي مجال، خاصة في سيكولوجية الإنسان وجيناته[20].

إذا كان فهمنا لما بيناه سالفا واضحا بمكان يجعل فكرة النضال لتحسين الجامعة فكرة مستحيلة، وذلك لما يعتري الجامعة نفسها من فساد مركب، معرفي ووظيفي وإداري هو جزء صارخ في فساد منظومة بكاملها وهي الدولة، ما السبيل إذن نحو التغيير؟

 

[1] – جيل دولوز، حوار في مسارات فلسفية ص 43.

[2]  جيل دولوز، مسارات فلسفية، ترجمة محمد ميلاد، الطبعة الأولى. ص 45.

[3] – جيل دولوز، التكرار والاختلاف، ترجمة وفاء شعبان، الطبعة الأولى 2009 بيروت. ص 485.

[4] -ميشبل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا،الطبعة الثالثة 2012، التنوير للنشر، ص 12.

[5] – مهدي عامل، في قضايا التربية والسياسة التعليمية، ص 11.

[6] – مهدي عامل، في قضايا التربية والسياسة التعليمية، ص 11.

[7] – جورج بوليتزلر، مبادئ أولية في الفلسفة، ترجمة فهمية شرف الدين، دار الفرابي للنشر، 1969، ص 26.

[8] – مقال لفلاديمير لينين منشور في جريدة البرافدا العدد 50 لسنة 1913 بمناسبة الذكرى الثلاثين لوفاة كارل ماركس.

[9] – إن المعرفة هدفها النهائي يتجلى في بيان الحقيقة وقولها، ورغم غموض مفردة الحقيقة، والنقاش حول مفهوم الحقيقة فهو لوحده نقاش طويل ولا متناهي، فحديثنا عن الحقيقة يدخلنا في حقيقة التطابق، أو حقيقة الوحي أو حقيقة الموضوع والخطابات الخ، أنظر، جاك دريدا، الجامعة بدون شرط( استراتيجية تفكيك الميتافيزيقا)، ترجمة عز الدين الخطابي، ص 104.

[10] – مهدي عامل، النظرية في الممارسة السياسية، ص12.

[11] – نفسه، نفسه.

[12]  مهدي عامل، النظرية في الممارسة السياسية ص 13.

[13] – نفسه.

[14] – يمكننا أن نجازف ونعطي نماذجا على سبيل المثال لا الحصر، إن التوليفة المعرفية والفلسفية التي قام بها كانط في القرن الثامن عشر، التي تجسدت في ثالوثه النقدي، خاصة في عزله بين العالم الظاهري والعالم الميتافيزيقي(النومين|الفينومين)، هو أنه سمح، بحياده الفلسفي، أن يكون للعقل حدودا، حدودا تجد فيه المقولات الميتافيزيقية مرتعا للعيش والتوالد، وربما في نظري، أن كانط دون سواه من الفلاسفة نجد عودة إليه، عودة تشوبها نزعة الواجب الذي تحدث عنه، إنها نزعة الايديولوجية للتمكن من السيطرة على المعرفة الطبقية.

[15] – هناك سوء فهم قد يتولد مما أوردته أعلاه، ويجب بيانه جليا لتفادي أي اتهام بالأشهاد.الكثير يفهم على أن الطبقة البروليتارية، حين تصبح طبقة مسيطرة، قد يتحول هدفها إلى السيطرة نفسها على البنية الاجتماعية، ويمكنها في هذا، ان تستولي على السلطة، ونصبح أمام سيطرة أخرى، إذا تتحول فيه الطبقة البروليتارية إلى طبقة حاكمة، إنها لا تمارس سيطرتها الطبقية في هدف تأبيد سيطرتها هذه، بل في هدف القضاء على البنية الاجتماعية إلى تاريخ آخر، ليس تاريخ البشرية، قياسا عليه، سوى ما قبل التاريخ. أنظر مهدي عامل في النظرية في الممارسة السياسية ص 13.

[16]  مهدي عامل، النظرية في الممارسة السياسية، ص 16.

[17] – أنظر مساهمتنا في مقال عنوناه بالاغتراب في بعده النظري في الفلسفة الألمانية، كانط فيخته وهيغل، وهو ضمن مشروعنا حول المسألة الدينية عند كارل ماركس.

[18] – أنظر مهدي عامل النظرية في الممارسة السياسية،ص 16،17،16.

[19] – أنظر مساهمتنا في صراع طبقة البروليتاريا مع نفسها.

[20] – أنظر مساهمتنا في مفهوم النضال ومفهوم البقاء في الممارسة السياسية والوجودية.

شاهد أيضاً

دين الإلحاد

د.محمد المزوغي “.. في الوقت الذي يبقى فيه المتديّن مُتحصّنا في إيمانه، ومقتنعا أشد الاقتناع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *