الرئيسية / Non classé / الطاحونة

الطاحونة

سميرة بورزيق – قاصة مغربية

الفكر يطحن نفسه، رحى الفكر تطحن الهواء تحتها دون أن يخرج منها شيء: كزيت مثلا، أو دقيق…

يقول له الطبيب تناول هذا الدواء، سيجعلك تنام ويتوقف عقلك عن التفكير، نعم سيتوقف تفكيرك عن التفكير. الدواء سيأخذ مفعوله بعد ساعة من تناوله.

كغبي جحظت عيناه في الطبيب، تناول الكأس من فوق المكتب وابتلع الحبتين.

ـ قال: سأصل المنزل بعد ساعة إلا ربع، سأدخل مباشرة إلى السرير.

ـ وافقه الطبيب بإماءة منه.

وقف يودعه ويحثه على الصمت الداخلي ويتمنى له الشفاء من مرضه.

ارتمى سعد في فراشه من باب المنزل، بعد أن سرى شيء في جسده يشبه النمل، إنه المخدر قال سعد وهو يحاول أن يزم شفتيه التي ارتخت.

فرح لأنه أخيراً سينام، وفرح أكثر لأنه سيكف تفكيره عن التفكير.

أخيراً نام سعد، إنه يشبه الطفل الصغير، أنظرا إليه، قالت زوجته لولديه الواقفين على باب الغرفة، طلبت الزوجة المسكينة الولدين الاقتراب من والدهما لرؤيته ينام أخيراً.

قالوا جميعهم بصوت واحد: أخيراً عم الهدوء منزلنا. تسلَّلوا على أطراف الأصابع وانسحبوا من الغرفة تاركين وراءهم والدهم الذي لم يدق طعم النوم منذ شهور.

نام سعد ونامت حبتي الدواء في أمعاءه، ولم ينم تفكيره. نسي أنه، كما أن هناك نسخاً كثيراً للأشياء وأشباها كثيرة تتكرر هنا وتصادفها هناك، فإن للتفكير نسخاً وأشباها أو أشباحاً هناك وهنا أيضاً. في جمجمة رأسه.

رأى سعد فيما يرى النائم والله أعلم، رأى رجلاً قصير القامة، إن لم نقل رجلاً قزماً، أفطس الأنف حتى أضحكه شكل أنفه. وقف عليه الرجل وصار ينظر إليه، ويسأله:

ـ هل تعرفني يا سعد؟

رد سعد بالنَّفي، وهو يرتجِف من الخوف كمن رأى جنيّاً. فالرجل يشبه صورة الجن التي رسمها المجتمع في ذهن سعد: الجن دائماً عبارة عن قزم، ذو أذنين طويلتين، وعينان كبيرتان جاحظتين، لهما لون أخضر وأصابع طويلة لها أظافر معقوفة كأقواس معدن نحاسي، والله أعلم دائماً.

ـ قال له القزم: أنا التفكير يا سعد، أو قل ابنه البكر، أرسلني لأبلغك رسالته إليك لأنه لا يستطيع زيارتك فهو نائم يأخذ قيلولته.

ـ أومأ سعد باستسلام الخائف، وشفتاه التي يبذل جهدا في زمها لمنه يفشل فيتركها ترتخي واللعاب يتسلَّل عبرها إلى ذقنه. نعم، نعم سيدي أنا استمع إلى رسالة والدك المحترم.

ثم تلا عليه القزم رسالته:

“عزيزي سعد، سعدك من سعدي، وسعدي من سعدك، كنت أحترمك كثيراً حين كنت تتركني أعيش، نعم لقد سعدت لأنك بعد كل هذه السنوات من عمرك، صرت تفكر أخيراً. وهذا يعني لي الكثير، بل أكثر من ذلك أنك فعلاً كنت تصنع وجودي الذي اندثر مع سقراط وأفلاطون، وديكارت.

عزيزي سعد لقد حزنت كثيراً حين ابتلعت الحبتين، وحزنت أكثر لأنك أصلاً ذهبت لطبيب غبي كي تستشيره فيّ. ماذا فعلت لك يا سعد، فأنا مجرد كائِن هلامي، غير مرئِي يعيش، كما أنت مجرد كائن مرئي يعيش بدوره. فكما تحتاج لمكان يسعك، وتتحرك داخله، وإلى زمن تتنقل في سطره. فأنا أيضا أحتاج إلى مكان، ومكاني هو أنت، وزماني هو ذاكرتك يا سعد، إنها ذكية جداً، حتى أن كوخي في عقلك سجلته ضمن ملكيتي.

لماذا ابتلعت الحبتين يا سعد، لماذا؟ لقد خذلتني بعد أن قلت أخيراً: ” ما أسعدني بسعد”.

تحرك جسد سعد كمن يصارع جنياً خفيّاً،

قال له القزم: لا تخف فأنا غير مرئي، أنا مجرد تفكير

اسمع يا سعد، في الخارج وأنت نائم الآن، هناك أصوات قادمة من النافذة، والكثير من الأحداث العابرة التي لا يلتفت إليها الناس. في الخارج يا سعد كلاب تنبح، إنها كلاب كثيرة، عشرة أو اثنتي عشر كلباً، ينبحون ويتعاركون حول كلبة واحدة تكمل العدد ثلاثة عشر، والوقت الآن يشرف على آذان الفجر، من سيفكر في هذه الكلاب، وهذه الكلبة، من سيفكر في نباحها في هذا الوقت؟

لولا الحبتين يا سعد لكنت الآن تفكر في الكلاب الاثنتي عشر والكلبة المسكينة، التي تكمل العدد ثلاثة عشرة. لماذا لا تريد التفكير فيما يحدث بالخارج؟

لكن لا تقلق، فالتفكير داخلك يشتغل رغم الحبتين، إنه يتناسخ بكثرة، فهو ليس دائماً واحداً، فله عائلة أيضاً، إنه متعدد يا صديقي: يغيب تفكيرك بسبب الحبتين، ولنفس السبب يحضر تفكير آخر، والدليل على ذلك هو “أنا” الذي أقف أمامك الآن.

لو لم تستشر الطبيب الغبي، ولو لم يصف لك الحبتين ذات المفعول بعد ساعة إلا ربع كما قال، لكنت تفكر في الكلاب والكلبة، أو في القطة وبقية القطط. لكن ها أنا أجد نفسي أنوب على والدي في ذلك، أنا أفكر بدلاً منه، بدلاً من تفكيرك ريثما يستيقظ من قيلولته بعد سبع ساعات أخرى من التمدد في هذا السرير.

في الخارج يوجد دائماً ما نفكر فيه، أنظر يا سعد مازالت الكلاب تنبح وتطارد الكلبة المسكينة التي التصق بمؤخرتها ذيل كلب محظوظ، حين تستيقظ لن تجد أثراً لكل هذا في الخارج، سيقلبون شاشات التلفاز لنشاهدها من الجهة الأخرى، لذلك يجب عليك يا سعد أن تستيقظ.

كان الطيف ينفصل تدريجاً على جسد سعد، تسلَّل من زجاج النافذة وكانت الكلاب تستريح بالقرب من حاوية أزبال في آخر الشارع، دمدم الطيف: سعدي بالكلاب وبالفكر”

 

شاهد أيضاً

يا صباحاً

بقلم يونس عاشور أقبلت بالنّسماتِ تبتهجُ… وفي ثناياكَ بُشرى للنّفس تمتزجُ… برحيق عطرك الفوّاح   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *