الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / محمد عابد الجابري قارئا لابن رشد

محمد عابد الجابري قارئا لابن رشد

جيهان نجيب، المغرب

يمكن القول أن النص الرشدي يلعب دورا مهما في تشكل فكر الجابري حيث تمت صياغة فكر الجابري تحت تأثير جارف لابن رشد و موقفي من إبراز هذا الإشكال هو رصد خفايا ذلك الحضور و رصد إلى مدى حمل ابن رشد للخطاب البرهاني داخل الثقافة العربية الإسلامية.

لقد رأى الجابري في ابن رشد فيلسوفا مصححا و مدققا يتحرك في شتى الاتجاهات  الفلسفية و الفقهية ووظفه لهذا الغرض مركزا على نقطة واحدة هي إعادة الأمور إلى نصابها بعدما لحقها من ضرر على يد السفسطائيين المغالطين و المتكلمين الخطابيين فعمل ابن رشد يخضع لغاية موجهة تتمثل في إعادة البناء.

إن ابن رشد حسب الجابري يعيد بناء كل من الفلسفة و العقيدة القرآنية بالعمل من جهة على تخليص الفلسفة من تأويلات ابن سينا و الرجوع بها إلى الأصول إلى أرسطو بالذات  و العمل من جهة  أخرى على تخليص العقيدة الإسلامية من تأويلات المتكلمين و في مقدمتهم الأشاعرة و الرجوع بها إلى الأصول.

اعتمد ابن رشد بحسب الجابري طريقته التي تقوم على توجيه النقد لهؤلاء الخصوم، حيث تم إبراز بديل ذلك، إنه يستدعي استراتيجية الهدم و التقويض بعد تبيان تهافت الحجج في كتابه “تهافت التهافت” الرائجة  بنى على أنقاضها أطروحاته. لقد كان ملما بالمنطق الأرسطي و الذي جعله على بينة استراتيجية تقويض التقليد.

و لأجل هذا تعامل الجابري مع النصوص  الرشدية من خلال قراءة تتخذ نقطة ارتكازها عقلانية فيلسوف قرطبة و بعد تبين هذه النقطة و تحصينها جيدا يكشف الجابري عن الاليات التي اعتمدها ابن رشد و هو يتجه نحو المنطقة المظلمة في الموروث العربي لكي يسلط عليها أضواء الفلسفة الكاشفة  و هذا ما نجده بشكل خاص في تعامله مع السينوية و الغزالية و مشتقاتها. وهكذا لمحاربة جدليات و خطابات السينوية الهرمسية سيلجأ إلى :

– شرح أرسطو وتقريبه إلى الناس.

– الكشف عن انحرافات ابن سينا في كتابه تهافت التهافت والرد على تشويش الغزالي.

– الرد على عموم الأشاعرة في كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من اتصال” حيث يبين أن النظر في المنطق و الفلسفة واجب شرعا نظرا لتكفير الأشاعرة للفلاسفة و تحريمهم المنطق و الفلسفة .

– إبطال منهجية المتكلمين و طريقة المتصوفة في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة.

يتعلق الأمر إذن بوظيفة تصحيحية، فابن رشد لا ينقد في كتابه “تهافت التهافت” على سبيل الذكر الغزالي لمجرد النقد بل ليدقق المسائل و الأفكار و المفاهيم حيت يقف موقف الأستاذ المصحح لما ينسبه الغزالي لأرسطو.

لقد تعامل معه باعتباره فيلسوف له خطاب جدري فكان صاحب روح حربية تحسن ضبط استراتيجيتها فابن رشد لا يهادن أية فرقة كلامية لأنه وقف ضد الفرق جميعا لما ألحق من ضرر بوحدة الأمة عبر تأويلاتها الفاسدة و تلفيقاتها الضارة التي أفشتها بين الناس، نحن هنا أمام إعادة تأسيس نظرة واقعية ونقدية تعمل على إعادة بناء العلاقة بين البيان و البرهان و إعادة تأسيس الفكر العربي و العقل البرهاني التي دشنها ابن حزم و عمق مضمونها العقلاني ابن باجة و هما شكلا الشرطين الموضوعيين الأساسيين و الذاتيين لتأسيس هذه العلاقة و لتلاقحهما ظهر ابن رشد و عمق عقلانية واقعية فتحت آفاقا جديدا لتكوين عقل برهاني جديد.

من هنا نفهم السبب لأجله قرأ الجابري ابن رشد من خلال مفتاح السياسة على وجه التحديد و الذي تمتل في تلك الأضرار التي نجمت عما قامت به الفرق الكلامية من التصريح للجمهور بتأويلاتها و ما نتج عن ذلك من حروب. وهذا يخول لنا الجزم أنه قرأ فيلسوف قرطبة باعتباره ينشد إصلاحا فلسفيا و دينيا في نفس الوقت نافيا عن كتاباته أن تكون سجالية مقصدها إفحام الخصم و التلبيس عليه فهذا ذأب المتكلمين، فقد كان يتجاوز ذلك لكي يؤهل إصلاحا يمكن أن يجعل الأمور تسير في اتجاه آخر مخالفا تماما لما آل إليه الوضع على شتى الصعيد مرتكزا على علم عصره، و هنا بالذات يفهم سر إكبار ابن رشد لأرسطو من ناحية و دفاعه عن الشريعة الإسلامية من ناحية ثانية ، حيث كانت تحركه قناعة مؤداها أن ما تقره الشريعة يتطابق مع الفلسفة ، أي ما جاء به أرسطو من حيت الغاية القصوى التي هي الفضيلة .

يؤكد الجابري أنه يقوم بهذه القراءة على ضوء الابستمولوجية و ينأى بنفسه  عن الإيديولوجية إنها قراءة ابستمولوجية خالصة ومن هنا جدتها، ففي كتاب )نحن و التراث(يشير إلى أنه يقدم قراءة جديدة لفلسفة ابن رشد مفصحا عن القطيعة الإبستمولوجية باعتبارها محددا من محددات تلك القراءة مبينا أنه ينظر إلى المدرسة الفلسفية التي عرفها المغرب الإسلامي على عهد دولة الموحدين كمدرسة مستقلة تماما عن المدارس الفلسفية في المشرق فلقد كان لكل واحدة منهما منهجها الخاص و مفاهيمها الخاصة و إشكاليتها الخاصة.

حين تستند الأطروحة الأساسية للجابري إلى القطيعة بين المدرستين المغربية و المشرقية التي تتبدى برأيه على صعيد المنهج و المفاهيم و الإشكالية فالأمر يتعلق بفلسفتين مختلفتين نوعيا : اختلاف بين فلسفة مغربية  عقلانية برهانية و إصلاحية تستمد مقومات وجودها من ثورة ثقافية كبرى أنجزها المهدي  ابن تومرت  تمردت على التقليد وعادت إلى الأصول و ارتكزت على الأرسطية في صفائها و نقائها بعد أن تم تطهيرها مما هو دخيل عليها وبين فلسفة مشرقية خلطت الديني بالفلسفي و تأثرت بالأفلاطونية المحدثة فابتعدت عن أرسطو الحقيقي  و قدمت لنا أرسطو آخر متشبع بالعرفان و الغنوصية.

فالجابري لا يتعامل مع هذا الفيلسوف باعتباره هدفا في حد ذاته بل من حيت هو وسيلة يمكن أن تخدم قضية راهنة فابن رشد قد  مات لكن العرب مازالوا و إذا كانت هناك مهمة تستحق النهوض عليها فهي استدعاء الشيء الحي في ابن رشد ليؤدي وظيفة في زمان العرب.

إن هاجس الجابري هو إنجاز قراءة لم يسبق إليها أحد ، يكون لها وقع في تحرير العقل العربي حيت القيام بتلك القراءة على ضوء مفهوم القطيعة الابستمولوجية ففيه تتجلى تلك القطيعة في أبهى صورها بالنظر إلى الموقف الصارم الذي اتخذه اتجاه فلاسفة المشرق فما قدموه غريب عن الفلسفة و أقرب إلى التصوف.

إن هدف الجابري من استحضار ابن رشد هو لكونه صاحب  برهان و حاجة عقلية فهو يحفز  عميقا في تربة علم الكلام ليكشف عن المخفي بين طياتها و يربط الصلة التاريخية بين بعضها البعض لكي يؤلف بين الأجزاء المتناثرة و يرسم لوحته عن هذا المبحث حتى يصبح مفهوما.

لقد ركز الجابري نظره على قياس الغائب على الشاهد معتبرا إياه نقطة القوة في النقد الذي وجهه ابن رشد لخصومه من المتكلمين فهؤلاء وقعوا بين براتن هذا القياس الفاسد إذ لا يصح القياس إلا عندما يتعلق الأمر بأفراد يشتركون في نفس الطبيعة بينما ينعدم ذلك هنا، فالمتكلمون يقيسون الشاهد أي العالم الواقعي و ما يجعل إليه من طبيعة و مجتمع و تفكير على الغائب وهو التصورات التي شيدوها في أذهانهم عن الله ، يمسكك ابن رشد الذي يقدمه الجابري بالحلقة الضعيفة في سلسلة البنيان الذي شيده خصومه وهو قياسهم الغائب على الشاهد فهم يخلطون بين عالمين منفصلين بينما يرسم هو بعناية فائقة الحدود بينهما.

لقد انطلق في تصوره المنهجي الجديد للعلاقة بين الدين و الفلسفة من مبدأ أساسي وهو التأكيد على الفصل بين عالم الغيب و عالم الشهادة فصلا جذريا أساسه أن لكل منهما طبيعته الحاصة التي تختلف جوهريا عن طبيعة الآخر، وهذا الذي تم توضيحه الآن يبين لي إمكانية استنتاج الجابري أن أنجز قراءته مدفوعا بإحساسه أن هناك وجه شبه كبيرا بين زمن ابن رشد و زمن الثقافة العربية الإسلامية فقد اعتبره معاصرا لنا من حيث الإشكاليات التي طرحها متلما تقدم ذكره ومن تم فهو سلاح مناسب لخوض معارك راهنة إنه يحمله مهمة تاريخية كبرى يعاصرها العرب اليوم و هكذا فإنه كأنما يعتبر العودة إلى ابن رشد بمتابه استرداد سلاح ماض تجاهله أصحابه لفترة طويلة بينما كان في متناولهم و لكنهم لم يقدروا قيمته و لحقتهم الهزائم و الخيبات المتتالية فجاء هو لكي ينبههم إلى قيمة ذلك السلاح مصمما على وضعه بين أيديهم بعد أن أزال عنه غبار الزمن.

إن الجابري هنا يخاطب قارئه من خلال فيلسوف قرطبة لكي يرسخ لديه البرهان و العقل و التحليل و النقد لكن نتساءل مع الجابري لماذا ابن رشد هو بالتحديد؟

لقد أكد أنه يقدم قراءة جينيالوجية تاريخية تكوينية . إن حاجة ابن رشد هو حاجتنا نحن إليه حاجتنا لفكر مثل فلسفة ابن رشد تجول في بيئة عربية تزخر بها إشكالات طرحها ابن رشد نفسه هذا بإقرار الجابري حيث أن الواقع العربي ظل في حالة انحباس تاريخي منذ ابن رشد و ربما قبله، لذلك استدعى الجابري ابن رشد حيت تعامل معه شريكا في تطارح إشكاليات عصرنا مؤكدة في الوقت ذاته أن ابن رشد لا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا شاركناه نحن أيضا فهي الإشكاليات التي عصفت بعصره، أي وجوب أن نحس التعامل معه فهما وكان الجابري مدركا أن الصراع ضد ممتهني الخطابة الدينية لأغراض سياسية في عصرنا يشبه تماما عصر ابن رشد ضد متكلمي عصره فالطرفان المتصارعان متماثلان العقل و الفلسفة من جهة و النقل والخطابة و الكلام من جهة ثانية لقد رأى فيه محاربا ضد التعصب و الدوغمائية فهو الفيلسوف الذي يواجه المتكلمين مواجهة شاملة، فلا يستثني أقربهم إلى العقل و العقلانية و نعني المعتزلة طالما أن منهجهم و منهج غيرهم من الفرق هو عينه.

ما أهدف من خلاله هنا في هذا المستهل هو إبراز الأهمية الرشدية في ثقافتنا و حاجتنا إليه في تأسيس عقلية برهانية صرفة مركزة على تحقيق نهوض و تجديد عربيين و بالتالي استحضار الجابري لابن رشد ليست محاولة فلسفية تأملية فقط و إنما لها رهان عملي تروم إنجازه، فهي منشدة إلى مشروع ينشد بديلا عقلانيا حداثيا لوضع عربي يسوده الجهل و الاستبداد. و الجابري لا يخفي هذا البرهان بل يبرزه إنه يطلب مقصدا واضحا و هو تجديد الثقافة العربية ، هذا التحديد الذي لن يكتب له النجاح إلا إذا انطلق من عناصر عقلانية تتضمنها تلك الثقافة نفسها أما إذا استند ذلك التجديد إلى عناصر خارجية برانية فإن مصيره الإخفاق لا محالة.

إن هدف الجابري هو تأسيس لرشدية عربية تأخر ظهورها للمدة قرون ، لذلك نراه يتحدث  عن استنبات رشدية عربية إسلامية هي وحدها القادرة في نظرنا على أن تعطي لحياتنا الثقافية، ماهي في حاجة إليه من القدرة الذاتية على التصحيح و التجديد.

فهو يرى أن هناك حاجة ماسة لابن رشد عربيا و أن هذه الحاجة علمية بالأساس و لكنها إيديولوجية أيضا خاصة من جهة الاجتهاد و النقد و اتباع سبيل الفضيلة فحاجة الرجل هي حاجة فقهية و فلسفية و علمية و هي ضرورة تفرضها علينا أوضاع العقل العربي المنهزم و حاجتنا إلى تجديده في إطار أساسي برهاني. بحجة العقل العربي دو روح علمية نقدية اجتهادية و اتساع أفقه المعرفي و انفتاحه على الحقيقة. لكن السؤال هنا هو ما جدوى قراءتنا لابن رشد و استحضاره داخل ثقافتنا مع العلم أن معاناة العقل العربي تزداد كل يوم و خاصة و إذا استحضرنا تفشي الظاهرة الأصولية باستتباعاتها المختلفة ناهيك عن التطرف الديني إلى الحد الأقصى؟ ثم ما مبرر الجابري في تركيزه على فيلسوف قرطبة المصلح و المدشن للعقل الحداثي البرهاني في العالم العربي؟

وفي احتفاءه المفرط هذا بابن رشد رأى أن الفكر ليس له من قيمة إلا باعتباره يساعد على التحليل الملموس للواقع الملموس بما يمكن من تغييره ، أما مهمة التغيير في حد ذاتها تستوجب أسلحة كتيره أخرى.

بقيت الإشارة إلى مسألة أخرى أساسية  في هذا المستهل إذ هي تلبس ابن رشد في توب الفيلسوف المسلم  الحريص دينه و إيمانه الذي يحاول جاهدا أن يبرر الصورة الحقيقية لذلك الذين فابن رشد يتقمص على يد الجابري توب المدافع عن العقيدة و الشريعة لكنه لا يقوم بالدفاع كيفما اتفق و إنما يعتمد دفاعا عقليا برهانيا من خلال قراءة داخلية للدين تربطه بمقاصده العملية و خاصة الأخلاقية منها ومن هنا يتجاهل الجابري كل الإشارات التي يتضمنها النص الرشدي و خاصة ما ورد في مختصر كتاب السياسة لأفلاطون بخصوص النمط المجتمعي المراد تأسيسه و دور المرأة فيه، من حيث تقلد منصب الرئاسة و حيازة الحكمة و التي يمكن أن يفهم منها التعارض مع مبادئ الشريعة و توابتها ربما خشية أن يؤول ذلك إلى زعزعة تلك الصورة التي يرسمها لابن رشد و التي في حال تشققها فإن المستفيدين هم أولئك الدين يحضرون بالغياب في قراءة الجابري أي الأصوليون أو المتكلمون المعاصرون الذين ألحقوا الضرر بجسد الأمة.

وما يجب الختم به هنا هو أنه إذا كان الجابري يرى في ابن رشد مفتاحا لمقاومة التعصب الديني و الأصولية فإن هذا و إن اتفقنا معه فإنه لا يجب أن يخفى أن تلك المقاومة لا ينبغي أن تنحصر في توظيف الرشدية فقط بل في الجوانب التاوية في الموروث الغربي مشرقا و مغربا وما أنجزته الفلسفة و العلوم الإنسانية على صعيد كوني، لقد كان الجابري حريصا على القطع مع القراءات الإيديولوجية الذرائعية و الاتجاه من ناحية قراءة إبستمولوجية غير أنه كان هو أيضا سجين إيديولوجية مضمرة و ليس من الصعب الكشف عنها و حتى الرغبة في تجاوزها يصعب. لكن لنسأل في الأخير  هل كان الجابري سيتجه صوب قراءة ابن رشد لو لم يكن هناك دافع واقعي حتم عليه ذلك وخاصة ظروف قوى الانتكاس قبضتها على المجتمع العربي مستعملة المقدس الإسلامي موظفة التراث في معركتها ؟

ربما كان لتك القوى الماضوية فضل كبير ليس فقط على الجابري و إنما على الكثيرين و غيره من المفكرين الغرب المعاصرين الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على العودة إلى الموروث للكشف عما فيه من جوانب عقلانية بغية توظيفها في المعركة منذ تلك القوى بالذات و بالتالي معانقة مجتمع المستقبل.

إذن يبقى هدف الجابري هو إبراز مراحل تكوين العقل العربي داخل الثقافة العربية الإسلامية و أساس تكوين العقل البرهاني و ظروف نشأته فقط لكن وجدنا أنفسنا أمام التأريخ للفكر العربي و نحن بهذا الصدد  نقول أننا في حاجة ماسة لإعادة كتابة تاريخ العقل العربي من جديد. و السؤال الذي يطرح نفسه هو أين كان يقع العلم العربي من حركة الثقافة العربية إنما يتجه أساسا إلى علوم البرهان؟

العلم البرهاني:

إن الحديث عن علم برهاني يفرض علينا التمييز بين نوعيين من الممارسة العلمية أولها ممارسة نظرية المنظومة الأرسطية و ممارسة عملية تتحرك خارجها حيث أن ممارسة كل من الفارابي و الغزالي و ابن سينا و ابن رشد… كانت مؤطرة بنظام أرسطي و لكن ما لبتت هذه المنظومة و أن تحولت إلى منظومة ميتافيزيقية، فلم يكن للعلوم الموظفة داخلها أن تفكر في التقدم إلا بتكسيرها، ولا يمكن تكسير هذه المنظومة إلا بالاعتراف بها و التحرك داخلها و هو “ما حتم الأمر ظهور الرشدية التي قامت بهذا العمل و خلقت تيارا عقليا برهانيا ثوريا حرك عجلة التقدم مما جعل العلم و القيام بدوره التاريخي في النهضة الأوروبية الحديثة، لكن وضعية العقل العربي داخل التراث الإسلامي بقيت جاهدة حيث لم يتم الاعتراف بالمنظومة الأرسطية كما في أوربا المسيحية لأن المرجعية الدينية لم تكن تحتاج إلى هكذا عقل يحكم تشبتها بالعقل البياني الخاص وهو مستقل عن باقي العلوم بمنطقه و علمه. فالأمر احتاج أكيد إلى ابن رشد كمدشن للعقلانية البرهانية و الذي مارسه ممارسة علمية حقا حيت كانت هذه المنظومة الجديدة على درجة كبيرة من النضج و التقدم مما خلف الأمر لنا علماء أمثال ابن الهيتم الذي مارس الاستقراء العلمي و الاعتبار التجريبي بطريقة علمية تماما، لكن المثير للأسف أن العلم العربي قد بقي من أول الأمر حتى نهاية خارج مسرح الصراع في الثقافة العربية “[1] رغم التقدم  الذي عرفته الممارسة العلمية الحقة مع هؤلاء العلماء العرب .لأن الصراع الذي شغل الثقافة العربية كان بين نظامين معرفيين النظام البياني و الإيديولوجيا السنية من جهة و النظام العرفاني والإيديولوجيا الشيعية من جهة ثانية، لكن بخصوص النظام البرهاني الذي نطمح من خلاله تشكيل عقل برهاني دخل ليحل مشاكل ذلك الصراع أي حلم المأمون أي إصلاح ما بين المنظومتين مما جعله يبقى على هامش المنظومات الفكرية و الإيديولوجية المتصارعة و يبقى العقل العربي على حاله لأن هذا النظام البرهاني لم يساهم في تكوين العقل العربي ككل. لذلك يؤكد الجابري بالقول “أن العلم العربي ظل علم الخوارزمي و البيروني وابن الهيتم خارج مسيرة التطور في الثقافة  العربية حيث أنه لم يساهم تغدية العقل العربي ولا في تجديد قوالبه. لذلك بقي العالم العربي وخاصة العقل العربي بدون تكوين بقي ممتدا حسب الجابري على بساط واحد من عصر التدوين إلى عصر ابن خلدون بقي زمن ركود منذ عصر ابن خلدون إلى النهضة العربية الحديثة التي لم تتحقق بعد على أرض العرب”[2]. وعلى هذا فإن بنية الثقافة العربية ذات زمن واحد، زمن راكد يعيشه الإنسان ما عاشه أجداده في القرون الماضية. حيث أن العقل العربي هو عقل فقهي بالأساس حيث أصبح الفقه هو المشرع للعقل، “ذلك أن المسلمين إنما بدأوا يتأخرون حيثما بدأ العقل عندهم يقدم استقالته حينما أخدوا يلتمسون المشروعية الدينية لهذه الاستقالة، في حين بدأ الأوروبيون يتقدمون حينما بدأ العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه”.[3]

إن الإضافة الحقيقية التي قدمها الجابري في العقل العربي الذي هيمن عليه التحليل التكويني، تكمن في تحليل الطريقة التي تشكل و تكون بها.

و إذا لم ندخل  في عصر تدوين جديد وما لم نضع عقلا سائدا جديدا و بالتالي مالم يغير العقل من طرائق تفكيره و آلياته و مفاهيمه و مناهجه و تصوراته ورؤاه فلن نستطيع بأي حال من الحديث عن فعل نهضوي.

يخلص الجابري هنا إلى التأكيد أن هدفه هو إبراز قيمة العقل العربي عن طريق نقده للعقل البرهاني العربي داخل الثقافة العربية الإسلامية. و أساس تكوين العقل البرهاني و ظروف نشأته، الأمر الذي ذهب به  أمام مواجهة التاريخ الفكري العربي  وهو بهذا الصدد يؤكد أنه  في حاجة ماسة لإعادة كتابة تاريخ الفكر العربي من جديد.

من أرشيف جيهان نجيب:

قواعد العشق الأربعون

اشكالية الحداثة بين العروي والجابري

القطيعة الإبستمولوجية عند غاستون باشلار

نقد، نقد العقل البرهاني العربي لمحمد عابد الجابري / الجزء الثالث

 نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الثاني

  نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الأول

معركة الحريات الفردية في المغرب

الفلسفة المنفتحة عند غاستون باشلار

ما بين الأصالة وقيم الحداثة

[1] محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي, سلسلة نقد العقل العربي,1 بيروت: دار الطليعة 1984 ص 345

[2]  مرجع سابق، محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي ص 347

[3]  نفسه ص 347- 348

شاهد أيضاً

كتاب جديد في تدريس الفلسفة

صدر مؤخرا كتاب جديد يحمل عنوان في تدريس الفلسفة وهو نتاج عمل جماعي ساهم فيه اساتذة مادة الفلسفة بالمديرية الاقليمية ورزازات المغربية تحت اشراف المؤطر التربوي عبد الصمد احيدار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *